وطن-أثار ترشيح الإمارات للدبلوماسية لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة جدلاً حقوقياً ودبلوماسياً واسعاً، على خلفية اتهامات موجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع في السودان، التي تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية، خصوصاً في إقليم دارفور ومدينة الفاشر.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن منظمات حقوقية وشخصيات دولية دعت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى رفض ترشيح نسيبة، معتبرة أن توليها قيادة المنظمة الدولية يثير تساؤلات بشأن استقلالية الأمين العام المقبل وقدرته على التعامل مع الانتهاكات المرتكبة في النزاعات، في ظل دفاع المرشحة عن مواقف بلادها ونفي الإمارات تورطها في الحرب السودانية.
وكانت الإمارات قد رشحت رسمياً لانا نسيبة، المندوبة السابقة لأبوظبي لدى الأمم المتحدة ووزيرة الدولة في وزارة الخارجية، لخلافة أنطونيو غوتيريش في منصب الأمين العام. ويأتي ترشيحها وسط نقاش دولي بشأن معايير اختيار الشخصية التي ستتولى قيادة المنظمة، ومدى قدرة المرشحين على التعامل باستقلالية مع الأزمات الدولية ومحاسبة الأطراف المتهمة بانتهاكات القانون الدولي.
وبحسب الصحيفة، فإن الجدل المحيط بترشيح نسيبة لا يتعلق بخبرتها الدبلوماسية وحدها، بل يمتد إلى السياسة الخارجية الإماراتية، ولا سيما موقف أبوظبي من الحرب السودانية، إضافة إلى علاقاتها مع إسرائيل في ظل الاتهامات المرتبطة بالحرب في غزة.
منظمات حقوقية تطالب برفض الترشيح
خلال ندوة افتراضية شاركت فيها منظمات وشخصيات حقوقية، برزت دعوات إلى عدم دعم ترشيح نسيبة، انطلاقاً من مخاوف بشأن استقلالية القيادة المقبلة للأمم المتحدة وقدرتها على الدفاع عن حقوق الإنسان في النزاعات الدولية.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة «هيومن رايتس ووتش»، قوله إن قيادة الأمم المتحدة لا ينبغي أن تتولاها شخصية تنكر وقوع إبادة جماعية، وفق تعبيره، متهماً الحكومة الإماراتية بالمساهمة في دعم أطراف مسؤولة عن انتهاكات خطيرة والتغطية عليها.
واعتبر روث أن هذه الاتهامات تتعارض مع المسؤولية الأخلاقية والحقوقية التي ينبغي أن يتحلى بها الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يُنتظر منه الدفاع عن القانون الدولي وحماية المدنيين في مناطق النزاع.
من جهتها، وصفت كيت فيرغسون، المديرة التنفيذية المشاركة لمنظمة «بروتكشن أبروشز» البريطانية، الترشيح بأنه محاولة للتأثير في إحدى أهم المؤسسات متعددة الأطراف في العالم. وأعربت عن مخاوفها من عدم توافر ضمانات كافية بشأن استقلالية المرشحة عن الحكومة التي تمثلها.
وتعكس هذه الانتقادات، بحسب التقرير، اتساع الخلاف بشأن العلاقة بين النفوذ الدبلوماسي للدول الكبرى أو الغنية وبين مسؤولية الأمم المتحدة عن مراقبة الانتهاكات ومساءلة الأطراف المتورطة فيها.
في المقابل، حظيت نسيبة بإشادات من بعض الدبلوماسيين الأميركيين السابقين وشخصيات مرتبطة بإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، فيما أشار التقرير إلى أن علاقات الإمارات الوثيقة بواشنطن، إلى جانب احتمال حصول المرشحة على دعم بريطاني، قد تؤثر في مسار المنافسة على المنصب.
الفاشر في قلب الجدل بشأن حرب السودان
يتزامن الجدل حول الترشيح مع استمرار تداعيات الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وتسببت في كارثة إنسانية واسعة شملت القتل والنزوح وتدمير البنية التحتية.
وتبرز مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بوصفها إحدى أبرز بؤر الانتهاكات التي تستند إليها المنظمات الحقوقية في مطالبتها بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين.
وبحسب المعطيات التي أوردتها «ميدل إيست آي»، كانت المدينة تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين الذين لجؤوا إليها هرباً من المعارك، قبل أن تؤدي سيطرة قوات الدعم السريع عليها إلى موجات جديدة من الفرار والانتهاكات.
وقالت منظمة العفو الدولية، استناداً إلى شهادات ناجين، إن الانتهاكات في الفاشر شملت القتل غير القانوني والاعتقال والتعذيب والمراقبة الواسعة، محذرة من اتساع نطاق الانتهاكات ضد السكان.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة في ظل صعوبة توثيق الانتهاكات والوصول إلى الضحايا، نتيجة المخاطر الأمنية والقيود المفروضة على الاتصالات وحركة المدنيين.
ويرى منتقدو الترشيح الإماراتي أن هذه التطورات تفرض أسئلة مباشرة بشأن قدرة الأمين العام المقبل على التعامل مع الأزمة السودانية باستقلالية، خصوصاً إذا كانت الدولة التي رشحته تواجه اتهامات بدعم أحد أطراف الحرب.
اتهامات بدعم قوات الدعم السريع ومطالب بوقف تدفق الأسلحة
خلال الندوة الحقوقية، قال إبراهيم الدومة، أحد مؤسسي منصة «سودان أكشن هب»، إن الحكومة الأميركية خلصت في فبراير 2025 إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على شركات قال إنها مرتبطة بدعم القوات، مشيراً إلى وجود صلات بين بعض هذه الشركات والإمارات.
واتهم الدومة أبوظبي بالمساهمة في استمرار الحرب، معتبراً أن العلاقات التجارية والعسكرية الدولية ينبغي أن تخضع للمراجعة في ضوء الاتهامات المتعلقة بدعم أطراف النزاع.
كما أشار إلى العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والإمارات، بما في ذلك التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجالات يمكن أن تستخدم فيها الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية لدفع الأطراف إلى تغيير سياساتها.
وبحسب التقرير، اتهم الدومة لانا نسيبة بالمساهمة في إغلاق مسارات العدالة أمام ضحايا الفاشر والسودان، في إشارة إلى دفاعها عن موقف الحكومة الإماراتية في مواجهة الاتهامات الموجهة إليها.
وتنفي الإمارات تورطها في دعم قوات الدعم السريع عسكرياً، فيما تستند الاتهامات الموجهة إليها إلى تقارير وتحقيقات وشهادات تتعلق بمسارات إمداد عسكري محتملة. ويظل التمييز بين الاتهامات والأدلة التي جرى التحقق منها أمراً أساسياً عند تناول المسؤولية القانونية والسياسية عن استمرار الحرب.
وفي هذا السياق، دعت منظمة العفو الدولية إلى وقف تزويد أطراف النزاع بالأسلحة والذخائر، وطالبت الدول بوقف نقل السلاح إلى الإمارات إلى حين توقفها، وفق اتهامات المنظمة، عن تزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة في انتهاك لحظر السلاح المفروض على دارفور.
كما طالبت المنظمة مجلس الأمن الدولي بتوسيع حظر السلاح ليشمل جميع الأراضي السودانية، بدلاً من اقتصاره على إقليم دارفور.
تقارير عن تطور القدرات العسكرية لقوات الدعم السريع
من جانبه، عرض ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر البحوث الإنسانية في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، نتائج أبحاث قال إنها تتبعت الدعم العسكري والتقني الذي وصل إلى قوات الدعم السريع من الإمارات، وربطت هذا الدعم بتطور قدراتها الميدانية خلال الحرب.
وأوضح ريموند، وفق ما نقلته الصحيفة، أن قوات الدعم السريع انتقلت من الاعتماد على أسلحة استولت عليها من الجيش السوداني إلى استخدام منظومات أكثر تطوراً، شملت طائرات مسيرة وتقنيات للاستطلاع وجمع المعلومات والتشويش الإلكتروني.
وأشار إلى أن هذه القدرات ساعدت القوات، بحسب تقييم فريقه، على مراقبة تحركات المدنيين وتحديد مواقعهم، في وقت تعرضت فيه الاتصالات والانترنت لانقطاعات أعاقت قدرة السكان على طلب المساعدة وتوثيق الانتهاكات.
كما تحدث عن ظهور مدافع ميدانية متقدمة، بينها مدافع هاوتزر من طراز «إيه إتش 4»، معتبراً أن تطور التسليح يعكس وجود إمدادات خارجية تحتاج إلى تحقيقات مستقلة لتحديد مصادرها ومسارات وصولها.
وتتهم منظمات حقوقية قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة في دارفور، بما في ذلك استهداف مجموعات عرقية، من بينها الزغاوة والفور. وتؤكد هذه الاتهامات أهمية التحقيق في الجرائم المحتملة، وتحديد المسؤولية الفردية والمؤسسية عنها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
علاقات الإمارات بالولايات المتحدة تزيد الجدل
لا يقتصر الجدل حول ترشيح نسيبة على الحرب السودانية، بل يمتد إلى شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية التي تربط الإمارات بالقوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى اتفاقات تجارية واستثمارات وشراكات تكنولوجية بين أبوظبي وواشنطن، معتبراً أن هذه العلاقات قد تكون عاملاً مؤثراً في الحسابات السياسية المحيطة بترشيح الدبلوماسية الإماراتية.
كما أشار إلى إعلان شركة «أنثروبيك» الأميركية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي أنها عطلت عملية تأثير قالت إنها مرتبطة بالإمارات، واستخدمت أدواتها في محاولة لتغيير الانطباعات عن دور أبوظبي في الحرب السودانية.
وتثير هذه المعطيات، وفق منتقدي الترشيح، تساؤلات عن كيفية تعامل الدول مع الاتهامات الموجهة إلى شركائها الاستراتيجيين، وما إذا كانت المصالح التجارية والأمنية قد تؤثر في مواقفها بشأن المساءلة الدولية.
ومع ذلك، فإن وجود علاقات وثيقة بين الإمارات والولايات المتحدة لا يثبت وحده وجود تنسيق بشأن الترشيح أو ضمان دعمه، إذ يتوقف مسار اختيار الأمين العام على اعتبارات سياسية ودبلوماسية متعددة داخل منظومة الأمم المتحدة.
معركة الأمين العام المقبل تتجاوز المنافسة الدبلوماسية
يضع الجدل حول لانا نسيبة عملية اختيار الأمين العام المقبل للأمم المتحدة أمام اختبار يتعلق بمدى تأثير سجل الدول المرشحة ومواقف ممثليها من النزاعات على فرص تولي المنصب.
فمن جهة، تتمتع نسيبة بخبرة دبلوماسية في العمل متعدد الأطراف وتمثيل الإمارات داخل الأمم المتحدة. ومن جهة أخرى، يرى منتقدو ترشيحها أن الاتهامات المتعلقة بدور أبوظبي في السودان تفرض تدقيقاً إضافياً في مدى استقلاليتها وقدرتها على التعامل مع الأزمة.
وفي ظل استمرار الحرب السودانية واتساع الاحتياجات الإنسانية، تتزايد الدعوات إلى وقف تدفق الأسلحة، وحماية المدنيين، والتحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها. وتمثل هذه الملفات جزءاً من التحديات التي ستواجه قيادة الأمم المتحدة المقبلة، أياً كانت الشخصية التي ستتولى المنصب.
وبينما تسعى الإمارات إلى حشد الدعم لترشيحها، ترى المنظمات الحقوقية المنتقدة أن المنافسة لا ينبغي أن تُحسم بالثقل الدبلوماسي أو العلاقات الدولية وحدها، بل يجب أن تشمل أيضاً نقاشاً بشأن المساءلة وحماية المدنيين واحترام القانون الدولي.
وهكذا، تحول ترشيح لانا نسيبة من خطوة دبلوماسية إلى محور جدل دولي أوسع بشأن حرب السودان، وحدود نفوذ الدول داخل المؤسسات متعددة الأطراف، وقدرة الأمم المتحدة على الحفاظ على استقلاليتها في مواجهة الأزمات والصراعات.
اقرأ المزيد
الإمارات ترشح لانا نسيبة لخلافة غوتيريش.. سباق أممي يتعقد وسط جدل بشأن السودان وإسرائيل

