وطن-في خطوة تعكس مساعي كندا إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية وتقليص اعتمادها على السوق الأميركية، أعلنت أوتاوا توقيع اتفاق تجارة حرة واسع مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بالتزامن مع إطلاق محادثات بشأن معاهدة لتسليم المطلوبين، وتوقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه حكومة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى توسيع علاقاتها التجارية مع دول الخليج وأوروبا وآسيا، في ظل التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، التي ظلت لعقود الشريك الاقتصادي الأهم لكندا.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، جاء الإعلان عقب زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان إلى العاصمة الكندية أوتاوا، حيث التقى كارني في زيارة استمرت يومين، وشهدت مراسم استقبال رسمية في البرلمان الكندي.
اتفاق تجاري يستهدف مضاعفة التبادل بين البلدين
تحمل الاتفاقية الجديدة اسم «اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين كندا والإمارات»، وقد جرى التفاوض عليها خلال 47 يوماً، وهي مدة وصفها الجانب الكندي بأنها قياسية.
وقال كارني إن الاتفاق سيتيح، اعتباراً من العام المقبل، خفض الرسوم الجمركية أو إلغاءها على أكثر من 99% من الصادرات الكندية إلى الإمارات، بما يفتح فرصاً إضافية أمام الشركات والمزارعين الكنديين لدخول السوق الإماراتية.
وتشمل القطاعات المتوقع استفادتها من الاتفاق منتجي البقوليات والكانولا، ومصنّعي الآلات الصناعية ومعدات توليد الطاقة، إلى جانب شركات الطيران والابتكار والتكنولوجيا.
من جانبه، أوضح وزير التجارة الدولية الكندي مانيندر سيدهو أن الاتفاق يستهدف رفع حجم التجارة الثنائية من نحو 2.4 مليار دولار إلى قرابة 5 مليارات دولار خلال العقد المقبل، مع منح الشركات الكندية فرصاً أوسع للوصول إلى الاقتصاد الإماراتي، الذي تقدر قيمته بنحو 500 مليار دولار.
ولا تقتصر أهمية الاتفاق على تخفيض الرسوم الجمركية، بل تشمل أيضاً تحسين فرص دخول الشركات إلى الأسواق، وتوسيع مجالات الاستثمار والتعاون الاقتصادي بين الطرفين.
تعاون عسكري ومحادثات لتسليم المطلوبين
إلى جانب الاتفاق التجاري، وقّعت كندا والإمارات مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي، تنص على إنشاء لجنة عسكرية مشتركة تتولى متابعة تنفيذ مجالات التعاون المتفق عليها، بما في ذلك التعليم والتدريب العسكري، والحوار بشأن السياسات الدفاعية، والمناورات المشتركة، والتعاون في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني وتبادل المعلومات.
كما أعلن البلدان عزمهما بدء مفاوضات بشأن معاهدة لتسليم المطلوبين، إلى جانب اتفاق للمساعدة القانونية المتبادلة في المسائل القضائية. ومن شأن هذه الخطوة، إذا أُبرمت المعاهدة ودخلت حيز التنفيذ، وضع إطار قانوني لطلبات التسليم والتعاون القضائي بين الجانبين.
ويفتح هذا المسار نقاشاً حول الضمانات القانونية وحقوق الأشخاص الذين قد تشملهم طلبات التسليم، خصوصاً في ضوء الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى سجل الإمارات في الحريات السياسية والتعامل مع المعارضين.
استثمارات إماراتية بمليارات الدولارات
يمثل الاستثمار الإماراتي عنصراً أساسياً في التقارب الاقتصادي الجديد. ففي نوفمبر 2025، أعلنت أبوظبي التزاماً استثمارياً يصل إلى 70 مليار دولار في كندا، خلال زيارة سابقة أجراها كارني إلى الإمارات، وفقاً لبيان مكتب رئيس الوزراء الكندي.
وقال كارني إن مباحثاته مع ولي عهد أبوظبي شهدت تقدماً في تنفيذ هذا التعهد، من دون الكشف عن جميع التفاصيل المتعلقة بالمشروعات أو المبالغ التي انتقلت إلى مرحلة التنفيذ.
وشملت الاتفاقات التي أُعلن عنها خلال الزيارة تعاوناً في الطاقة المتجددة والبنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية. كما اتفقت شركة «مبادلة» للطاقة المتجددة «مصدر» ووزارة الموارد الطبيعية الكندية على إطار للتعاون في قطاع الطاقة، بينما دخلت شركة «موانئ دبي العالمية» في تفاهمات لتطوير فرص تجارية وممر نقل يربط ميناء تشرشل بشبكات السكك الحديدية والخدمات اللوجستية الكندية والدولية.
وتعكس هذه المشروعات اهتماماً متبادلاً بقطاعات الطاقة والبنية التحتية والتجارة، فضلاً عن رغبة كندا في جذب رؤوس الأموال الخليجية لدعم النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
انتقادات حقوقية وتحذيرات من تقديم المصالح الاقتصادية
لكن توسيع العلاقات مع أبوظبي لم يمر من دون انتقادات داخل كندا. ونقلت صحيفة «ميدل إيست آي» عن ستيوارت ترو، مدير مشروع أبحاث التجارة والاستثمار في المركز الكندي للبدائل السياسية، قوله إن الحكومة الكندية تبدو مستعدة لتقديم تنازلات واسعة سعياً إلى جذب الاستثمارات الإماراتية.
وانتقد ترو التوجه نحو إبرام معاهدة لتسليم المطلوبين وتعزيز التعاون الدفاعي مع الإمارات، معتبراً أن هذه الخطوات تستدعي نقاشاً بشأن مدى اتساق السياسة الاقتصادية الكندية مع التزاماتها الحقوقية.
وتستند هذه الانتقادات، جزئياً، إلى تقارير حقوقية تتناول أوضاع الحريات المدنية والسياسية في الإمارات، فضلاً عن اتهامات تتعلق بدور أبوظبي في النزاع السوداني.
وكانت منظمات حقوقية وصحفية قد نشرت تقارير تتهم الإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع في السودان، وهي قوات تواجه اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة، بينها جرائم وصفتها جهات دولية بأنها ترقى إلى الإبادة الجماعية. وتنفي الإمارات ضلوعها في دعم هذه القوات.
وتقول منظمة «الديمقراطية للعالم العربي الآن»، التي أسسها الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي، إن الحريات السياسية والمدنية في الإمارات تواجه قيوداً واسعة. وفي المقابل، تواصل أبوظبي نفي الاتهامات المتعلقة بتدخلها في الحرب السودانية.
وبذلك، لا يقتصر الجدل الكندي على جدوى الاتفاق التجاري، بل يمتد إلى طبيعة الشراكة الأمنية والقضائية التي يجري بناؤها بالتوازي معه، والضمانات التي ينبغي أن ترافقها.
التوتر مع واشنطن يدفع أوتاوا إلى تنويع الشركاء
تأتي الاتفاقية الكندية الإماراتية ضمن تحول أوسع في السياسة الاقتصادية التي يتبناها كارني منذ توليه رئاسة الحكومة. ففي مايو 2025، أعلن أن العلاقة التقليدية بين كندا والولايات المتحدة قد تغيرت، في ظل التوترات التجارية التي تصاعدت بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
وكانت واشنطن قد فرضت رسوماً جمركية على عدد من السلع الكندية في مارس 2025، ما دفع أوتاوا إلى الرد بإجراءات جمركية مضادة. وأثارت هذه التطورات مخاوف بشأن مستقبل واحدة من أكثر العلاقات التجارية تكاملاً في العالم، إذ ترتبط قطاعات واسعة من الاقتصاد الكندي بالسوق الأميركية وسلاسل الإنتاج العابرة للحدود.
وردّاً على هذه الضغوط، تعهدت الحكومة الكندية بتوسيع التجارة مع الأسواق غير الأميركية، مستهدفة مضاعفة صادراتها إلى بقية العالم خلال العقد المقبل. وتقول الحكومة إن شبكة اتفاقاتها التجارية تمنح كندا وصولاً تفضيلياً إلى نحو 1.5 مليار مستهلك في 51 دولة، من خلال 16 اتفاقية تجارة حرة. وتندرج الاتفاقية مع الإمارات ضمن هذه الاستراتيجية، إذ تمنح الشركات الكندية فرصاً إضافية في سوق خليجية مهمة، فيما تستفيد الإمارات من توسيع حضورها التجاري والاستثماري في أميركا الشمالية.
قطر والصين والسعودية وتركيا ضمن التحرك الكندي
لم تقتصر تحركات كارني على الإمارات، بل شملت عدداً من الدول التي تسعى كندا إلى تطوير علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية معها. فقد زار كارني الصين في يناير، في خطوة هدفت إلى إعادة تنشيط العلاقات التجارية بين البلدين، وأسفرت المحادثات عن تفاهمات تتعلق بالرسوم المفروضة على بعض الصادرات الكندية والسيارات الكهربائية الصينية.
كما زار السعودية في يوليو، حيث أُعلن عن اتفاقات تجارية ومذكرات تفاهم في قطاعات شملت التكنولوجيا الصحية والتعدين والبنية التحتية والدفاع. وفي سبتمبر، وقّعت كندا والكويت مذكرة تفاهم للتعاون في مجالي الدفاع والأمن.
وشملت التحركات أيضاً قطر، التي أعلنت التزامها باستثمارات في مشروعات كندية، مع توسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطيران وتقنيات الدفاع والتصنيع المتقدم والزراعة.
وفي أكتوبر، زار كارني تركيا، حيث أطلق مع الرئيس رجب طيب أردوغان شراكة استراتيجية جديدة، إلى جانب بدء المفاوضات بشأن اتفاق تجارة حرة بين البلدين.
وتوضح هذه التحركات أن أوتاوا تسعى إلى بناء شبكة متنوعة من الشراكات، تشمل الطاقة والتكنولوجيا والدفاع والتجارة، في محاولة لتقليل تعرض اقتصادها للتقلبات الناجمة عن التوترات مع واشنطن.
هل تستطيع الشراكات الجديدة تعويض السوق الأميركية؟
على الرغم من اتساع التحرك الدبلوماسي والاقتصادي الكندي، يرى ستيوارت ترو أن الشراكات الجديدة لا تستطيع بسهولة تعويض العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة، بالنظر إلى القرب الجغرافي والتكامل الصناعي بين البلدين.
وأشار إلى أن صناعة السيارات الكندية تعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل إنتاج مرتبطة بالسوق الأميركية، وأن استمرار الخلافات التجارية قد يضعف الجدوى الاقتصادية لبعض الأنشطة الصناعية داخل كندا.
وتكشف هذه المعضلة حدود استراتيجية تنويع الشركاء: فإبرام اتفاقات جديدة قد يفتح أسواقاً إضافية ويجذب استثمارات، لكنه لا يلغي بالضرورة الاعتماد المتبادل الذي نشأ على مدى عقود بين كندا والولايات المتحدة.
وفي المحصلة، تمثل اتفاقية التجارة الحرة بين كندا والإمارات خطوة مهمة في مساعي أوتاوا إلى توسيع خياراتها الاقتصادية، لكنها تفتح في الوقت نفسه نقاشاً حول التوازن بين جذب الاستثمارات وحماية المصالح التجارية من جهة، والالتزامات الحقوقية والضمانات القانونية من جهة أخرى.
قد يعجبك
كندا تتحرك خارج المظلة التجارية الأميركية.. تركيا في قلب استراتيجية كارني الجديدة
كندا تتحدى ترامب وتعيد رسم علاقتها مع الولايات المتحدة بعد عقود من التقارب..
كندا تفرض رسوماً جمركية تصل إلى 50% على واردات أمريكية تشمل الصلب والإلكترونيات

