وطن-كشف تحقيق استقصائي نشره موقع «دروب سايت نيوز» الأميركي عن إعداد شركة الاستخبارات الخاصة السويسرية «ألب سيرفيسز» قاعدة بيانات تضم أكثر من 11 ألفاً و300 سجل لمستخدمي فيسبوك المقيمين في الإمارات، جُمعت معلوماتهم استناداً إلى تفاعلاتهم مع صفحات إخبارية ومجموعات سياسية اعتُبرت معادية للحكومة الإماراتية.
وبحسب التحقيق، الذي نُشر في 23 أكتوبر 2026، تضمنت السجلات أسماء المستخدمين وأماكن إقامتهم وجهات عملهم ومعلومات شخصية أخرى، ضمن مشروع حمل الاسم الرمزي «أرنيكا 2»، بلغت كلفته 55 ألف يورو.
واستند التحقيق إلى وثائق مسرّبة من أرشيف الشركة السويسرية، قالت المنصة إنها راجعتها، وكشفت عن عملية لرصد نشاط مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وتصنيف أشخاص باعتبارهم «معادين» أو محتملين للمعارضة، بناءً على تفاعلات رقمية لم تثبت بالضرورة انتماءهم إلى أي تنظيم سياسي.
ولا تثبت الوثائق، وفق التحقيق، أن جميع أصحاب السجلات كانوا أعضاء في جماعات معارضة، كما لا تكشف ما إذا كانت قاعدة البيانات قد استُخدمت لاحقاً في ملاحقات أمنية أو وصلت إلى جهاز أمن الدولة الإماراتي.
«أرنيكا 2».. مشروع استخباراتي مقابل 55 ألف يورو
تعود تفاصيل المشروع إلى عام 2017، حين كانت منطقة الخليج تشهد تصعيداً حاداً إثر قطع الإمارات والسعودية والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر وفرض إجراءات ضدها. ووفق الوثائق التي استند إليها «دروب سايت نيوز»، اقترحت شركة «ألب سيرفيسز»، التي تتخذ من جنيف مقراً لها، تقديم خدمات استخباراتية تعتمد على تحليل نشاط مستخدمي فيسبوك، بهدف تحديد أشخاص داخل الإمارات صنّفتهم الشركة باعتبارهم مؤيدين لجهات أو جماعات تعارض سياسات أبوظبي.
وحمل المشروع اسم «أرنيكا 2»، وشمل إعداد قوائم بمستخدمي صفحات إخبارية ومجموعات سياسية، إلى جانب جمع معلومات شخصية عن أصحاب الحسابات وربطها بمواقع إقامتهم ووظائفهم. وأظهرت الوثائق أن الشركة وضعت في أغسطس 2017 قائمة بعشر صفحات على فيسبوك لإجراء التحليل، شملت منصات إخبارية ومجموعات اعتُبرت منتقدة للحكومة الإماراتية، من بينها «الإمارات 71» و«عربي 21» و«العربي الجديد» و«رصد»، إلى جانب صفحات أخرى.
كما استعانت «ألب سيرفيسز» بشركة متعاقدة من الباطن مقرها بوخارست في رومانيا، تدعى «توتال ترست إنفيستيغيشنز»، للمساعدة في جمع أسماء المستخدمين ومعلومات ملفاتهم الشخصية وإعدادها في جداول إلكترونية، وفق المراسلات التي أوردها التحقيق.
وفي أكتوبر 2017، حصلت الشركة على مقترح بميزانية تبلغ 55 ألف يورو لتحليل الصفحات العشر وجماهيرها. وتشير السجلات الداخلية إلى إصدار فاتورة بالمبلغ في ديسمبر من العام نفسه إلى شركة «أرياف للدراسات والأبحاث» في أبوظبي، قبل تسليم البيانات على وحدة تخزين إلكترونية خلال يناير 2018. ولم ترد شركة «ألب سيرفيسز» ولا وزارة الخارجية الإماراتية على طلبات التعليق التي أرسلها موقع «دروب سايت نيوز»، وفق ما ذكره التحقيق.
أكثر من 11 ألف سجل.. مَن هم الأشخاص المدرجون؟
لم تقتصر القوائم على شخصيات سياسية معروفة أو ناشطين حقوقيين، بل شملت مستخدمين عاديين يعملون في قطاعات مهنية متنوعة، من بينهم مهندسون وصيادلة ومعلمون وطلاب وعمال مطاعم وموظفون.
وتكشف الوثائق أن بعض الأسماء أُدرجت بسبب تفاعل أصحابها مع صفحات إعلامية أو مجموعات سياسية لم تكن تحظى بقبول لدى السلطات الإماراتية، من دون أن تتضمن الملفات أدلة تثبت بالضرورة انتماء كل شخص إلى الجهات التي رُبط بها.
وأشار التحقيق إلى أن الشركة أعدت، في تقرير أولي خلال يوليو 2017، قائمة تضم نحو ألف شخص وصفتهم بأنهم من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين. وقالت الشركة إن بعض هؤلاء يعملون في مؤسسات مختلفة داخل الدولة، بما فيها أجهزة أمنية، لكن الوثائق التي استعرضها التحقيق لم تقدم أدلة تثبت انتماءهم التنظيمي، واعتمدت في بعض الحالات على الإعجاب بصفحات مرتبطة بالجماعة أو بوسائل إعلام تنتقد سياسات الإمارات.
وبذلك، تبرز مشكلة أساسية في منهجية التصنيف التي وصفتها الوثائق: فالتفاعل مع صفحة إخبارية أو مجموعة سياسية لا يثبت وحده أن المستخدم عضو في تنظيم معين، أو أنه يتبنى جميع المواقف التي تعبر عنها الصفحة. كما أن رقم 11 ألفاً و300 يشير إلى عدد السجلات الواردة في الجداول التي راجعها التحقيق، وليس بالضرورة إلى عدد أشخاص متميزين جرى التحقق من هوياتهم جميعاً؛ إذ أشار التحقيق إلى وجود أسماء مكررة في بعض الملفات.
من الإعجاب بصفحة إلى تصنيف الشخص «معادياً»
بحسب المراسلات الداخلية للشركة، صُمم المشروع للمساعدة في تحديد أشخاص يُشتبه في أنهم يشكلون تهديداً سياسياً داخل الإمارات، من خلال تحليل نشاطهم العلني على مواقع التواصل الاجتماعي. ووفق ما أورده التحقيق، عرضت الشركة استخدام أدواتها الخاصة وبرامج تحليل البيانات لتحديد مستخدمين يضغطون على زر الإعجاب في صفحات اعتُبرت معادية، واستخلاص معلومات يمكن استخدامها لاحقاً لتحديد أشخاص مثيرين للاهتمام من الناحية الاستخباراتية.
لكن الوثائق نفسها توضح أن جمع المعلومات الأولية لم يكن دليلاً نهائياً على وجود نشاط مخالف للقانون أو ارتباط تنظيمي فعلي. ففي مراسلاتها، أشارت الشركة إلى أن النتائج الأولية تحتاج إلى استفسارات إضافية للتحقق منها. وتثير هذه المنهجية تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين تحليل النشاط الرقمي المشروع وبين تحويل التفاعلات على منصات التواصل الاجتماعي إلى مؤشرات لتصنيف الأفراد سياسياً.
فالإعجاب بمقال أو متابعة صفحة قد يعكسان الاهتمام بموضوع معين، أو الرغبة في الاطلاع على وجهات نظر مختلفة، ولا يعنيان تلقائياً تأييد كل ما تنشره الصفحة أو الانتماء إلى الجهة التي تديرها. وتزداد خطورة هذا النوع من التصنيف عندما تُربط التفاعلات الرقمية بأسماء المستخدمين وعناوين إقامتهم ووظائفهم، بما يسمح بتكوين ملفات شخصية قد تُستخدم في سياقات تتجاوز الغرض الأصلي الذي جُمعت المعلومات من أجله.
أزمة قطر عام 2017.. خلفية المشروع
بدأ المشروع في فترة شهدت تضييقاً على التعبير عن المواقف المخالفة للموقف الإماراتي من الأزمة مع قطر. ففي 7 يونيو 2017، حذّر النائب العام الإماراتي حمد سيف الشامسي من أن إبداء التعاطف مع قطر أو الاعتراض على موقف الإمارات تجاهها، سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو بوسائل أخرى، قد يؤدي إلى السجن من ثلاث إلى خمس عشرة سنة وغرامة لا تقل عن 500 ألف درهم، وفق البيان الذي نقلته وسائل إعلام في ذلك الوقت.
وتناولت منظمات حقوقية دولية هذا التحذير باعتباره تهديداً لحرية التعبير، نظراً إلى اتساع نطاق الأفعال التي يمكن أن تشملها العقوبة، بما فيها التعبير عن التعاطف أو الاعتراض على سياسة الحكومة. وبحسب التسلسل الزمني الذي عرضه «دروب سايت نيوز»، بدأ العمل الأولي على مشروع «أرنيكا 2» بعد نحو شهر من التحذير الإماراتي المتعلق بقطر.
ويضع هذا التوقيت عملية جمع البيانات في سياق سياسي حساس، إذ كانت الحكومة الإماراتية تسعى إلى مواجهة ما اعتبرته تهديدات سياسية وإعلامية، في حين كانت جهات حقوقية تحذر من توسيع القيود المفروضة على التعبير السلمي. لكن العلاقة الزمنية بين الأزمة والمشروع لا تثبت وحدها أن كل شخص أُدرج في القاعدة كان مستهدفاً بسبب موقف محدد من قطر، بل تشير إلى أن عملية الرصد بدأت في مناخ سياسي تزايدت فيه الحساسية تجاه الانتقادات والتفاعلات الرقمية.
هل استُخدمت قاعدة البيانات في ملاحقات أمنية؟
رغم حجم المعلومات التي جمعتها الشركة، فإن مصير قاعدة البيانات لا يزال غير واضح في ضوء الوثائق التي نشرها التحقيق. وقال أندرياس كريغ، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بكلية الدراسات الأمنية في كينغز كوليدج لندن، إن تحديد ما حدث للأشخاص المدرجين في القوائم يتطلب معرفة ما إذا كانت البيانات قد وصلت إلى جهاز أمن الدولة الإماراتي، وما إذا استُخدمت لاحقاً في عمليات أمنية.
وحذّر الباحث من أن قاعدة بيانات تجمع أسماء الأشخاص وأماكن عملهم وإقامتهم وروابطهم السياسية المزعومة قد تكون ذات قيمة كبيرة لأجهزة تجمع المعلومات عن النشاط السياسي داخل البلاد. لكن التحقيق شدد على أن الأرشيف المتاح لا يثبت أن المشروع أدى إلى اعتقالات أو ملاحقات محددة، ولا يؤكد أن البيانات سُلّمت إلى جهاز أمن الدولة أو استُخدمت عملياتياً.
وبالتالي، فإن السؤال المتعلق بمصير الأشخاص المدرجين في القوائم يبقى مفتوحاً: هل ظلت الملفات ضمن نطاق خدمات جمع المعلومات التي قدمتها الشركة، أم انتقلت إلى جهات أخرى، أم استُخدمت لتوسيع نطاق الرقابة على التعبير السياسي؟ لا توفر الوثائق المنشورة إجابة حاسمة عن هذه الأسئلة، لكنها تكشف حجم المعلومات التي جُمعت عن أفراد عاديين، والطرق التي اعتمدت عليها الشركة لتصنيفهم باعتبارهم مؤيدين لجهات اعتُبرت معادية.
الخصوصية وحرية التعبير في عصر التصنيف الرقمي
تتجاوز أهمية القضية مسألة عدد السجلات التي جُمعت أو الجهة التي دفعت تكلفة المشروع؛ إذ تطرح أسئلة عن حدود استخدام البيانات المتاحة علناً، والمسؤولية عن التحقق من المعلومات قبل تصنيف الأفراد، والضمانات اللازمة لمنع إساءة استخدام الملفات الشخصية. فحتى عندما تكون بعض التفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي علنية، فإن جمعها على نطاق واسع وربطها بالهوية والعمل ومكان الإقامة يمكن أن يحولها إلى أداة للمراقبة والتصنيف السياسي.
وتزداد المخاطر عندما يُستخدم نشاط رقمي محدود، مثل الإعجاب بصفحة إخبارية، للاستدلال على انتماء سياسي أو تنظيمي من دون أدلة إضافية. فهذه الاستنتاجات قد تكون غير دقيقة، وقد تؤدي إلى وصم أشخاص أو وضعهم ضمن فئات لا تعكس مواقفهم الفعلية.
كما تفتح القضية نقاشاً حول دور شركات الاستخبارات الخاصة التي تقدم خدمات تحليل البيانات للحكومات أو الجهات المرتبطة بها، ومدى التزامها بالشفافية والدقة وحماية خصوصية الأشخاص الذين تجمع معلومات عنهم. وفي الحالة الإماراتية، لا يثبت التحقيق أن كل فرد مدرج في القاعدة تعرض لمراقبة أمنية لاحقة، لكنه يكشف عن مشروع لجمع بيانات شخصية وتصنيف أصحابها بناءً على تفاعلاتهم الرقمية، من دون أن تظهر في الوثائق أدلة كافية تثبت جميع الروابط السياسية المنسوبة إليهم.
وبين ما تكشفه السجلات وما لا تزال تجهله، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن منع تحول الإشارات الرقمية المحدودة إلى أحكام واسعة على الأفراد، خصوصاً عندما ترتبط هذه الأحكام بمؤسسات تملك القدرة على الوصول إلى معلوماتهم الشخصية؟
اقرأ المزيد
هل انتهى زمن الأمان الإسرائيلي في الإمارات؟ الحروب تدفع الجالية إلى الحذر
300 حساب وهمي وذكاء اصطناعي.. كيف استخدمت جهة مرتبطة بالإمارات “كلود” لصناعة النفوذ؟
من الإمارات إلى مصر.. كيف تتحول منصات التواصل إلى أداة للسيطرة على الرأي العام في العالم العربي؟

