وطن-يستعد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لزيارة تركيا بين 21 و23 أكتوبر الجاري، في جولة تشمل أنقرة وإسطنبول، ستكون أول زيارة ثنائية لرئيس وزراء كندي إلى تركيا. وتأتي الزيارة في وقت تعمل فيه أوتاوا على توسيع شبكة شراكاتها التجارية والاستراتيجية وتنويع أسواقها خارج الولايات المتحدة.
وأعلنت الحكومة الكندية أن كارني سيلتقي في أنقرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لبحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتعدين والمناخ والدفاع والأمن، بينما ستخصص زيارته إلى إسطنبول للقاء رجال أعمال ومستثمرين أتراك وبحث فرص توسيع التجارة والاستثمار بين البلدين.
وتحمل الزيارة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تشهدها السياسة التجارية الكندية، إذ تسعى حكومة كارني إلى تقليل الاعتماد على السوق الأميركية عبر توسيع العلاقات مع شركاء في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، مع التركيز على قطاعات مثل الطاقة والمعادن الحيوية والطيران والتكنولوجيا المتقدمة.
تركيا بوابة جديدة للتجارة والاستثمار
لا تبدأ الشراكة الاقتصادية بين كندا وتركيا من الصفر، فقد أطلق البلدان في يوليو الماضي رسمياً مفاوضات للتوصل إلى اتفاق تجارة حرة شامل، عقب لقاء كارني وأردوغان على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة.
وأكدت الحكومة الكندية أن التجارة الثنائية بين البلدين بلغت 4.3 مليارات دولار كندي في عام 2025، فيما تعتزم أوتاوا استخدام المفاوضات الجديدة لفتح فرص إضافية أمام الشركات والمستثمرين في البلدين.
ومن المنتظر أن تشكل الطاقة والتعدين والمعادن الحيوية والطيران والتقنيات المتقدمة أبرز المجالات المطروحة أمام الشراكة الجديدة، وهي قطاعات تعتبرها كندا أساسية لتعزيز قدرتها على الوصول إلى الأسواق العالمية وبناء سلاسل توريد أكثر تنوعاً.
وخلال اجتماعهما في يوليو، أكد كارني وأردوغان اهتمامهما بتعميق التعاون في الدفاع والمعادن الحيوية والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، بما فيها قطاع الطيران، بالتوازي مع إطلاق مفاوضات اتفاق التجارة الحرة.
استراتيجية كندية للخروج من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة
تأتي التحركات تجاه تركيا ضمن استراتيجية أوسع تنتهجها حكومة كارني لتنويع الاقتصاد الكندي، فالحكومة الكندية أعلنت أنها تستهدف مضاعفة صادراتها إلى الأسواق خارج الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، في محاولة لفتح أسواق جديدة أمام الشركات الكندية وتقليل تعرض الاقتصاد لتقلبات العلاقات التجارية مع واشنطن.
وتظهر الهند بوضوح في هذه الاستراتيجية، إذ تعمل كندا على مضاعفة التجارة الثنائية مع نيودلهي إلى 70 مليار دولار كندي سنوياً بحلول عام 2030، فيما تواصل البلدان مفاوضات اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة.
وفي سبتمبر الماضي، أكدت الحكومة الكندية أن أربعة جولات من المفاوضات التجارية مع الهند اكتملت، مع استمرار العمل بهدف التوصل إلى اتفاق قبل نهاية عام 2026.
الهند والصين وأوروبا في حسابات أوتاوا
لا تقتصر استراتيجية التنويع الكندية على تركيا والهند، إذ تسعى أوتاوا إلى توسيع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع مجموعة أكبر من الاقتصادات.
وتعكس هذه السياسة محاولة لتقليل المخاطر الناتجة عن الاعتماد الكبير على سوق واحدة، خصوصاً في ظل مكانة الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الأهم لكندا، والتوترات التي شهدتها العلاقات التجارية بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، تراهن الحكومة الكندية على قطاعات تمتلك فيها البلاد مزايا تنافسية، خصوصاً الطاقة والمعادن الحيوية والطيران والتكنولوجيا، بهدف زيادة قدرتها على التصدير وجذب الاستثمارات الأجنبية.
الدفاع والأمن في صلب التقارب الكندي التركي
لا يقتصر التقارب بين أنقرة وأوتاوا على التجارة، بل يمتد إلى التعاون الدفاعي والأمني، فتركيا وكندا عضوان في حلف شمال الأطلسي، وقد ناقش كارني وأردوغان خلال اجتماعهما في يوليو تعزيز القدرات الصناعية الدفاعية للحلف والتعاون في مجال الأمن والمرونة، إلى جانب ملفات الطاقة والتكنولوجيا والمعادن الحيوية.
كما دعمت تركيا مبادرة «بنك الدفاع والأمن والمرونة» التي تقودها كندا، وهي مؤسسة مالية متعددة الأطراف تهدف إلى توفير تمويل طويل الأجل ومنخفض التكلفة لمشروعات الدفاع والأمن والمرونة وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
وأعلنت كندا خلال قمة الناتو في أنقرة أن ثماني دول دعمت إنشاء البنك، فيما تعمل أوتاوا على توسيع قاعدة المشاركين فيه.
ويعكس ذلك رغبة كندية في بناء شبكة جديدة من الشراكات الدفاعية والاقتصادية مع دول حليفة، بالتوازي مع تعزيز الصناعات الدفاعية الكندية.
زيارة إسطنبول.. التركيز على المستثمرين
بعد لقاء أردوغان في أنقرة، يتوجه كارني إلى إسطنبول، حيث يلتقي عدداً من رجال الأعمال والمستثمرين الأتراك. وتهدف هذه المحطة إلى تقديم كندا باعتبارها شريكاً تجارياً واستثمارياً في قطاعات ذات أولوية، والاستفادة من موقع تركيا بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
وتأمل أوتاوا أن يؤدي توسيع العلاقات الاقتصادية إلى زيادة الاستثمارات المتبادلة، خصوصاً في الطاقة والتعدين والمعادن الحيوية والطيران والتكنولوجيا المتقدمة، وهي القطاعات التي حددتها الحكومة الكندية ضمن المجالات ذات الإمكانات الأكبر للنمو.
التجارة الأميركية تبقى حاضرة في الخلفية
رغم توجه كندا نحو تنويع أسواقها، لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تفقد موقعها في الاقتصاد الكندي، فالاقتصادان مرتبطان بشدة عبر التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، ولذلك فإن أي توتر تجاري بين واشنطن وأوتاوا ينعكس بصورة مباشرة على الشركات والعمال في البلدين.
لكن سياسة كارني تقوم على بناء بدائل أوسع، بحيث لا تبقى الشركات الكندية معتمدة بدرجة كبيرة على السوق الأميركية وحدها.
ومن هذه الزاوية، تأتي تركيا ضمن مجموعة من الشركاء الذين تسعى أوتاوا إلى تعزيز العلاقات معهم، إلى جانب الهند ودول أوروبية وآسيوية أخرى.
كارني يعيد رسم أولويات السياسة التجارية
منذ توليه رئاسة الحكومة، ركز كارني على تعزيز القدرة الاقتصادية الكندية وعلى بناء شراكات دولية أوسع، بالتزامن مع زيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير العلاقات مع حلفاء كندا.
وفي يوليو، أعلنت حكومته سلسلة من الشراكات الدفاعية خلال قمة الناتو، من بينها مفاوضات تجارية مع تركيا وشراكات جديدة في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وبذلك، تبدو زيارة أكتوبر إلى تركيا امتداداً مباشراً للمسار الذي بدأ خلال قمة الناتو، لكنها تمنح الجانب الاقتصادي مساحة أكبر، خصوصاً مع انتقال كارني من أنقرة إلى إسطنبول للقاء مجتمع الأعمال.
تركيا في قلب إعادة تموضع كندا
تحمل زيارة مارك كارني إلى تركيا دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، فهي تأتي ضمن تحرك كندي أوسع لتنويع الشراكات التجارية والاستثمارية وتعزيز التعاون الدفاعي مع حلفاء خارج العلاقة التقليدية مع الولايات المتحدة.
ومع إطلاق مفاوضات التجارة الحرة بين البلدين، وارتفاع التجارة الثنائية إلى 4.3 مليارات دولار كندي، تملك أنقرة وأوتاوا أساساً اقتصادياً يمكن البناء عليه خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة إلى كندا، فإن توسيع العلاقات مع تركيا والهند وغيرها لا يعني التخلي عن السوق الأميركية، بقدر ما يعكس محاولة لبناء شبكة أوسع من الأسواق والشركاء، بما يمنح الاقتصاد الكندي خيارات أكبر في التجارة والاستثمار والطاقة والأمن وسلاسل الإمداد.
اقرأ أيضاً
ترامب يتجه إلى بيلاروسيا للحصول على البوتاس.. هل تبدأ واشنطن فك اعتمادها على كندا؟
كندا تفرض رسوماً جمركية تصل إلى 50% على واردات أمريكية تشمل الصلب والإلكترونيات

