وطن-أثارت تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن الهدف من تنظيم «منتدى مصر 2026» نقاشًا حول أولويات الحكومة، بعدما قال إن المنتدى جاء لرفع الروح المعنوية للحكومة، التي تأثرت، بحسب وصفه، بالانتقادات الموجهة إليها، إلى حد أن بعض أعضائها أبدوا رغبتهم في الرحيل.
وخلال مشاركته في جلسة «مسيرة الطاقة المصرية.. إنجازات وطنية وآفاق المستقبل»، يوم الخميس 22 أكتوبر، قال السيسي: «أنا عامل منتدى مصر عشان أرفع الروح المعنوية للحكومة ومحتاج الشعب كله يقف جنبنا»، مضيفًا أن الحكومة كانت «زعلانة من النقد لدرجة إنهم قالوا هنمشي». ونقلت وسائل إعلام مصرية التصريحات ضمن تغطيتها لفعاليات المنتدى.
لكن التصريح فتح بابًا لسؤال يتجاوز القاعة التي أُطلقت منها الكلمات: إذا كانت الحكومة تحتاج إلى رفع معنوياتها بسبب الانتقادات، فمن يستجيب لمخاوف المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وضغوط المعيشة وتراجع قدرتهم الشرائية؟
منتدى للإنجازات أم فرصة لمراجعة السياسات؟
انعقد «منتدى مصر 2026» في العاصمة الإدارية الجديدة بين 19 و24 أكتوبر، وطرحت الجهات المنظمة أهدافًا تشمل الحوار العام والاستماع إلى آراء المواطنين ومناقشة أولويات التنمية وتأثير السياسات والمشروعات الحكومية على مستوى المعيشة وجودة الخدمات.
غير أن تصريحات السيسي بشأن رفع الروح المعنوية للحكومة سلطت الضوء على جانب آخر من النقاش: العلاقة بين عرض الإنجازات والاستماع إلى الانتقادات. فاستعراض المشروعات والأرقام لا يكفي وحده لحسم الجدل حول نتائج السياسات الاقتصادية، ما لم تتوافر مؤشرات واضحة تسمح بقياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وتكاليف المعيشة. ووفق مراجعة صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو 2026، بلغ التضخم العام 14.3% في يونيو، مع توقعات بارتفاعه إلى 16.7% خلال النصف الثاني من العام، في ظل ضغوط مرتبطة بأسعار الطاقة وسعر الصرف.
أين أرقام الفقر والدخل والإنفاق؟
لم يقتصر الجدل على تصريحات الرئيس؛ إذ طالب تسعة نواب في مجلس النواب المصري، قبل انطلاق المنتدى، بالكشف عن أحدث معدلات الفقر ونتائج بحث الدخل والإنفاق، معتبرين أن تقييم الأداء الحكومي يحتاج إلى بيانات حديثة توضح أوضاع الأسر ومستويات الدخل والإنفاق. وأثار هذا المطلب تساؤلات بشأن مدى كفاية الأرقام المعروضة لتقييم أثر السياسات الاقتصادية على المواطنين.
وتضع هذه المطالب مسألة الشفافية في صلب النقاش: فإعلان الإنجازات يظل جزءًا من عمل أي حكومة، لكن تقييم تلك الإنجازات يتطلب أيضًا نشر البيانات التي تسمح بمقارنة الأهداف بالنتائج، ومعرفة من استفاد من السياسات، ومن تحمل تكلفتها.
النقد ليس أزمة بحد ذاته
في إدارة الشأن العام، لا يفترض أن يكون النقد سببًا في إنهاء النقاش، بل وسيلة لاختبار القرارات وتصحيح المسار. وإذا كانت الحكومة ترى أن الانتقادات لا تعكس حجم الجهد المبذول، فإن الرد الأكثر إقناعًا يظل تقديم المعلومات والأرقام، وشرح القرارات، وإظهار نتائج ملموسة في حياة الناس.
كما أن تغيير الوزراء أو الإبقاء عليهم لا ينبغي أن يكون المسألة الوحيدة المطروحة؛ فالأهم هو تحديد المسؤوليات، ومراجعة السياسات التي لم تحقق أهدافها، وإتاحة الفرصة أمام المواطنين والصحفيين والنواب لطرح الأسئلة من دون أن يتحول النقد إلى مشكلة بحد ذاته.
وبعد نحو اثني عشر عامًا من حكم السيسي، تبقى الأسئلة الاقتصادية والمعيشية حاضرة في تقييم أداء الحكومة: هل تتحسن قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها؟ هل تتراجع الضغوط الناجمة عن الأسعار؟ وهل تتوافر فرص عمل ودخول أكثر قدرة على مواكبة تكاليف الحياة؟
في النهاية، لا تُقاس معنويات الحكومة بمدى ارتياحها إلى صورتها في الإعلام أو على منصات التواصل، بل بقدرتها على الاستجابة للمشكلات التي تواجه المواطنين. فالمؤتمرات قد تشرح السياسات وتعرض الإنجازات، لكن أثرها الحقيقي يتوقف على ما ينتج عنها من قرارات قابلة للقياس.
فإذا كانت الحكومة تحتاج إلى من يرفع معنوياتها، فإن المواطنين ينتظرون ما هو أبعد من الكلمات: سياسات تخفف أعباء المعيشة، وبيانات واضحة، ومحاسبة تتيح معرفة ما تحقق وما لم يتحقق.
اقرأ المزيد
الديون والضرائب وتراجع الجنيه.. من يتحمل كلفة السياسات الاقتصادية في مصر؟
من «السيد الرئيس» إلى «فخامة الرئيس الزعيم».. جدل جديد حول الخطاب الإعلامي في مصر
السيسي يحسم موقفه من الرحيل في 2030: «الدستور المصري لن يُمس»
هل يُطبَّق القانون في مصر بالمعايير نفسها على المواطنين وأصحاب النفوذ؟

