وطن-من تجاوزات بعض الضباط وأفراد الأمن التي تثير غضب المواطنين، إلى اتهامات وتسريبات متداولة تطال بعض أصحاب الرتب الكبيرة، تتجدد الأسئلة بشأن آليات المحاسبة داخل وزارة الداخلية المصرية، وحدود الشفافية عندما يتعلق الأمر بأشخاص يشغلون مواقع نافذة في المؤسسة الأمنية.
ولا تتعلق القضية بمجرد اتهام فرد بارتكاب مخالفة، فالأخطاء والتجاوزات قد تقع داخل أي مؤسسة، وإنما تتمحور حول كيفية التعامل معها، ومدى خضوع جميع المعنيين للقواعد نفسها، بصرف النظر عن الرتبة أو المنصب أو النفوذ.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة لأن وزارة الداخلية مؤسسة عامة تتولى مسؤوليات مباشرة في حفظ الأمن وتطبيق القانون، وتستمد سلطتها من القواعد القانونية التي يفترض أن تسري على الجميع دون استثناء.
خطاب الأخلاق العامة وملاحقة صناع المحتوى
خلال الفترة الماضية، برز حضور وزارة الداخلية المصرية على منصات التواصل الاجتماعي من خلال بيانات وإعلانات عن ضبط صناع محتوى، والقبض على أشخاص في قضايا تتعلق بالآداب العامة، وملاحقة أفراد بسبب مقاطع منشورة على منصات مثل «تيك توك».
وتتحول بعض هذه الوقائع إلى مادة واسعة التداول، تُقدَّم للجمهور باعتبارها دليلًا على يقظة الأجهزة الأمنية وحرصها على حماية المجتمع من المحتوى الذي تصفه السلطات بأنه مخالف للقانون أو للآداب العامة.
غير أن هذا الحضور يفتح بابًا آخر للنقاش: إذا كانت تفاصيل هذه القضايا تُعلن بسرعة عندما يتعلق الأمر بأشخاص عاديين أو بأسماء تتصدر مواقع التواصل، فإلى أي مدى تحضر الشفافية نفسها عندما تتعلق الاتهامات بمسؤولين أو ضباط من أصحاب الرتب الكبيرة؟
إن المقارنة هنا لا تعني أن كل ما يُنشر على منصات التواصل بشأن مسؤول أو ضابط صحيح، ولا أن الاتهامات المتداولة تمثل أحكامًا قضائية. لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا عن معايير الإعلان عن الوقائع، ووضوح إجراءات التحقيق، وضمان عدم اختلاف التعامل مع القضايا تبعًا لمكانة الأشخاص المعنيين.
تسريبات واتهامات تثير الجدل
تتداول حسابات على مواقع التواصل مواد وادعاءات تتعلق ببعض أصحاب الرتب الكبيرة، من بينها مزاعم ذات طابع جنسي. وقد أثارت هذه المواد نقاشًا بشأن كيفية تعامل المؤسسات المعنية مع الاتهامات التي تطال أفرادًا داخلها، وما إذا كانت هناك إجراءات واضحة للتحقق منها ومحاسبة المسؤولين عند ثبوت المخالفات.
لكن التعامل الصحفي مع هذه المزاعم يقتضي التمييز بين ما جرى تداوله عبر الإنترنت، وما ثبت بصورة مستقلة، وما يمكن نسبته إلى تحقيق رسمي أو حكم قضائي. فمجرد انتشار تسجيل أو تسريب لا يكفي لإثبات صحته أو تحديد هوية الأشخاص الظاهرين فيه أو الجزم بمسؤولية أي طرف.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يكون غياب التأكيد الرسمي سببًا لإغلاق باب الأسئلة بشأن المساءلة. فالمطلوب هو التحقق الجاد، وتوضيح الإجراءات المتخذة عندما تكون هناك أسباب قانونية تستدعي التحقيق، مع احترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما تتصل الاتهامات بمؤسسة تتمتع بسلطات واسعة في حياة المواطنين اليومية؛ إذ لا تتوقف الثقة العامة على قدرة الأجهزة الأمنية على إنفاذ القانون، بل تشمل أيضًا مدى خضوع أفرادها للمحاسبة وفق قواعد معلنة وواضحة.
هل تختلف المحاسبة باختلاف الرتبة؟
المشكلة ليست في وجود ضابط قد يرتكب مخالفة أو مسؤول قد يواجه اتهامًا؛ فالمبدأ القانوني يفترض أن المسؤولية تُحدَّد بناءً على الوقائع والأدلة، لا على الموقع الوظيفي للشخص. لكن الإشكال يظهر عندما يشعر المواطن بأن تطبيق القانون لا يجري بالمعايير نفسها في جميع الحالات.
ففي الوقت الذي قد تُعلن فيه تفاصيل توقيف مواطن أو صانع محتوى على نطاق واسع، يتوقع الجمهور مستوى مماثلًا من الوضوح بشأن القضايا التي تتعلق بأصحاب النفوذ، في حدود ما تسمح به سرية التحقيقات وحقوق المتهمين.
ولا تعني الشفافية نشر تفاصيل التحقيقات أو التشهير بالمشتبه فيهم قبل ثبوت التهم، بل تعني توضيح ما يمكن الإعلان عنه من إجراءات، وبيان الأسس القانونية للتعامل مع الوقائع، وعدم ترك المجال أمام الشائعات لتكون المصدر الوحيد للمعلومات.
كما أن احترام القانون لا يمكن أن يتحول إلى مطالبة أحادية يلتزم بها المواطنون وحدهم؛ فالمؤسسات التي تطبق القانون مطالبة بدورها باحترامه، وبضمان وجود آليات فعالة للتظلم والتحقيق والمحاسبة.
هيبة المؤسسة لا تتعارض مع المساءلة
غالبًا ما يُستدعى مفهوم هيبة المؤسسة الأمنية في النقاشات المتعلقة بالانتقادات أو الاتهامات الموجهة إلى أفرادها. غير أن الحفاظ على مكانة المؤسسات العامة لا يعني إعفاء العاملين فيها من المساءلة، ولا اعتبار المطالبة بالتحقيق اعتداءً على المؤسسة نفسها.
بل إن التمييز بين المؤسسة والأفراد الذين يعملون داخلها يظل ضروريًا. فالمساءلة الفردية القائمة على الأدلة والإجراءات القانونية تحمي حقوق المواطنين، كما تساعد على صون الثقة في المؤسسات ومنع تحول الأخطاء الفردية إلى أزمة أوسع في العلاقة بين المجتمع وأجهزة الدولة.
وتشمل هذه المسؤولية أيضًا التعامل بحذر مع التسجيلات والتسريبات المنشورة على الإنترنت، والتحقق من صحتها وسياقها قبل تداولها باعتبارها أدلة قاطعة. فالمحاسبة العادلة لا تقوم على الشائعات أو حملات التشهير، لكنها لا تقوم كذلك على تجاهل الأسئلة المشروعة أو الاكتفاء بعبارات عامة عن الانضباط والهيبة.
القانون يجب أن يسري على الجميع
في نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش بمقارنة أخلاقية بين فئات من المواطنين، ولا بالتشكيك في مؤسسة كاملة بسبب اتهامات تطال بعض أفرادها، وإنما بمبدأ أساسي: لا ينبغي أن تتحول الرتبة إلى امتياز يعزل صاحبها عن المساءلة، ولا أن يصبح النفوذ سببًا في إبطاء الإجراءات أو حجب المعلومات التي يحق للجمهور معرفتها.
فوزارة الداخلية مؤسسة عامة تؤدي مهامها باسم الدولة ولخدمة المجتمع، ولذلك فإن مساءلة أفرادها وفق القانون ليست انتقاصًا من هيبتها، بل جزء من مسؤوليتها أمام المواطنين.
وتبقى الأسئلة المطروحة مرتبطة بمدى وضوح معايير التعامل مع القضايا، وفاعلية إجراءات التحقيق، وضمان المساواة أمام القانون. وهي أسئلة لا تجيب عنها المقاطع المتداولة وحدها، بل تحتاج إلى معلومات موثوقة وإجراءات معلنة ومحاسبة تستند إلى الأدلة.
فاحترام القانون لا يكتمل بمطالبة المواطنين بالالتزام به فحسب، وإنما يتطلب أيضًا أن يخضع له أصحاب السلطة والنفوذ، وأن تكون المساءلة مبدأً ثابتًا لا يتغير بتغير الرتب والمناصب.
اقرأ أيضاً
الجيش المصري بين حماية الحدود وإدارة المصانع.. جدل متجدد حول تمدد المؤسسة العسكرية في الاقتصاد
واشنطن توافق على صفقات أسلحة لمصر والكويت والإمارات بأكثر من ملياري دولار.

