وطن-يُطلب من القنوات والصحف والمواقع الإعلامية أن يسبق اسم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لقب «فخامة الرئيس الزعيم»، فإن المسألة تتجاوز مجرد إضافة كلمات إلى الاسم، لتطرح أسئلة أوسع عن علاقة السلطة بالإعلام، وحدود الدعاية السياسية، والفارق بين الصورة التي تسعى الحكومات إلى ترسيخها عن الحاكم والواقع الذي يعيشه المواطنون.
فالألقاب، مهما تضخمت، لا تصنع إنجازاً، ولا تمنح صاحبها مكانة تاريخية بصورة تلقائية. لكنها قد تتحول، حين تصبح جزءاً من خطاب إعلامي متكرر، إلى أداة لتكريس صورة رسمية للحاكم، وتوجيه الطريقة التي يُقدَّم بها إلى الجمهور.
رئيس الدولة ليس مالكاً لها، ولا شخصية فوق المساءلة، والشعب الذي يحكمه ليس جمهوراً مطالباً بالتصفيق الدائم. فالعلاقة بين الحاكم والمواطنين تقوم، من حيث المبدأ، على المسؤولية والمحاسبة، لا على التبجيل الذي يحجب الأسئلة الصعبة عن الأداء والنتائج.
حين تصبح الألقاب جزءاً من الخطاب السياسي
تثير المطالبة باستخدام ألقاب متضخمة في وسائل الإعلام سؤالاً جوهرياً: لماذا تنشغل السلطة بطريقة تسمية الرئيس، بدلاً من ترك أدائه وقراراته ونتائج سياساته تتحدث عنه؟
فالزعامة لا تُفرض بتعميم إداري، ولا تُصنع بتعليمات للمذيعين، ولا تُكتسب من تكرار الألقاب في نشرات الأخبار. إنها مكانة تتشكل عبر المواقف والإنجازات، وتخضع في النهاية لتقييم المواطنين وحكم التاريخ.
وعندما تتقدم الدعاية على النقاش العام، يصبح الخطاب الإعلامي معرضاً للتحول من مساحة لنقل المعلومات ومساءلة المسؤولين إلى وسيلة لإعادة إنتاج الصورة الرسمية وتكريسها. عندها، لا يعود السؤال مقتصراً على اللقب المستخدم، بل يمتد إلى مساحة النقد المتاحة، ومدى قدرة الإعلام على مناقشة السياسات العامة من دون أن يكون أسير لغة التمجيد.
من لقب إعلامي إلى معيار لقياس الولاء
اللافت أن عبارة «فخامة الرئيس الزعيم» ظهرت بالفعل في عناوين وتغطيات إعلامية مصرية خلال الأيام الأخيرة، إذ استخدمتها وسائل إعلام وشخصيات إعلامية وسياسية في تناول أخبار السيسي وخطاباته. وفي المقابل، أشار مقال نشرته بوابة الدولة في 18 أكتوبر/تشرين الأول إلى أن الصيغة المعتمدة في البيانات الرسمية لرئاسة الجمهورية هي «السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي» أو «السيد رئيس الجمهورية»، داعياً إلى الالتزام بها مهنياً.
لكن استخدام اللقب في بعض التغطيات لا يثبت، بحد ذاته، صدور تعليمات رسمية ملزمة لجميع القنوات والصحف والمواقع. والفارق هنا مهم بين رصد ظاهرة إعلامية متصاعدة، والقول بوجود توجيه رسمي موحد يحتاج إلى دليل مستقل.
ومع ذلك، فإن انتشار لغة التبجيل يفتح باباً للنقاش حول المعايير المهنية للإعلام، ومدى استقلاله في اختيار مفرداته، وما إذا كانت الألقاب تتحول من تعبيرات بروتوكولية إلى اختبار غير معلن لمدى الانسجام مع الخطاب السياسي السائد.
الإنجازات لا تحتاج إلى ألقاب إضافية
الأكثر إثارة للسخرية أن يتحول اسم الرئيس إلى مشروع دائم لإضافة الألقاب، وكأن المشكلة تكمن في طريقة مناداته، لا في أحوال البلاد، وكأن تغيير الكلمات قادر على تغيير الواقع.
فالمواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار أو يبحث عن فرصة عمل أو يشعر بضغط تكاليف المعيشة، لن تتغير ظروفه لمجرد أن نشرات الأخبار أضافت لقباً جديداً إلى اسم الحاكم. وما يحدد تقييمه للسلطة هو ما يلمسه من سياسات ونتائج، لا عدد الصفات التي تسبق اسم المسؤول في العناوين.
ولا يعني ذلك أن الألقاب وحدها تكشف طبيعة نظام سياسي أو تحسم الحكم عليه؛ لكنها تصبح موضع مساءلة حين تطغى على لغة المؤسسات، أو تُستخدم لتقديم الحاكم في صورة استثنائية تحصّنه من النقد والمراجعة.
فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى تلقين الجمهور كيفية تقديره، كما أن الإخفاق لا يختفي بتغيير المفردات المستخدمة لوصف صاحبه. وبين الأمرين، تظل وظيفة الإعلام أن يشرح ويحقق ويسأل، لا أن يكتفي بترديد الصياغات التي تمنح السلطة صورة مثالية عن نفسها.
حين تتسع المسافة بين الحاكم والواقع
عرف التاريخ السياسي نماذج لحكام أحاطوا أنفسهم بألقاب استثنائية وخطاب متواصل من المديح، لكن هذه اللغة لم تكن ضمانة لبقاء صورتهم كما أرادوا لها أن تكون. فالتاريخ لا يكتبه اللقب وحده، بل تكتبه أيضاً القرارات والنتائج وتجارب الناس وما يتركونه من أثر في حياة مجتمعاتهم.
وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، ازدادت أهمية وجود إعلام قادر على طرح الأسئلة الصعبة، بدلاً من الاكتفاء بتضخيم صورة الحاكم. فالمجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من العبارات التي ترفع المسؤول فوق النقد، بقدر حاجتها إلى مؤسسات تستجيب لمطالبها وتتيح لها تقييم الأداء بحرية.
في النهاية، لا تُصنع الزعامة بتعميم، ولا تتحول إلى حقيقة بمجرد تكرارها على الشاشات. وإذا كانت المكانة السياسية تُكتسب بالمواقف والإنجازات، فإنها تُختبر أيضاً بالقدرة على تقبّل النقد والمساءلة.
فهل يصنع تكرار لقب «فخامة الرئيس الزعيم» زعامة حقيقية، أم أنه يكشف عن انشغال متزايد بصناعة صورة الحاكم بدلاً من ترك أفعاله ونتائج سياساته تتحدث عنه؟
اقرأ أيضاً
السيسي يحسم موقفه من الرحيل في 2030: «الدستور المصري لن يُمس»
«24 ساعة فارقة».. كيف ربط الشارع المصري بين خطاب السيسي والتأجيل المفاجئ لقانون الإجراءات الجنائية؟
من طنطاوي إلى السيسي.. كيف عاد العسكر إلى القصر؟

