وطن-من وراء واجهة الأعمال الدولية في دبي، تفجّرت معركة قضائية ومالية بين رجل الأعمال الروسي إيغور سوغلاييف وتجار مرتبطين بشبكة «كورال» النفطية، المعروفة لاحقًا باسم «2 ريفرز». نزاع بدأ بصفقة لتجارة الديزل الروسي وتصديره إلى البرازيل، ثم تحول إلى مطالبات بمئات الملايين من الدولارات، واتهامات بالاستيلاء على أسرار تجارية، وادعاءات بتلقي تهديدات بالقتل، وصولًا إلى أمر قضائي بتجميد أصول تصل قيمتها إلى 704 ملايين دولار.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» في 26 أكتوبر 2026، لا تزال القضية موزعة بين مسارات قضائية في الإمارات والبرازيل، وسط خلافات بشأن المسؤولية عن انهيار الصفقة وصعوبات تتعلق بالاختصاص القضائي، من دون حسم نهائي للاتهامات المتبادلة.
صفقة ديزل روسي أشعلت النزاع
تعود بداية القضية إلى عام 2024، عندما دخل سوغلاييف، وهو مسؤول سابق في القطاع المالي وقطاع الطاقة الروسي، في شراكة لتجارة الديزل الروسي وبيعه لموزعين في البرازيل عبر شركة «ديا 33» التي أسسها في دبي. لكن المشروع تعثر بعدما واجهت ناقلة محمّلة بالديزل الروسي مشكلات في الوصول إلى ميناء برازيلي وتفريغ الشحنة، ما أدى إلى تأخيرات وتكاليف إضافية، وأشعل خلافًا بشأن مستحقات الوقود والمسؤولية عن الخسائر.
واتهم تجار مرتبطون بشبكة «كورال» سوغلاييف بعدم سداد ثمن الوقود، ولجؤوا إلى التحكيم في دبي. وانتهى ذلك المسار بقرار يلزمه بدفع نحو 42 مليون دولار لإحدى الشركات المشاركة في الصفقة، وفق التقرير. غير أن سوغلاييف لم يكتفِ بالدفاع عن نفسه، بل فتح مواجهة قضائية مضادة، متهمًا شركاءه السابقين بتقويض أعماله والاستحواذ على علاقاته التجارية ومعلومات شركته الداخلية، ومطالبًا بتعويضات تتجاوز 500 مليون دولار عن خسائر يقول إنها لحقت بأعماله.
تهديدات بالقتل وأصول بقيمة 704 ملايين دولار
لم يتوقف النزاع عند المطالبات المالية. إذ قال سوغلاييف إنه تعرض لما اعتبره تهديدات بالقتل، وربط أحدها باتصال من رجل الأعمال إيتبار إيوب، الذي قال إنه أبلغه بأنه ناقش الخلاف مع أحد أمراء الحرب الشيشان. وتظل هذه الرواية ادعاءً من أحد أطراف النزاع، وليست حكمًا قضائيًا يثبت وقوع تهديد أو مسؤولية شخص عنه.
أما التطور الأبرز، فكان صدور أمر في يونيو عن قاضٍ في دبي يمنع إيوب وتاهير غاراييف و13 شخصًا وشركة أخرى من التصرف في أصول تصل قيمتها الإجمالية إلى 704 ملايين دولار، في إطار القضية. لكن المسار القضائي واجه لاحقًا عقبة تتعلق باختصاص المحكمة بنظر النزاع، ما فتح احتمال إسقاط الدعوى أمامها. واستأنف سوغلاييف القرار المتعلق بالاختصاص، فيما ظل أمر التجميد قائمًا إلى حين البت في الاستئناف، بحسب «وول ستريت جورنال».
وهنا تبرز أهمية التمييز بين تجميد الأصول بوصفه إجراءً قضائيًا مؤقتًا، وبين الحكم النهائي في أصل النزاع؛ فالأمر لا يعني أن المحكمة حسمت جميع الاتهامات أو أقرت نهائيًا بأحقية أحد الطرفين في كامل المبالغ المطالب بها.
من «كورال» إلى «2 ريفرز».. شبكة تحت العقوبات
لا تنبع حساسية القضية من حجم الأموال وحده، بل أيضًا من طبيعة الشبكة التي ارتبط بها النشاط التجاري. فقد أدرجت بريطانيا والاتحاد الأوروبي كيانات مرتبطة بشبكة «كورال»، التي أعادت تسمية نفسها «2 ريفرز»، ضمن إجراءات العقوبات المتعلقة بتجارة النفط الروسي. واتهم الاتحاد الأوروبي المجموعة بتسهيل شحنات وصادرات من النفط الروسي، بينها شحنات من شركة «روسنفت»، عبر إخفاء المنشأ الفعلي للنفط، وبالسيطرة على نسبة كبيرة من السفن المرتبطة بما يعرف بـ«أسطول الظل» الروسي.
وتنفي المجموعة ارتكاب مخالفات للعقوبات. وقالت في بيان سابق إنها أوقفت أنشطة التداول في نهاية عام 2024، وإنها ترفض ما تعتبره تطبيقًا غير مبرر للعقوبات، مؤكدة أنها خرجت من سوق النفط الروسي. كما أعلنت بدء إجراءات حلّ أعمالها بعد العقوبات البريطانية والأوروبية.
وتمنح هذه الخلفية النزاع أبعادًا تتجاوز خلافًا تجاريًا عاديًا: فالتعاملات المرتبطة بالنفط الروسي باتت تتحرك ضمن بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها المصالح التجارية مع العقوبات الدولية، ومسارات الشحن، والوسطاء، والشركات المسجلة في مراكز مالية متعددة.
دبي والبرازيل.. أين تنتهي المعركة؟
تتوزع المواجهة بين دعاوى وإجراءات قضائية في دبي والبرازيل، فيما تثير مسألة الاختصاص القضائي تساؤلات حول المحكمة التي ستتمكن من مواصلة النظر في النزاع والفصل في المطالبات.
وتكشف القضية حجم المخاطر المالية التي قد تنشأ عندما تنهار شراكات في تجارة الطاقة العابرة للحدود، خصوصًا حين تتداخل ملكية الشحنات، والتزامات الدفع، والعملاء، والبيانات التجارية، مع عقوبات دولية وإجراءات قانونية في أكثر من دولة.
حتى الآن، لا توجد تسوية نهائية معلنة تحسم الاتهامات المتبادلة، كما لا يعني تجميد الأصول أن الأموال ستُدفع تلقائيًا لأي من الطرفين. ويتوقف مصير المطالبات على ما ستقرره الجهات القضائية والتحكيمية المختصة في المسارات المختلفة.
من شحنة ديزل روسي متعثرة إلى أصول مجمدة بمئات الملايين ومزاعم بتهديدات بالقتل، تكشف القضية جانبًا من الصراع الخفي على تجارة النفط الروسي. ويبقى السؤال: هل تنجح المحاكم في تحديد المسؤوليات وتسوية الحسابات، أم أن النزاع سيواصل الانتقال بين الدول والمحاكم في معركة لم تُحسم بعد؟
اقرأ أيضاً
رفع القيود عن الوقود الروسي يمنح بوتين متنفساً اقتصادياً.. وترامب يصعّد ضغوطه على زيلينسكي
من هو عمر كريمليف؟ الأوليغارشي الروسي المتهم بتمويل زفاف نجل ترامب..
من ينبع إلى الفجيرة.. سباق استراتيجي لإعادة تشكيل طرق تصدير النفط في الشرق الأوسط

