وطن-في خطوة تعكس حساسية الخلاف المتصاعد بين أنقرة وباكو، أقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستشاره الرئاسي أوكتاي سارال، وسط تقارير ربطت القرار بمحاولات احتواء الأزمة الدبلوماسية مع أذربيجان، على خلفية انتقادات تركية لقواعد الزي المدرسي التي أدت عملياً إلى منع ارتداء الحجاب في عدد من المدارس الأذربيجانية.
وجاءت الخطوة، التي أُعلن عنها الأحد 25 أكتوبر، قبل أيام من القمة المرتقبة لمنظمة الدول التركية في تركيا، وفي وقت تسعى فيه أنقرة إلى ضمان مشاركة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، تفادياً لانعكاس الخلاف على العلاقات بين البلدين.
وذكرت صحيفة «ميدل إيست آي» أن إبعاد سارال عن منصبه يأتي في إطار مساعٍ تركية لاحتواء التوتر مع باكو. وأكد المستشار السابق مغادرته منصبه، معبّراً عن احترامه لقرار الرئيس التركي، فيما ربطت تقارير إعلامية رحيله بالتصريحات التي أدلى بها بشأن القيود المفروضة على الحجاب في المدارس الأذربيجانية. ولم تعلن الحكومتان التركية والأذربيجانية رسمياً أن الإقالة جاءت استجابة مباشرة لطلب من باكو، رغم أن تقارير صحفية تحدثت عن مطالب أذربيجانية في هذا الاتجاه.
الحجاب المدرسي يشعل خلافاً بين أنقرة وباكو
بدأت الأزمة بعد تعديل قواعد الزي المدرسي في أذربيجان خلال سبتمبر الماضي، بما يمنع ارتداء ملابس إضافية تخالف الزي المعتمد أو تتعارض مع مبدأ التعليم العلماني. ورغم أن القواعد لا تذكر الحجاب بالاسم، فإن تطبيقها في بعض المدارس أدى إلى منع طالبات محجبات من دخول الفصول، كما ظهرت خلافات بشأن ارتداء المعلمات الحجاب داخل المؤسسات التعليمية.
وأثار ذلك انتقادات داخل أذربيجان وخارجها، واحتجاجات من أسر طالبات، إلى جانب ردود فعل غاضبة في تركيا، حيث انتقد سياسيون وشخصيات عامة ومعلقون على وسائل التواصل الاجتماعي الإجراءات المتخذة بحق الطالبات المحجبات.
وكان أوكتاي سارال من بين أبرز المسؤولين الأتراك الذين عارضوا هذه القيود علناً. فقد نشر رسالة دعا فيها السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن القرار، معتبراً أن منع الطالبات من دخول المدارس بسبب الحجاب يتعارض مع حقهن في التعليم.
وكتب سارال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن منع الطالبة التي تغطي رأسها لأسباب دينية من دخول المدرسة يثير تساؤلات بشأن العدالة والضمير، داعياً باكو إلى تصحيح ما وصفه بالخطأ.
لكن هذه التصريحات أثارت غضب الحزب الحاكم في أذربيجان، «أذربيجان الجديدة»، الذي يقوده الرئيس إلهام علييف. واتهم الحزب مسؤولين أتراكاً بالتدخل في الشؤون الداخلية الأذربيجانية، وانتقد ما وصفه بتصريحات شعبوية وغير مسؤولة لا تراعي سيادة البلاد وأسس نظامها الدستوري. ودعا الحزب الحاكم في باكو أنقرة إلى تجنب ما اعتبره نزعات هيمنية داخل العالم الإسلامي، مؤكداً أن العلاقات بين الدول لا تبرر فرض المواقف السياسية أو الدينية على الآخرين.
هل طلبت أذربيجان إقالة مستشار أردوغان؟
بحسب تقارير نشرتها «ميدل إيست آي» ووسائل إعلام أخرى، طلبت أذربيجان من أنقرة إبعاد سارال عن منصبه، إلى جانب اتخاذ إجراءات بحق معلقين على مواقع التواصل الاجتماعي اتهمتهم باكو بالإساءة إلى الرئيس إلهام علييف.
ووفقاً لما أورده الموقع، كان مسؤولون أتراك يخشون أن تتسع الأزمة وتؤثر على مستوى التمثيل الأذربيجاني في قمة منظمة الدول التركية، الأمر الذي قد يسبب إحراجاً دبلوماسياً لأنقرة في مناسبة تسعى من خلالها إلى تعزيز علاقاتها مع الدول الناطقة باللغات التركية.
ونقل الموقع عن مصدر أذربيجاني قوله إن إبعاد سارال من منصبه قد يشجع علييف على المشاركة في القمة، مشيراً إلى أن احتمالات حضوره كانت أقل من 50 في المئة قبل اتخاذ هذه الخطوة.
ومع ذلك، لم تصدر بيانات رسمية تؤكد أن باكو اشترطت إقالة المستشار التركي للموافقة على المشاركة في القمة، كما لم تعلن الرئاسة الأذربيجانية أن قرار الحضور مرتبط بهذه القضية. ولذلك تبقى المعلومات المتعلقة بالمطالب الأذربيجانية وتفاصيل المساومات الدبلوماسية الواردة في التقارير الإعلامية غير مؤكدة رسمياً.
قمة الدول التركية تضع الخلاف أمام اختبار دبلوماسي
تأتي هذه التطورات قبل القمة المقبلة لمنظمة الدول التركية، التي تجمع تركيا وأذربيجان ودولاً أخرى ترتبط بعلاقات لغوية وثقافية وتاريخية. وتمثل المنظمة إحدى المنصات التي تستخدمها أنقرة لتعزيز تعاونها السياسي والاقتصادي مع محيطها التركي.
وكان أردوغان قد أجرى اتصالاً هاتفياً مع علييف يوم الخميس، وجّه خلاله دعوة إلى نظيره الأذربيجاني للمشاركة في القمة، بحسب ما نقلته التقارير عن البيانات الصادرة من الجانبين. غير أن البيانات لم تحسم ما إذا كان الرئيس الأذربيجاني سيحضر الاجتماع.
وتتزايد أهمية المشاركة الأذربيجانية في ظل التوتر الذي نشأ بعد تبادل الانتقادات بشأن الحجاب. فغياب علييف، إن حدث، قد يُفسر سياسياً بوصفه مؤشراً إلى استمرار الخلاف، في حين أن حضوره قد يساعد في إبقاء الأزمة ضمن حدود الخلافات القابلة للاحتواء.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد زار باكو في وقت سابق، في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على العلاقات بين البلدين. لكن تقارير صحفية أشارت إلى أن الزيارة لم تُنهِ حالة التوتر، في ظل استمرار الانتقادات في وسائل الإعلام الأذربيجانية والتركية.
كما أعلنت وزارة الخارجية الأذربيجانية، في 21 أكتوبر، منع 31 مواطناً تركياً من دخول البلاد، بينهم سياسيون وشخصيات عامة، على خلفية تصريحات قالت باكو إنها استهدفت سيادتها وأمنها القومي وقيادتها. وأظهرت هذه الخطوة أن الخلاف تجاوز تبادل البيانات السياسية إلى إجراءات ملموسة ضد بعض الشخصيات التركية.
تحالف وثيق وخلاف حول السيادة والدين
تستمد العلاقات التركية الأذربيجانية قوتها من روابط لغوية وثقافية وتاريخية، إلى جانب التعاون السياسي والعسكري. ويختصر الطرفان علاقتهما عادة بشعار «أمة واحدة في دولتين»، كما عززا تعاونهما الأمني بموجب إعلان شوشا الموقع عام 2021.
لكن الأزمة الأخيرة كشفت عن حدود هذا التقارب عندما تتداخل قضايا الدين والهوية مع مفهوم السيادة الوطنية. فأنقرة تعرض انتقاداتها لقيود الحجاب من زاوية حق الطالبات في التعليم والحرية الدينية، بينما تؤكد باكو أن تنظيم التعليم والزي المدرسي شأن داخلي ينبغي ألا يتحول إلى مجال للضغط السياسي الخارجي.
ويعكس هذا التباين خلافاً بشأن حدود التضامن بين الحليفين: هل يسمح التقارب التاريخي والسياسي لأحد الطرفين بانتقاد سياسات الآخر الداخلية علناً، أم أن احترام السيادة يقتضي تجنب التدخل في مثل هذه الملفات؟
وفي هذا السياق، تبدو إقالة أوكتاي سارال، وفقاً للتقارير التي ربطت القرار بالأزمة، محاولة من أنقرة لاحتواء التوتر قبل أن ينتقل إلى مستوى أعلى من الخلاف الدبلوماسي. غير أن نجاح هذه الخطوة في إعادة الأجواء إلى طبيعتها سيظل مرتبطاً بتطورات أخرى، وفي مقدمتها موقف علييف من القمة المرتقبة، ومدى استعداد الجانبين لفصل خلافهما بشأن الحجاب عن مسارات التعاون السياسي والأمني.
وتبقى مشاركة الرئيس الأذربيجاني في قمة منظمة الدول التركية اختباراً مهماً لمدى قدرة أنقرة وباكو على إدارة الخلافات بينهما، والحفاظ على تحالفهما رغم التباين بشأن قضايا الدين والسيادة والتدخل في الشؤون الداخلية.
قد يعجبك
أزمة بين تركيا وأذربيجان بسبب الحجاب.. اتهامات لهاكان فيدان بتأجيج الاضطرابات
أزمة الحجاب تعمّق الخلاف بين أذربيجان وتركيا.. باكو تمنع 31 تركياً من دخول أراضيها
الحجاب في مدارس أذربيجان.. هل تُحرم الطالبات من التعليم بسبب لباسهن؟
تركيا تحتوي خلافاً مع أذربيجان بعد جدل الحجاب.. وعلييف يحذر من التدخل في شؤون بلاده

