وطن-تسعى تركيا إلى احتواء توتر متصاعد مع أذربيجان، على خلفية الجدل الذي أثارته قيود جديدة على الزي المدرسي طالت طالبات محجبات، وتصريحات غير مباشرة للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف فُسّرت في أنقرة على أنها رسالة تحذير من التدخل في الشؤون الداخلية لبلاده.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، تفضّل أنقرة تجنّب الرد العلني على انتقادات باكو، وتؤكد أنها لا تعتزم التدخل في القرارات الداخلية لأذربيجان، حرصاً على استمرار العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، اللذين يصفان علاقتهما عادة بعبارة «دولة واحدة وشعبان».
قيود الزي المدرسي تشعل الجدل
بدأت الأزمة في سبتمبر 2026، بعدما أقرت الحكومة الأذربيجانية تعديلات على قواعد الزي المدرسي في المؤسسات التعليمية الحكومية. ويحظر القرار ارتداء ملابس إضافية تخالف الزي الموحد أو تتعارض مع مبدأ العلمانية في التعليم العام، لكنه لا يذكر الحجاب بالاسم.
وأثار تطبيق القواعد جدلاً بعدما تحدثت تقارير عن منع طالبات محجبات من دخول الفصول الدراسية في بعض المدارس. وأدى ذلك إلى موجة انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي في تركيا، حيث اعتبر ناشطون أن الإجراءات تمثل حظراً فعلياً للحجاب، رغم أن النص الرسمي لا يتضمن حظراً صريحاً بهذه الصيغة.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة نقاشاً تركياً قديماً بشأن القيود المفروضة على الحجاب، ولا سيما خلال أواخر التسعينيات، حين شهدت تركيا إجراءات صارمة في الجامعات والمؤسسات العامة ضمن مرحلة ارتبطت بما عُرف بـ«انقلاب 28 فبراير» أو «الانقلاب ما بعد الحداثي».
وتداول مستخدمون أتراك مقاطع قالوا إنها توثق منع طالبات محجبات من دخول مدارس في مناطق أذربيجانية، فيما ربطت بعض التعليقات بين الجدل بشأن الحجاب ومواقف باكو الدبلوماسية. غير أن هذه التفسيرات لا تعني بالضرورة وجود رابط رسمي بين الملفين.
علييف: لا تتدخلوا في شؤوننا
في كلمة ألقاها خلال مؤتمر لحزب «أذربيجان الجديدة» في باكو يوم 2 أكتوبر، شدد الرئيس إلهام علييف على رفض بلاده تدخل أطراف خارجية في شؤونها الداخلية، من دون أن يسمّي تركيا أو يشير صراحة إلى الجدل المتعلق بالحجاب.
وقال علييف، وفق ما نقلته تقارير إعلامية: «على الجميع أن يعرف حدوده، وألا يتدخل في شؤوننا، أو يقحم نفسه في نمط حياتنا، أو يملي علينا ما يجب فعله. على كل طرف أن يهتم بأمته ودولته».
وأضاف أن أذربيجان لا تحتاج إلى مساعدة أو وصاية من أحد، مستشهداً بما قال إنه تحمل بلاده أعباء كبيرة في مراحل سابقة، وبأنها دفعت ثمن الأسلحة التي اشترتها وفق أسعار السوق العالمية.
وفُسرت هذه التصريحات في بعض الأوساط التركية باعتبارها رسالة إلى أنقرة، لكن علييف لم يحدد الجهة التي يقصدها، ولم يربط كلامه علناً بموضوع الحجاب.
خطاب أردوغان في الأمم المتحدة يزيد حساسية الموقف
تزامن الخلاف مع خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، حين انتقد القيود المفروضة على الحجاب في بعض الدول، معتبراً أنها تمثل مساساً بحقوق النساء والفتيات المسلمات.
وقال أردوغان إن حظر الحجاب في المدارس من جانب بعض الدول يشكل اعتداءً على أبسط حقوق المرأة، من دون أن يسمّي أذربيجان صراحة.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي» عن مسؤولين أتراك، فإن تصريحات أردوغان لم تكن موجهة إلى باكو، بل استهدفت بالأساس النقاشات المتعلقة بالقيود على الحجاب في دول أوروبية، من بينها فرنسا والنمسا.
وكانت النمسا قد بدأت في الأول من سبتمبر تطبيق حظر ارتداء الحجاب في المدارس على الفتيات دون سن الرابعة عشرة، في المدارس الحكومية والخاصة، مع إجراءات متدرجة لمعالجة المخالفات وإمكانية فرض غرامات تتراوح بين 150 و800 يورو في حالات متكررة. وأثار القانون انتقادات من جهات ترى فيه تمييزاً ضد المسلمات، فيما تقول الحكومة النمساوية إنه يهدف إلى حماية حرية الفتيات.
أنقرة تنفي نية التدخل وتختار التهدئة
أكد مسؤولون أتراك، وفق ما أوردته الصحيفة، أن أنقرة لا تنوي التدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان، وأن تصريحات أردوغان لم تكن تستهدفها. ووصف أحد المسؤولين ما حدث بأنه «سوء فهم»، مشيراً إلى أن رسائل طمأنة نُقلت إلى باكو على مستويات رفيعة.
وتحرص تركيا على تجنب تحويل الخلاف إلى مواجهة دبلوماسية علنية، في ظل الروابط السياسية والاقتصادية والعسكرية الوثيقة بين البلدين. وتعد أذربيجان شريكاً مهماً لأنقرة في مجالات الطاقة والنقل والدفاع، كما قدمت تركيا دعماً عسكرياً لباكو خلال حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020.
وفي إشارة إلى رغبة الحزب الحاكم في احتواء التوتر، قال عمر تشيليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية، إن العلاقة بين أردوغان وعلييف تقوم على «أخوة حقيقية»، وإن أي اختلافات في تقدير القضايا الداخلية أو الخارجية يمكن التعامل معها عبر الحوار.
وأضاف تشيليك أن بعض الأطراف داخل تركيا تستهدف أذربيجان على نحو غير منصف، مؤكداً أن تلك التحركات لا تمثل موقف الحكومة أو الحزب الحاكم. وشدد على رفض ما وصفه بمحاولات إظهار وجود شرخ بين البلدين.
مصالح استراتيجية تتجاوز الخلاف الحالي
تعكس الأزمة حساسية العلاقة بين تركيا وأذربيجان عندما تتداخل القضايا الداخلية مع الخطاب السياسي والرأي العام. فأنقرة، التي تدعم باكو سياسياً وعسكرياً، تحاول في الوقت نفسه تفادي ظهورها بمظهر الطرف الذي يتدخل في قرارات حليفتها.
وفي المقابل، تؤكد تصريحات علييف أهمية استقلال القرار الأذربيجاني، لكنها لم تتضمن اتهاماً مباشراً لتركيا، ما يجعل تفسيرها بوصفها رداً على موقف أنقرة قراءة سياسية وليست حقيقة معلنة بصورة صريحة.
وبين الجدل بشأن الحجاب والحرص على استمرار التعاون الثنائي، يبدو أن الطرفين يفضلان إبقاء الخلاف ضمن حدود التصريحات غير المباشرة والاتصالات السياسية، بدلاً من السماح له بالتحول إلى أزمة علنية تهدد شراكتهما الاستراتيجية.
اقرأ أيضاً
إيطاليا: ميلوني تفتح معركة الحجاب والنقاب في المدارس وسط سباق يميني على استهداف المسلمين
الحكومة الفرنسية ترفض مقترح لو بن لفرض غرامات على ارتداء الحجاب الإسـلامي
إيران بعد مهسا أميني.. حرية أكبر في الشارع وصراع متجدد مع المحافظين
ترامب يثير جدلاً بعد نشر فيديو لطفلات محجبات.. انتقادات حقوقية وتحذيرات من خطاب الكراهية

