وطن-عاد ملف الحجاب إلى واجهة الجدل السياسي في فرنسا، بعد إعلان حزب التجمع الوطني عزمه الدفع نحو فرض غرامات على ارتداء الحجاب الإسلامي في الأماكن العامة، في حال وصول زعيمته مارين لوبان إلى قصر الإليزيه عقب الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
ويواجه المقترح منذ الآن اعتراضات وتحفظات من الحكومة الفرنسية، التي شككت في مدى توافقه مع الدستور وإمكانية تطبيقه عملياً، في خطوة قد تفتح مواجهة سياسية وقانونية جديدة حول حدود العلمانية وحرية المعتقد في فرنسا.
الحكومة الفرنسية تشكك في دستورية المقترح
وقالت وكالة “إفي” إن الحكومة الفرنسية أعربت، الاثنين، عن تحفظات واضحة بشأن مقترح حزب التجمع الوطني، خصوصاً فيما يتعلق بدستوريته وإمكانية تنفيذه على أرض الواقع.
وخلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه، قالت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية مود بريجون إن موقف الحكومة من القضية معروف، مشيرة إلى وجود «تحفظات بديهية» تتعلق بدستورية الإجراء وقابليته للتطبيق.
وأكدت بريجون أن أي نقاش حول منع الرموز الدينية الظاهرة في الأماكن العامة لا يمكن، من وجهة نظر الحكومة، أن يستهدف الحجاب وحده.
وأضافت أن طرح المسألة مجدداً يجب أن يشمل جميع الرموز الدينية الظاهرة في الفضاء العام، وليس رمزاً دينياً بعينه.
حزب لوبان: سنفرض غرامات على ارتداء الحجاب
تجدد الجدل بعد تصريحات للنائب عن حزب التجمع الوطني جان فيليب تانغي، أحد المقربين من مارين لوبان، أكد فيها أن الحزب يعتزم فرض غرامات على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة إذا وصل إلى الحكم.
وقال تانغي، في مقابلة مع قناة بي إف إم تي في الفرنسية، إن حزبه سيواصل ما وصفه بمحاربة «الأيديولوجيا الإسلاموية»، مضيفاً أنه سيعاقب ارتداء الحجاب.
وبرر النائب موقف حزبه بأنه يأتي أيضاً، بحسب قوله، في إطار التضامن مع النساء اللواتي يُجبرن على ارتداء الحجاب في بعض الدول.
مقترح حظر الحجاب ليس جديداً
لا يمثل حظر الحجاب في الأماكن العامة فكرة جديدة في برنامج مارين لوبان السياسي، إذ سبق أن طرحته خلال حملاتها الانتخابية الرئاسية السابقة.
كما سبق لحزب التجمع الوطني أن قدم عام 2021 مشروع قانون يتضمن إجراءات مرتبطة بمواجهة ما وصفه بـ«الأيديولوجيات الإسلاموية»، وتضمن مقترحات تتعلق بالرموز الدينية، لكنه لم يتحول إلى قانون نافذ.
ويأتي إحياء الملف حالياً في سياق الاستعداد المبكر للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، حيث تمثل قضايا الهجرة والهوية والعلمانية والإسلام أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل المجتمع الفرنسي.
هل يمكن تطبيق الغرامة فعلاً؟
على الرغم من إعلان حزب التجمع الوطني عن خطته، فإن تحويل المقترح إلى قانون يواجه عقبات قانونية كبيرة.
وتشير وكالة “إفي” إلى أن خبراء في القانون الدستوري يشككون في مدى توافق حظر شامل للحجاب في الأماكن العامة مع الحقوق والحريات الأساسية التي يكفلها النظام القانوني الفرنسي.
ومن أبرز القضايا التي قد تدخل في صلب أي طعن قانوني حرية المعتقد ومبدأ المساواة، إضافة إلى مسألة مدى تناسب القيود المفروضة على الملابس الدينية مع الأهداف التي تستند إليها الحكومة أو المشرعون لتبريرها.
لوبان تراهن على الاستفتاء
وتطرح مارين لوبان إمكانية اللجوء إلى استفتاء شعبي من أجل تمرير حظر الحجاب، في محاولة لتجاوز العقبات التي يمكن أن يواجهها المشروع داخل المؤسسات الدستورية.
غير أن اللجوء إلى الاستفتاء لا يخلو بدوره من إشكالات قانونية، خصوصاً فيما يتعلق بالمادة 11 من الدستور الفرنسي والموضوعات التي يمكن عرضها على الناخبين من خلالها.
وبالتالي، فإن حصول المقترح على دعم سياسي أو شعبي لا يعني بالضرورة إمكانية تطبيقه بصورة مباشرة، إذ سيبقى خاضعاً للقيود الدستورية والقانونية التي تحكم التشريع الفرنسي.
مواجهة محتملة مع القضاء الأوروبي
وقد لا تتوقف المعركة القانونية عند المؤسسات الفرنسية، إذ يمكن أن يثير أي حظر شامل للحجاب في الأماكن العامة تساؤلات على المستوى الأوروبي أيضاً.
وتكفل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حرية الفكر والضمير والدين، كما تتضمن أحكاماً تتعلق بعدم التمييز، وهو ما قد يجعل أي قانون فرنسي شامل بشأن الحجاب عرضة للطعن أمام القضاء الأوروبي، بحسب طبيعة النص وآلية تطبيقه.
لكن القانون الأوروبي لا يمنع بالضرورة كل القيود على الرموز الدينية في جميع الظروف، ما يجعل القضية مرتبطة بتفاصيل التشريع وأهدافه ومدى تناسب القيود المفروضة مع تلك الأهداف.
الحجاب في قلب معركة الهوية الفرنسية
ويأتي التصعيد الجديد في وقت تستعد فيه فرنسا لمعركة انتخابية حاسمة عام 2027، وسط تنافس سياسي متزايد حول قضايا الهوية والهجرة والعلمانية.
ويحاول حزب التجمع الوطني تقديم حظر الحجاب باعتباره جزءاً من مواجهة ما يسميه «الإسلاموية»، بينما يرى معارضوه أن استهداف لباس ديني بعينه يطرح أسئلة تتعلق بحرية المعتقد والمساواة بين المواطنين.
وتزداد حساسية القضية بسبب وجود تشريعات فرنسية سابقة تقيد ارتداء بعض أشكال تغطية الوجه في الأماكن العامة، فضلاً عن القيود المفروضة على الرموز الدينية في مؤسسات معينة، خصوصاً المدارس الحكومية.
معركة سياسية وقانونية قبل انتخابات 2027
وبينما يسعى حزب مارين لوبان إلى تحويل ملف الحجاب إلى ورقة انتخابية جديدة، تبدو الطريق نحو تطبيق حظر شامل في الأماكن العامة أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرار سياسي.
فأي مشروع من هذا النوع سيواجه أولاً اختبار الدستور الفرنسي، ثم احتمال الطعن أمام المؤسسات القضائية الأوروبية، فضلاً عن الجدل السياسي والاجتماعي الذي قد يرافقه.
وبذلك، يتحول الحجاب مرة أخرى إلى نقطة تقاطع بين الانتخابات الفرنسية، والعلمانية، وحرية الدين، والهجرة، والهوية الوطنية، في معركة يُتوقع أن تحتل مساحة واسعة من النقاش السياسي الفرنسي مع اقتراب استحقاق 2027.
اقرأ أيضاً
رسمياً.. مارين لوبان خارج دائرة الإقصاء! محكمة الاستئناف تفسح المجال لزعيمة اليمين لخوض رئاسيات 2027
فرنسا تجدد الجدل حول تنظيم الإسلام: اتهامات للنصوص الدينية وإغلاق مساجد جديدة
فرنسا تغلق مسجداً بسبب آيات قرآنية ونصوص إسلامية مستخدمة في العبادة

