وطن-كشفت تقارير إعلامية عن تصاعد التوتر بين تركيا وأذربيجان على خلفية قرار باكو منع ارتداء الحجاب في المدارس الابتدائية والثانوية، في خلاف تجاوز الجدل الديني والاجتماعي ليمتد إلى العلاقات السياسية والأمنية بين البلدين، مع توجيه وسائل إعلام أذربيجانية اتهامات إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بمحاولة إثارة اضطرابات داخل البلاد.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن وسائل إعلام أذربيجانية مقربة من دوائر الحكم كثفت انتقاداتها للحكومة التركية خلال الأيام الماضية، متهمة فيدان بالسعي إلى تأجيج التوتر الداخلي ضد إدارة الرئيس إلهام علييف. وتأتي هذه الاتهامات في وقت تحافظ فيه أنقرة وباكو على تحالف استراتيجي وثيق يشمل التعاون العسكري والاقتصادي والأمني.
ويكتسب التصعيد أهمية خاصة بالنظر إلى أن البلدين أعلنا، قبل فترة قصيرة، عن عقود عسكرية بقيمة 500 مليون دولار لتزويد الجيش الأذربيجاني بمعدات ومنظومات تركية، في مؤشر على استمرار التعاون الدفاعي رغم الخلافات السياسية المتصاعدة.
وتجمع تركيا وأذربيجان روابط تاريخية وثقافية ولغوية، وتعززت علاقاتهما عبر إعلان شوشا عام 2021، الذي رسخ التعاون بينهما في مجالات الدفاع والأمن. لكن قضية الحجاب أعادت إلى الواجهة خلافات تتعلق بحدود النفوذ التركي، وطبيعة النظام السياسي الأذربيجاني، ورفض باكو ما تعتبره تدخلاً في شؤونها الداخلية.
حظر الحجاب يشعل الخلاف بين تركيا وأذربيجان
بدأ التصعيد بعد فرض قيود على ارتداء الحجاب في المدارس الأذربيجانية، وهو ما أثار انتقادات في تركيا، لا سيما بين شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وبحسب «ميدل إيست آي»، وجه الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف انتقادات غير مباشرة إلى أنقرة، محذراً من التدخل في الشؤون الداخلية لبلاده. وربطت مصادر تحدثت إلى الصحيفة هذه التصريحات بموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي انتقد في خطاب أمام الأمم المتحدة القيود التي تحول دون حصول الفتيات المسلمات على التعليم بسبب ملابسهن.
في المقابل، تؤكد الرواية التركية أن تصريحات أردوغان لم تكن موجهة إلى أذربيجان، بل إلى دول أوروبية تفرض قيوداً على ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية.
وتفاقم الخلاف بعد نشر أوكتاي سارال، مستشار أردوغان، رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعا فيها السلطات الأذربيجانية إلى التراجع عن قرار حظر الحجاب. كما انتقدت ليلى شاهين أوستا، نائبة رئيس حزب العدالة والتنمية، القرار، مستندة إلى تجربتها السياسية السابقة في معارضة القيود المفروضة على الحجاب في تركيا.
ورد حزب أذربيجان الجديدة الحاكم بانتقادات حادة، محذراً أنقرة من محاولة فرض هيمنة سياسية أو دينية على العالم الإسلامي، في رسالة عكست رفض باكو تقديم تركيا بوصفها مرجعية تتدخل في خيارات الدول الأخرى.
باكو تطالب بإقالة مستشار أردوغان
ونقلت «ميدل إيست آي» عن ثلاثة مسؤولين ومصدر مطلع على القضية أن باكو طلبت من أنقرة إقالة أوكتاي سارال من منصبه الرسمي، على خلفية تصريحاته بشأن حظر الحجاب.
وأضافت الصحيفة أن السلطات الأذربيجانية طلبت كذلك اتخاذ إجراءات ضد معلقين على وسائل التواصل الاجتماعي اتهمتهم بالإساءة إلى الرئيس علييف، وقدمت إلى الجانب التركي قائمة بحسابات طالبت بحظرها.
وبحسب التقرير، حجبت السلطات التركية بعض الحسابات، لكن لم تُعلن إجراءات إضافية في هذا الملف.
وفي محاولة لاحتواء الخلاف، أكد مسؤولون أتراك، من بينهم رئيس الوزراء السابق بن علي يلدريم، أن تصريحات سارال لا تمثل الموقف الرسمي للرئيس أردوغان، وإنما تعبر عن رأيه الشخصي.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول تركي تأكيده أن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين قادرة على تجاوز الأزمة، مشدداً على أن أنقرة لا ترغب في منح الأطراف التي تسعى إلى إضعاف التحالف فرصة لاستغلال الخلاف.
هاكان فيدان في قلب الاتهامات الأذربيجانية
ازدادت حدة التوتر عقب زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى باكو للمشاركة في قمة إقليمية، إذ ربط موقع «قفقاز إنفو»، المقرب من الرئاسة الأذربيجانية بحسب الصحيفة البريطانية، زيارته باتهامات تتعلق بأنشطة مؤسسات مرتبطة بتركيا داخل أذربيجان.
ونشر الموقع تقريراً زعم فيه أن كيانات مرتبطة بتركيا حاولت تنظيم انقلاب وإثارة الفوضى في البلاد، مشيراً إلى ما وصفه بمعلومات تفيد بأن فيدان أعطى تعليمات محددة خلال اجتماع عقده أثناء زيارته.
لكن التقرير حُذف لاحقاً، ثم أعيد نشره من دون الفقرات التي استهدفت وزير الخارجية التركي، وفق «ميدل إيست آي»، وذلك بعد اعتراض السفارة التركية ونفيها الاتهامات.
ونقلت الصحيفة عن مصادر ومسؤولين قولهم إن الحملة الإعلامية ضد أنقرة وفيدان جاءت بتوجيهات من مستويات عليا في باكو. كما نقلت عن مصدر أذربيجاني قوله إن زيارة الوزير التركي زادت تعقيد الأزمة، وإن السلطات الأذربيجانية تنتظر تغييراً ملموساً في الموقف التركي.
ولم تثبت الاتهامات المتعلقة بمحاولة تنظيم انقلاب أو إصدار فيدان تعليمات للتدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان بمجرد ورودها في وسائل الإعلام، ما يجعل من الضروري التعامل معها بوصفها ادعاءات منسوبة إلى مصادرها، لا وقائع مؤكدة.
غياب أردوغان ومقاطعة خطاب الرئيس الإسرائيلي يزيدان التوتر
لم يقتصر الخلاف على ملف الحجاب، بل امتد إلى ترتيبات دبلوماسية أثارت استياءً في باكو. فقد أفادت «ميدل إيست آي» بأن قرار أردوغان عدم حضور القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا، التي استضافتها أذربيجان، أثار غضباً لدى مسؤولين أذربيجانيين.
ووفقاً للصحيفة، تجنب الرئيس التركي حضور القمة لتفادي الوجود في القاعة نفسها مع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، في حين فُسر غيابه في باكو على أنه تجاهل للرئيس علييف.
وشارك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في القمة، لكنه انضم إلى مقاطعة خطاب هرتسوغ، إلى جانب ممثلين عن دول أخرى، في خطوة لم تلق قبولاً لدى الجانب الأذربيجاني، بحسب المصادر التي نقلت عنها الصحيفة.
كما أشارت التقارير إلى أن مشاركة علييف في قمة الدول التركية المقرر عقدها في تركيا لم تكن مؤكدة في ذلك الوقت، وسط تكهنات بشأن احتمال غيابه رداً على الموقف التركي. غير أن هذه التكهنات لا تعني اتخاذ قرار نهائي بالمقاطعة.
حملة إعلامية ضد حزب العدالة والتنمية
تزامناً مع الخلاف الدبلوماسي، نشرت وسائل إعلام أذربيجانية مقالات وتقارير تنتقد حزب العدالة والتنمية والحكومة التركية، متهمة أنقرة بمحاولة تصدير نموذجها السياسي والديني إلى دول المنطقة.
ووفقاً لما أوردته «ميدل إيست آي»، اتهم «قفقاز إنفو» الحزب الحاكم في تركيا باستخدام منظمات غير حكومية مرتبطة به لنشر توجهاته السياسية، كما ألمح إلى أن أجهزة الاستخبارات التركية قد تستفيد من هذه الكيانات للتأثير في سياسات دول أخرى.
ونشر موقع «بوبليكا» بدوره اتهامات بشأن تصدير أيديولوجيا إسلامية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، محذراً من دور وكالة التعاون والتنسيق التركية «تيكا» في دول المنطقة. كما اتهم موقع «غلوبال إنفو» أنقرة باتباع سياسة توسعية ذات طابع عثماني جديد، والتعامل مع باكو باعتبارها طرفاً ضمن مجال النفوذ التركي.
وتضمنت بعض التقارير ادعاءات تاريخية وسياسية مثيرة للجدل، من بينها مزاعم بشأن أحداث عام 1915، من دون أن يشكل نشرها دليلاً على صحتها.
وتعكس هذه الحملة انتقال الخلاف من سجال بشأن الحجاب إلى مواجهة أوسع حول طبيعة العلاقات بين البلدين، وحدود النشاط التركي داخل أذربيجان، وما تعتبره باكو محاولات للتأثير في خياراتها السياسية والاجتماعية.
إسرائيل عامل إضافي في خلفية الأزمة
برزت إسرائيل أيضاً في سياق التغطية الإعلامية للخلاف، في ظل العلاقات الاستراتيجية التي تربطها بأذربيجان، خصوصاً في مجالات الدفاع والطاقة والأمن، مقابل التوتر المستمر في العلاقات التركية الإسرائيلية على خلفية الحرب في غزة.
وذكرت «ميدل إيست آي» أن منصة «نيوز أذ إنترناشونال» نشرت مقالاً لرومان غوريفيتش، السفير الفخري للوكالة اليهودية العالمية «سوخنوت»، انتقد فيه ما اعتبره محاولات تركية لتصدير نموذجها السياسي والديني، مؤكداً أن باكو لن تتنازل عن سيادتها.
وتأتي هذه المواقف في سياق تباين حسابات أنقرة وباكو الإقليمية؛ فبينما تحافظ أذربيجان على شراكة وثيقة مع إسرائيل، تتبنى تركيا خطاباً شديد الانتقاد للحكومة الإسرائيلية، لا سيما منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة.
ومع ذلك، لا تكفي هذه التباينات وحدها لإثبات أن العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية تقف وراء التصعيد الإعلامي ضد تركيا، إذ تبقى الاتهامات المتعلقة بدوافع الحملة بحاجة إلى أدلة مستقلة.
تحالف «أمة واحدة ودولتان» أمام اختبار جديد
نقلت «ميدل إيست آي» عن مصدر أذربيجاني أن وسائل الإعلام تلقت توجيهات لتكثيف انتقاداتها لما تصفه باكو بالإسلام السياسي المرتبط بحزب العدالة والتنمية، ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.
وأضاف المصدر أن الأزمة تعكس رفض أذربيجان التعامل معها باعتبارها جزءاً من مجال النفوذ التركي، مستحضراً الشعار الذي يلخص العلاقة بين البلدين: «أمة واحدة ودولتان».
ورغم حدة الخطاب الإعلامي، تشير التصريحات المنقولة عن مسؤولين أتراك إلى رغبة أنقرة في احتواء الخلاف وتجنب التصعيد العلني، حفاظاً على التحالف الذي يقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية المشتركة.
وتواجه العلاقات التركية الأذربيجانية بذلك اختباراً حساساً تتداخل فيه قضية الحجاب مع حسابات السيادة والنفوذ والتباينات الإقليمية. وبينما لا تزال المصالح الاستراتيجية المشتركة تشكل عاملاً أساسياً في العلاقة، تكشف الأزمة أن التقارب التاريخي بين أنقرة وباكو لا يمنع ظهور خلافات حادة عندما تتعارض التصورات السياسية والدينية مع اعتبارات السيادة الوطنية.
اقرأ المزيد
الحجاب في مدارس أذربيجان.. هل تُحرم الطالبات من التعليم بسبب لباسهن؟
أمة واحدة ودولتان على المحك».. أذربيجان ترفض الانتقادات التركية لحظر الحجاب وتطالب باحترام سيادتها
تركيا تحتوي خلافاً مع أذربيجان بعد جدل الحجاب.. وعلييف يحذر من التدخل في شؤون بلاده

