وطن-من مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، بدأت حكاية محمد سدر مع الشطرنج مبكراً على نحو لافت. كان في الخامسة من عمره فقط حين يعود من مدرسته إلى البيت، لا ليلعب كغيره من الأطفال فحسب، بل ليجلس أمام مسائل الشطرنج ويحاول حلّها بشغف وهدوء. اليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك البدايات، بات سدر، البالغ 17 عاماً، اللاعب الأعلى تصنيفاً في فلسطين، وأحد أبرز الوجوه الصاعدة في الشطرنج الفلسطيني.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن والد محمد، ناجي سدر، بطل فلسطين السابق في الشطرنج، لاحظ مبكراً موهبة ابنه، وبدأ يعتقد أن شغفه بهذه اللعبة وموهبته ربما انتقلا إليه. ومن هنا قرر أن يمنحه تدريباً منظماً، قبل أن يبدأ محمد المشاركة في البطولات التنافسية وهو في سن العاشرة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، يحمل محمد سدر تصنيفاً دولياً من الاتحاد الدولي للشطرنج “فIDE” يبلغ 2235 نقطة، وهو ما يجعله في صدارة لاعبي فلسطين حالياً. ويقيس هذا التصنيف مستوى اللاعب بناءً على نتائجه أمام منافسين مصنفين دولياً، ويُعد مؤشراً أساسياً في مسيرة لاعبي الشطرنج المحترفين.
ولا تقف موهبة الشطرنج عند محمد وحده داخل العائلة. فشقيقته رندة سدر، البالغة 12 عاماً، تُعد بدورها لاعبة لافتة، وقد فازت مؤخراً ببطولة فلسطين للسيدات في الشطرنج الكلاسيكي لعام 2026، في تأكيد على حضور العائلة القوي داخل المشهد الشطرنجي الفلسطيني.
وذكرت صحيفة “ميدل إيست آي” أن محمد سدر تُوج مرتين ببطولة فلسطين الوطنية للشطرنج، كما مثّل فلسطين في بطولات دولية وأولمبيادات شطرنجية عديدة. وسبق له أيضاً الفوز ببطولات العرب في فئات تحت 8 سنوات، وتحت 10 سنوات، وتحت 14 عاماً، وهي نتائج كرّست اسمه منذ الصغر كأحد أهم المواهب العربية والفلسطينية في اللعبة.
تمثيل فلسطين.. فخر ومسؤولية
تجاوزت شهرة محمد سدر حدود مدرسته ومدينته. ففي الخليل، يعرفه كثير من المعلمين والطلاب حتى قبل أن يدرّسوه أو يلتقوا به مباشرة، كما قال في حديثه للصحيفة. ويقول سدر إن كثيرين في مدرسته يعرفونه لأنه يشارك في بطولات باسم المدرسة، مضيفاً: “عندما أفوز، أشعر وكأنني فعلت كل شيء في العالم من أجل المدرسة”.
لكن هذا الاعتراف المحلي لم يكن سوى جزء من الصورة. فقد أتاحت له البطولات الدولية السفر إلى أكثر من 20 دولة، ممثلاً فلسطين في منافسات خارجية، وهو أمر يصفه بالفخر الكبير والمسؤولية في الوقت نفسه.
وأضاف سدر في حديثه مع “ميدل إيست آي”: “عندما أسافر إلى الخارج، أشعر بفخر كبير لأنني أمثل فلسطين. وأشعر أيضاً بأن لدي مسؤولية لأُظهر للعالم أن فلسطين تضم الكثير من الأشخاص الأذكياء والمميزين”.
وأشارت الصحيفة إلى أن آخر أولمبياد للشطرنج التابع للاتحاد الدولي أُقيم في سبتمبر في سمرقند بأوزبكستان، حيث شارك المنتخب الفلسطيني في قسمي المفتوح والسيدات. ولم يتمكن محمد من المشاركة بسبب اقتراب امتحاناته المدرسية، بينما سافرت شقيقته رندة إلى أوزبكستان وحققت نتائج قوية.
وكانت رندة قد دخلت التاريخ في أولمبياد الشطرنج لعام 2022 الذي أُقيم في مامالابورام بالهند، بعدما أصبحت أصغر مشاركة في تاريخ البطولة، وفق ما ذكرت “ميدل إيست آي”.
كيف يستعد محمد سدر للبطولات؟
يؤكد محمد أن المشاركة في بطولة شطرنج لا تبدأ يوم المنافسة، بل قبل ذلك بوقت طويل. فعندما يعرف اسم خصمه، يبدأ في دراسة ملفه بدقة، من أسلوب اللعب إلى الافتتاحيات المفضلة، مروراً بالطريقة التي يتعامل بها مع المواقف الصعبة فوق الرقعة. وبعد ذلك يستعين بمدربيه للحصول على نصائح محددة حول كيفية مواجهة ذلك اللاعب.
وبحسب الصحيفة، يرى سدر أن التدريب وحده لا يكفي. فالنوم الجيد والتغذية المناسبة جزء أساسي من الاستعداد. ويقول: “قبل المنافسة، أحتاج إلى نوم كافٍ. ويجب أيضاً تناول كمية جيدة من الكربوهيدرات، لكن الطعام لا ينبغي أن يكون ثقيلاً جداً، وإلا ستشعر بالنعاس”.
ويروي محمد موقفاً طريفاً عن بطولة في دوسلدورف الألمانية، إذ يعتقد أنه خسر إحدى المنافسات بعدما تناول وجبة غداء كبيرة في مطعم تركي، لأن الطعام كان، على حد وصفه، “لذيذاً جداً”.
وعندما لا يتمكن من السفر للمشاركة في البطولات، يلعب محمد الشطرنج يومياً عبر منصات إلكترونية مفتوحة مثل “Lichess” و”Chess.com”، محاولاً الحفاظ على مستواه وتطوير قدراته رغم محدودية فرص الاحتكاك المباشر بلاعبين أقوى.
التوجيهي والحلم الجامعي
في الربيع المقبل، يستعد محمد سدر لاجتياز امتحان شهادة الثانوية العامة “التوجيهي”، وهو امتحان يحظى بمكانة كبيرة في المجتمع الفلسطيني، حيث تُعد الدراسة والإنجاز الأكاديمي مصدر فخر للطلاب والعائلات والمجتمعات المحلية. وتشير “ميدل إيست آي” إلى أن نسبة معرفة القراءة والكتابة بين الشباب الفلسطينيين تصل إلى 99%.
ويأمل سدر في تحقيق نتائج ممتازة تساعده على الحصول على منحة دراسية في علوم الحاسوب أو الهندسة بإحدى الجامعات في الولايات المتحدة أو أوروبا. وتأتي جامعة سانت لويس في ولاية ميزوري الأميركية على رأس خياراته، بسبب برنامجها القوي والمصنف بين الأفضل في الشطرنج الجامعي.
وقال محمد للصحيفة: “جامعة سانت لويس من أفضل الجامعات للاعبي الشطرنج. لديها نادٍ للشطرنج والكثير من البطولات، وهذا سيكون جيداً جداً بالنسبة لي. لكن إذا لم يقبلوني أو لم يمنحوني منحة، فسأذهب إلى جامعة أخرى، لا مشكلة”.
ورغم رغبته في مغادرة فلسطين بحثاً عن فرص تعليمية ورياضية أفضل، يؤكد سدر أن العودة إلى بلده ليست موضع نقاش. ويقول: “الشطرنج لا يهمني عندما يتعلق الأمر بفلسطين. أرضي أهم بكثير من الشطرنج. إذا غادرت فلسطين لسنوات، فسأعود بالتأكيد”.
القيود الإسرائيلية تضيق مساحة الحلم
ورغم أن موهبة محمد سدر منحته فرصة السفر إلى دول كثيرة والمشاركة في بطولات دولية، فإن الواقع اليومي في الضفة الغربية المحتلة يفرض عليه تحديات قاسية. فبحسب “ميدل إيست آي”، تحدّ القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، إلى جانب نقص الموارد والدعم المالي في قطاع الشطرنج الفلسطيني، من فرصه في التطور والمنافسة المستمرة.
ويقول سدر إن التنقل من الخليل إلى مدن فلسطينية أخرى مثل رام الله أو نابلس أو جنين قد يتحول إلى رحلة طويلة ومرهقة، رغم أن المسافة لا تتجاوز في بعض الأحيان نحو 60 كيلومتراً. ويوضح: “السفر من الخليل إلى رام الله أو نابلس أو جنين مسافة قصيرة، لكنها بالسيارة قد تستغرق أكثر من أربع أو خمس ساعات. وأحياناً تستغرق أكثر من 12 ساعة”.
وتقع الخليل قرب عدد من المستوطنات الإسرائيلية، وقد تصاعدت في السنوات الأخيرة اعتداءات المستوطنين وأعمال العنف المرتبطة بالجيش الإسرائيلي، وفق ما أوردته الصحيفة. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، سوّى الجيش الإسرائيلي حياً كاملاً في الخليل بالأرض، وأجبر ما لا يقل عن 2670 فلسطينياً على مغادرة منازلهم، بحسب رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري، وذلك في إطار عقاب جماعي بعد هجوم على حاجز عسكري خارج المدينة.
ويمتلك محمد سدر، كما تقول “ميدل إيست آي”، قصصاً عديدة عن منعه أو اقترابه من المنع من السفر إلى بطولات محلية ودولية. ففي إحدى المرات، وأثناء توجهه إلى بطولة في الكويت، قال إنه أُوقف واحتُجز على الحدود لأنه لم يكن يحمل بطاقة الهوية الفلسطينية، التي يوضح أنها تُستخدم عادة داخل فلسطين فقط.
وفي حادثة أخرى، يقول سدر: “كنت أسافر بين مدينتين في فلسطين عندما أوقفنا جنود إسرائيليون وطلبوا منا الخروج من السيارة. عندما خرجنا، انتظرنا إلى جانب السيارة ساعتين بلا سبب”. وقبل نحو شهرين، اقتحم جنود إسرائيليون منزل عائلة سدر ليلاً واعتقلوا والده، قبل أن يُفرج عنه بعد ساعات، وفق ما ذكر محمد للصحيفة.
نقص الدعم يهدد مسيرة بطل فلسطين
إلى جانب صعوبة الحركة والسفر، يواجه محمد سدر عقبة أخرى تتمثل في ضعف الدعم المالي للشطرنج في فلسطين. فلا يكاد يوجد دعم مؤسسي أو رعاية من الشركات لهذه الرياضة، كما أن فرص المشاركة في بطولات قوية تمنحه الاحتكاك المطلوب تبقى محدودة.
ويطمح سدر الآن إلى الحصول على لقب “أستاذ دولي” من الاتحاد الدولي للشطرنج، وهو لقب يتطلب رفع تصنيفه إلى 2400 نقطة وتحقيق نتائج محددة أمام لاعبين يحملون ألقاباً دولية. وللوصول إلى هذا المستوى، يحتاج إلى المشاركة المستمرة في بطولات قوية تضم لاعبين مصنفين.
وقال محمد لـ”ميدل إيست آي”: “الأمر ليس صعباً جداً، لكنني لا أملك فرصة اللعب في عدد كافٍ من البطولات. إذا أردت أن تصبح أستاذاً دولياً، فعليك أن تلعب ثلاث أو أربع بطولات على الأقل شهرياً”.
وأضاف بمرارة واضحة: “في عام 2026، لعبت بطولة واحدة فقط. إذا واصلت العيش في فلسطين، فإن مسيرتي في الشطرنج ستنتهي”.
وبين رقعة الشطرنج وواقع الاحتلال، تبدو قصة محمد سدر أكبر من مجرد حكاية لاعب موهوب. إنها قصة شاب فلسطيني يحاول أن ينتزع مكانه على الخريطة الدولية، وأن يرفع اسم بلاده في لعبة تحتاج إلى تركيز وحرية حركة وفرص عادلة، بينما يظل متمسكاً بحلم العودة الدائمة إلى أرضه، مهما أخذته البطولات بعيداً.
اقرأ أيضاً
تهجير قسري في الخليل.. الاحتلال يغلق مداخل المدينة ويطرد أكثر من 2200 فلسطيني من منازلهم
برنامج الأغذية العالمي يقلّص مساعداته في غزة.. نصف مليون فلسطيني مهددون بفقدان الدعم الغذائي
نصف مليون فلسطيني في غزة مهددون بفقدان المساعدات الغذائية مع تقليص برنامج الأغذية العالمي دعمه

