وطن-أثار الدكتور أمجد حامد عمارة، العميد السابق لكلية التجارة بجامعة المنوفية في مصر، جدلاً بعد نشر شهادة انتقد فيها طريقة إدارة إحدى جلسات «منتدى مصر 2026»، قائلاً إن الخبراء والأكاديميين المدعوين لمناقشة أزمة النقد الأجنبي وإدارة ديون الدولة لم يحصلوا على فرصة حقيقية للمشاركة في الحوار.
وفي مقال نشره يوم 24 أكتوبر 2026، قال عمارة إنه تلقى دعوة لحضور مائدة مستديرة في فندق سانت ريجيس بالعاصمة الإدارية الجديدة، أملاً في المشاركة بخبرته الأكاديمية في مناقشة أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في مصر. لكنه وصف تجربته بأنها مخيبة للآمال، بعدما قال إن الوزراء والمسؤولين استحوذوا على معظم وقت الجلسة، بينما اقتصر الوقت المخصص لمداخلات بقية الحاضرين على دقيقة واحدة، وفق روايته.
واستخدم العميد السابق وصف «الكومبارس» للتعبير عن شعوره بأن وجود الخبراء غير الرسميين لم يتجاوز استكمال المشهد، بدلاً من الاستفادة من معرفتهم في مناقشة الحلول الاقتصادية.
ألف جنيه من معاش لا يتجاوز خمسة آلاف.. لماذا حضر عمارة المنتدى؟
استهل عمارة شهادته بالتأكيد على أهمية الموضوع الذي دُعي لمناقشته، والمتعلق بزيادة موارد مصر من النقد الأجنبي وإدارة ديون الدولة، قائلاً إنه تعامل مع الدعوة باعتبارها فرصة للمساهمة في حوار وطني بشأن أزمة اقتصادية تمس حياة المواطنين.
وأوضح أنه اقتطع ألف جنيه من معاشه الشهري، الذي قال إنه لا يتجاوز خمسة آلاف جنيه، لتغطية تكلفة الذهاب إلى المنتدى، رغم بُعد المسافة عن محل إقامته وظروف أخرى لم يفصح عنها.
وبحسب روايته، تأخر موعد الجلسة المحدد بأكثر من ساعة ونصف، من دون إعلان واضح عن سبب التأخير، ما ترك المدعوين خارج القاعة في حالة من الانتظار والحيرة.
كما انتقد طريقة توزيع المقاعد داخل القاعة، إذ قال إن الوزراء والمسؤولين جلسوا في دائرة داخلية تضم مقاعد أكثر راحة، بينما وُضع بقية الحاضرين في صفوف خارجية وصفها بأنها ضيقة وغير مريحة.
ورأى أن هذا الترتيب، إلى جانب طريقة إدارة الحوار، عزز شعوره بوجود تفاوت في التعامل بين المسؤولين الرسميين والأكاديميين والخبراء المدعوين للمشاركة.
ساعتان ونصف للمسؤولين.. ودقيقة واحدة للحضور
تمحور الجانب الأبرز من انتقادات عمارة حول آلية إدارة الجلسة الاقتصادية. وقال إن المذيعة التي أدارت الحوار وجهت أسئلة إلى الوزراء والمسؤولين، وصفها بأنها مرتبة ومعدة مسبقاً، وإن إجاباتهم استغرقت نحو ساعتين ونصف.
وأضاف أن المذيعة أعلنت بعد ذلك تخصيص دقيقة واحدة فقط لأسئلة الحاضرين، قبل أن تتحدث إحدى المشاركات لنحو ثلاثين ثانية، ثم تُعلن نهاية الجلسة من دون إتاحة المجال لمزيد من الأسئلة أو التعليقات، وفق ما ورد في شهادته.
وكتب عمارة أن هذه الطريقة جعلته يشعر بأن الحضور غير الرسمي لم يُمنح الفرصة التي توقعها عند قبول الدعوة، رغم أن بعض المشاركين يمتلكون، بحسب قوله، خبرات علمية وتخصصية كان يمكن الاستفادة منها في مناقشة الملف المطروح.
وانتقد كذلك مضمون مداخلات المسؤولين، معتبراً أنها لم تتجاوز الطروحات التقليدية المعروفة لدى المتخصصين، ولم تطرح أفكاراً مبتكرة بالقدر الذي كان ينتظره من جلسة مخصصة لمناقشة موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين.
ومع ذلك، تبقى تفاصيل إدارة الجلسة وتقييم مضمون المداخلات، كما وردت في المقال، رواية صاحبها عن تجربته الشخصية. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من كامل ما جرى داخل القاعة أو من وجود رواية مقابلة مباشرة من منظمي الجلسة.
«مجرد ديكور أو كومبارس».. شهادة تتحول إلى انتقاد لطريقة الحوار
لخص عمارة اعتراضه باستخدام وصف «الكومبارس»، قائلاً إن بعض الحاضرين من غير المسؤولين بدا لهم أن دورهم اقتصر على استكمال الشكل العام للجلسة، بدلاً من المشاركة الفعلية في نقاشاتها. وقال في شهادته: «هنا شعرت والسادة الحضور، من الفاهمين من الناس، كيف أننا قد تلقينا إهانة كبيرة ومتعددة الأبعاد»، وفق النص الذي نشره باسمه.
وأضاف أنه شعر بأنه أساء إلى نفسه وإلى علمه بحضوره جلسة لم تتيح له، كما يقول، الفرصة التي كان يتوقعها للمساهمة بخبرته في موضوع تخصصه. وكتب معبراً عن شعوره بالندم: «ما كان لي أن أهينها بهذا الشكل، أو أهين ما تملك من علم، بمثل هذا الحضور».
وتجاوز انتقاد عمارة تفاصيل التنظيم إلى التساؤل عن جدوى دعوة الخبراء والأكاديميين إذا لم تُتح لهم مساحة كافية لطرح الأسئلة وتقديم الأفكار ومناقشة ما يقدمه المسؤولون من بيانات وتفسيرات. ومن هذا المنطلق، لم تكن عبارة «الكومبارس» في شهادته مجرد وصف لطريقة الجلوس أو توزيع الوقت، بل تعبيراً عن اعتراضه على ما اعتبره اختلالاً في التوازن بين عرض المسؤولين للمعلومات وإتاحة الفرصة أمام المتخصصين لمناقشتها.
هل تحقق الجلسة هدف الحوار الذي أعلنه المنتدى؟
تطرح شهادة عمارة سؤالاً حول الفجوة المحتملة بين الهدف المعلن لمنتدى مصر 2026 وطريقة تنفيذ بعض جلساته. فالمنصة الرسمية للمنتدى تقدمه باعتباره مساحة للحوار حول مسارات التنمية وأولويات المستقبل، تجمع المواطنين والخبراء والمتخصصين وصناع القرار، وتتيح طرح التساؤلات والمقترحات المتعلقة بالسياسات العامة.
كما أعلن المنتدى أن برنامجه يتضمن جلسات حوارية وموائد مستديرة وورشاً متخصصة، وأنه يستهدف مشاركة واسعة من فئات المجتمع المختلفة. وتضمنت أجندته بالفعل جلسة بعنوان «موارد النقد وإدارة الدين»، إلى جانب جلسات تتناول البرنامج الاقتصادي والتحولات التنموية.
لكن الإعلان عن هدف عام للحوار لا يكفي وحده للحكم على مدى تحقق المشاركة الفعلية داخل كل جلسة. وفي المقابل، لا تكفي شهادة فردية واحدة للحكم على جميع جلسات المنتدى أو على تجربة كل المشاركين.
وتكمن أهمية ما أثاره عمارة في أن الحوار الاقتصادي الفعلي لا يقتصر على استعراض بيانات الحكومة؛ بل يشمل أيضاً إتاحة الفرصة لمناقشتها، وطرح الأسئلة الصعبة، ومقارنة البدائل، والاستماع إلى أصحاب الخبرة الذين قد يختلفون مع التقييمات الرسمية أو يقترحون حلولاً أخرى.
«جبر خاطر الحكومة».. قراءة عمارة لتصريحات السيسي
ربط عمارة في ختام مقاله تجربته بما قال إنه تصريحات لاحقة للرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن المنتدى، وفسرها على أنها إشارة إلى أن تنظيمه يهدف إلى دعم الحكومة والتخفيف من الضغوط الواقعة عليها. واستخدم هذا التفسير في صياغة خاتمة ساخرة، قال فيها إنه فهم أخيراً سبب حضوره المنتدى، معتبراً أنه جاء، إلى جانب بقية الحاضرين، من أجل «إرضاء وجبر خاطر الحكومة».
ويظل هذا الربط جزءاً من قراءة عمارة السياسية لما سمعه، وليس دليلاً مستقلاً على أن هذا كان الهدف الوحيد من تنظيم المنتدى. كما أن الإعلان الرسمي للمنتدى يعرض أهدافاً تتعلق بمناقشة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والاستماع إلى آراء الخبراء والمواطنين. وتعكس هذه النقطة جوهر اعتراضه: فإذا كان الهدف هو الاستفادة من خبرات الأكاديميين في حل مشكلات البلاد، فإن إتاحة وقت كافٍ لهم لطرح الأسئلة ومناقشة الإجابات تصبح جزءاً أساسياً من نجاح أي حوار من هذا النوع.
الخبراء بين الدعوة للمشاركة وحقهم في طرح الأسئلة
تثير شهادة عمارة نقاشاً أوسع حول موقع الخبراء المستقلين في المؤتمرات الوطنية، وحدود مشاركتهم عندما تكون الجلسات مخصصة لملفات اقتصادية معقدة مثل النقد الأجنبي والدين العام. فنجاح هذه اللقاءات لا يقاس بعدد الحاضرين أو مستوى تمثيل المسؤولين فحسب، بل أيضاً بقدرة المشاركين على التفاعل، ومناقشة البيانات، وطرح أسئلة غير متوقعة، وتقديم مقترحات يمكن اختبارها وتقييمها.
كما أن وجود خبراء من خارج المؤسسات الحكومية قد يضيف قيمة إلى النقاش، خصوصاً حين يقدمون قراءات مختلفة أو يلفتون الانتباه إلى جوانب لا تظهر في العروض الرسمية. وفي المقابل، تتطلب الجلسات التي تضم مسؤولين وخبراء وممثلين عن فئات متعددة إدارة واضحة للوقت، وتوزيعاً عادلاً نسبياً لفرص الحديث، وإعلاناً دقيقاً عن طبيعة المشاركة المتاحة لكل فئة.
وتبقى شهادة أمجد عمارة، التي وصف فيها المدعوين بأنهم «كومبارس»، انتقاداً موجهاً إلى طريقة إدارة جلسة بعينها، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع: هل يكفي جمع الخبراء وصناع القرار في قاعة واحدة لاعتبار اللقاء حواراً حقيقياً، أم أن قيمة الحوار تُقاس بما يُتاح للمشاركين من فرص للاستماع والمناقشة والتأثير في النتائج؟
فالدولة التي تسعى إلى معالجة أزماتها الاقتصادية تحتاج إلى عرض المعلومات والبيانات، كما تحتاج إلى اختبارها بالنقاش والنقد والاستماع إلى الآراء المتخصصة. ومن هنا، فإن الفارق بين حضور شكلي ومشاركة حقيقية لا تحدده الدعوات أو المقاعد، بل مساحة الحوار التي يحصل عليها المشاركون ومدى الاستفادة من آرائهم.
اقرأ المزيد
الديون والضرائب وتراجع الجنيه.. من يتحمل كلفة السياسات الاقتصادية في مصر؟
السيسي يحسم موقفه من الرحيل في 2030: «الدستور المصري لن يُمس»
هل يُطبَّق القانون في مصر بالمعايير نفسها على المواطنين وأصحاب النفوذ؟
واشنطن تفرج عن 320 مليون دولار لمصر بعد إعفاء حقوقي.. عندما تتقدم اعتبارات الأمن القومي

