وطن-فرضت القوات الإسرائيلية طوقًا عسكريًا مشددًا على مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، وأغلقت مداخل وطرقًا رئيسية فيها، بالتزامن مع عملية عسكرية واسعة أعقبت هجومًا مسلحًا قرب حاجز فرش الهوى، أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، وفق الجيش الإسرائيلي.
وقال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن نحو 2200 فلسطيني أُجبروا على مغادرة منازلهم في أحياء دير بحة والجلدة ومناطق مجاورة، محذرًا من أن المدينة تواجه وضعًا إنسانيًا بالغ الخطورة، خصوصًا مع عدم تحديد موعد لعودة العائلات التي أُخليت من منازلها.
ووفق ما نقلته صحيفة «ميدل إيست آي»، وصف الجعبري الخليل بأنها «منطقة منكوبة»، وقال إن الإغلاق العسكري يمنع السكان من الدخول إلى المدينة أو مغادرتها، معتبرًا أن الإجراءات الإسرائيلية تمثل عقابًا جماعيًا بحق الفلسطينيين.
وتختلف تقديرات أعداد المهجّرين بحسب المصادر؛ إذ تحدثت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» عن نحو 1500 شخص حتى 24 أكتوبر، بينما قدّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عدد الذين أُخرجوا من منازلهم بنحو 2000 شخص. ويعكس ذلك اتساع العملية وتغير حصيلتها مع استمرار الإخلاءات.
2200 فلسطيني خارج منازلهم.. وعائلات لا تعرف موعد العودة
بدأت عمليات الإخلاء عقب الهجوم الذي وقع صباح الجمعة 23 أكتوبر قرب حاجز فرش الهوى، غربي الخليل. وقال الجيش الإسرائيلي إن فلسطينيين اثنين فتحا النار على قواته، ما أدى إلى مقتل جنديين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل أن تقتلهما القوات الإسرائيلية خلال تبادل إطلاق النار.
وعقب الهجوم، أطلقت القوات الإسرائيلية عملية عسكرية شملت أحياء الجلدة ودير بحة وعين دير بحة ومناطق قريبة من موقع الاشتباك، وقالت إنها تستهدف العثور على أسلحة وملاحقة أشخاص تشتبه في ارتباطهم بالهجوم.
لكن سكانًا نقلت عنهم «ميدل إيست آي» قالوا إن عمليات الإخلاء شملت عائلات لا صلة لها بالحادث، وإن الجنود أجبروهم على مغادرة المنازل تحت تهديد السلاح، ومنحوهم دقائق قليلة لجمع ما يمكن حمله من أغراض.
وذكر سكان أن الجنود استخدموا مكبرات الصوت لإصدار أوامر بالإخلاء، قبل اقتحام بعض المباني وتفتيشها. كما تحدثوا عن منعهم من اصطحاب كثير من الممتلكات، وسط مخاوف من تعرض المنازل للتخريب أو الهدم خلال غياب أصحابها.
وتتعلق إحدى أبرز المخاوف بعدم وجود جدول زمني واضح للعودة. فقد نقلت الصحيفة عن سكان أن القوات الإسرائيلية أبلغت بعض العائلات بأن الإخلاء سيستمر «حتى إشعار آخر»، فيما أفادت تقارير بأن وزير الدفاع الإسرائيلي ربط السماح بالعودة بإنهاء ما وصفه بالبنية العسكرية لحماس في المنطقة، من دون تحديد موعد لذلك.
330 دونمًا ونحو 490 وحدة سكنية تحت ضغط العملية
قال رئيس بلدية الخليل إن المنطقة المتضررة تمتد على نحو 330 دونمًا، وتضم أكثر من 490 وحدة سكنية، محذرًا من أن اتساع نطاق العمليات يهدد عددًا أكبر من العائلات بفقدان منازلها.
وفي تقدير نشرته «وفا»، تحدثت السلطات المحلية عن مساحة تقارب 350 دونمًا، أي 35 هكتارًا، تضم نحو 495 وحدة سكنية ويقطنها قرابة 2500 شخص. وتوضح الفروق بين الأرقام أن هذه التقديرات مرتبطة بالحدود التي شملتها عمليات الإخلاء أو التي يُخشى أن تشملها، وليست جميعها حصيلة نهائية للمنازل المهدمة أو السكان الذين غادروا بالفعل.
وبالتوازي مع إخلاء السكان، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم طالت مباني سكنية ومحال تجارية ومنشآت صناعية في منطقة فرش الهوى. وأفادت مصادر فلسطينية بأن الهدم شمل مبنى سكنيًا مكونًا من ثلاث شقق، إلى جانب منشآت أخرى، بينما قال الجيش الإسرائيلي إن عملياته تستهدف بنى يشتبه في ارتباطها بنشاط مسلح.
وتحدث سكان عن محاولات لإخراج البضائع والمعدات من المصانع والمتاجر قبل هدمها، فيما أظهرت صور ومقاطع مصورة من المنطقة مباني متضررة وأبوابًا ونوافذ تركت مفتوحة بعد إخلائها.
ويرى مسؤولون فلسطينيون أن توسيع الإخلاء والهدم إلى مناطق سكنية وتجارية يرفع تكلفة العملية على المدنيين، لا سيما أن كثيرًا من الأسر تعتمد على هذه المنشآت في معيشتها، وأن فقدان المسكن ومصدر الدخل في الوقت نفسه يزيد صعوبة العودة والاستقرار.
اعتقالات وإغلاق طرق في الخليل ومحيطها
امتدت العملية العسكرية إلى إغلاق مداخل المدينة وطرق رئيسية تربطها بالقرى والبلدات المجاورة، كما أُغلقت طرق في جنوب محافظة الخليل ومداخل مخيم العروب، وفق تقارير فلسطينية.
وقالت وكالة «وفا» إن القوات الإسرائيلية اعتقلت ما لا يقل عن 13 فلسطينيًا في المدينة ضمن الحملة، فيما تحدثت جمعية نادي الأسير الفلسطيني عن نحو 70 اعتقالًا خلال يومي الجمعة والسبت في مناطق مختلفة من الضفة الغربية. ويشمل الرقم الأخير عمليات في نطاق أوسع من الخليل، ولا يقتصر على المدينة وحدها.
وأفاد سكان بأن عشرات الأشخاص احتُجزوا لساعات وخضعوا لاستجوابات ميدانية، بينما نُفذت عمليات تفتيش في المنازل. ولم تتضح بصورة مستقلة جميع أسباب الاعتقالات أو عدد الذين أُفرج عنهم لاحقًا.
وتسببت القيود في تعطيل حركة السكان والوصول إلى العمل والخدمات الصحية والتعليمية. ونقلت وكالة «رويترز» عن أحد سكان المنطقة أن الإغلاق منعه من اصطحاب ابنته إلى القدس لتلقي علاج السرطان، ما يبرز الآثار المباشرة للقيود العسكرية على المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية خارج مناطق إقامتهم.
بلدية الخليل تعلن الطوارئ وتفتح مراكز إيواء
في مواجهة موجة الإخلاء، أعلنت بلدية الخليل تفعيل خطة طوارئ لتوفير مأوى مؤقت للعائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، وخصصت خطًا لاستقبال طلبات المساعدة والاحتياجات العاجلة.
وقال الجعبري إن البلدية تعمل بالتنسيق مع مؤسسات محلية وعائلات في المدينة لتوفير أماكن إقامة للمتضررين، وإن بعض الأسر لجأت إلى منازل أقاربها، بينما استقبلت مراكز مجتمعية ومنشآت محلية عائلات أخرى.
وأفادت تقارير بأن مركز إسعاد الطفولة والمركز الكوري وعددًا من المضافات العائلية استُخدمت لاستقبال بعض المهجّرين، في وقت حذر فيه مسؤولون محليون من محدودية القدرة الاستيعابية إذا ارتفع عدد الأسر التي ستُجبر على الإخلاء.
وتواجه العائلات التي تضم أطفالًا وكبار سن ومرضى احتياجات أكثر إلحاحًا، بسبب اضطرارها إلى مغادرة المنزل بسرعة ومن دون جمع الأدوية أو الملابس أو الأغراض الأساسية. كما أن غياب موعد واضح للعودة يجعل التخطيط للإقامة المؤقتة أكثر صعوبة، خصوصًا للعائلات التي تعتمد على دخل يومي أو تدير متاجر وورشًا داخل المناطق المغلقة.
إغلاق المسجد الإبراهيمي وطرد موظفيه وسدنته
وفي تطور آخر، أغلقت القوات الإسرائيلية المسجد الإبراهيمي في الخليل يوم الجمعة 23 أكتوبر، ومنعت المصلين المسلمين من دخوله، كما أخرجت موظفيه وسدنته التابعين لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، بحسب ما أعلنته الوزارة ووكالة «وفا».
وندّدت الوزارة بالإجراء، ووصفته بأنه انتهاك لحرمة المقدسات الإسلامية وحرية العبادة، مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات المعنية بالتراث وحقوق الإنسان بالتحرك لضمان إعادة فتح المسجد أمام المصلين.
وتقع ضمن البلدة القديمة في الخليل، التي أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو» على قائمة التراث العالمي وقائمة التراث العالمي المهدد بالخطر عام 2017، مجموعة من المواقع التاريخية والدينية المهمة، وفي مقدمتها الحرم الإبراهيمي.
ويأتي الإغلاق في سياق قيود متكررة شهدها المسجد خلال الأشهر الماضية، شملت منع المصلين من دخوله في مناسبات وفترات مختلفة، وتشديد الإجراءات العسكرية حوله. وتثير هذه الإجراءات مخاوف فلسطينية من أن يؤدي استمرار الإغلاق وتقييد الوصول إلى الموقع إلى تغيير ترتيبات الوصول والإدارة الدينية، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر في المدينة.
اتهامات باستغلال العملية لأهداف انتخابية
اتهم الجعبري وزراء من اليمين الإسرائيلي باستغلال أحداث الخليل لتقديم صورة متشددة أمام الناخبين، مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026.
وقال رئيس البلدية، وفق ما نقلته «ميدل إيست آي»، إن توقيت العملية يثير الشكوك بشأن دوافع سياسية، وإن بعض المسؤولين يحاولون استخدام المدينة والمسجد الإبراهيمي والسكان ومنازلهم في حملات انتخابية.
وجاءت تصريحاته بعد تهديدات من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتوسيع العملية العسكرية، وحديث وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن منع السكان من العودة إلى منازلهم حتى تنتهي القوات من معالجة ما وصفه بالبنية العسكرية لحماس في الخليل.
لكن الربط بين القرارات العسكرية والحسابات الانتخابية يظل اتهامًا صادرًا عن مسؤولين فلسطينيين وتفسيرًا سياسيًا للتطورات، وليس حقيقة مثبتة بصورة مستقلة. وفي المقابل، تقول إسرائيل إن العملية تأتي في إطار ملاحقة المسلحين ومنع هجمات جديدة عقب مقتل جنديين.
الخليل بين الطوق العسكري ومخاوف التهجير الممتد
تضع التطورات الأخيرة مدينة الخليل أمام أزمة تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، إذ يتزامن الإغلاق مع تهجير عائلات وهدم منشآت واعتقالات وإغلاق موقع ديني وتاريخي مهم.
وتختلف تقديرات أعداد المهجّرين بين المصادر الفلسطينية والإسرائيلية، لكنّها تتفق على أن مئات العائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها، وأن العملية لم تنته عند مرحلة الإخلاء الأولى. كما لا يزال موعد عودة السكان غير واضح، مع استمرار القيود العسكرية وتباين التصريحات بشأن شروط السماح لهم بالعودة.
وفي الوقت الذي تقول فيه إسرائيل إن أهدافها أمنية، تحذر السلطات الفلسطينية والبلدية من أن استمرار إبعاد السكان عن منازلهم وتدمير المنشآت قد يحول النزوح المؤقت إلى أزمة أطول أمدًا، لا سيما إذا توسعت العملية إلى مناطق إضافية.
وتبقى الأسئلة الأكثر إلحاحًا مرتبطة بموعد إنهاء الإغلاق، وضمان عودة العائلات إلى منازلها، وحماية المسجد الإبراهيمي وحرية الوصول إليه، وتأمين احتياجات الأسر التي فقدت مساكنها أو مصادر دخلها. وحتى صدور ترتيبات واضحة بشأن هذه القضايا، ستظل الخليل أمام وضع إنساني وأمني بالغ الهشاشة.
اقرأ المزيد
بعد هجوم الخليل.. إغلاق الحرم الإبراهيمي وتهديدات بتفكيك السلطة الفلسطينية
مأساة خلال جنازة في الكرك.. قتلى وجرحى وتحقيقات أمنية في الأردن
نتنياهو يفرض إغلاقاً شاملاً لأجل غير مسمى على الضفة الغربية المحتلة عقب هجوم استهدف إسرائيليين
تهجير آلاف الفلسطينيين في الخليل.. إسرائيل تمنع عائلات من العودة بعد هجوم فرش الهوى

