وطن-دخلت مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة مرحلة جديدة من التصعيد، عقب هجوم مسلح قرب حاجز عسكري إسرائيلي أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، وفق حصيلة نقلتها وكالة «أسوشيتد برس». وسرعان ما انتقلت تداعيات الهجوم من الميدان إلى المستوى السياسي، مع إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستعداد لعملية عسكرية واسعة، وإصدار أوامر بتطويق الخليل والتحضير لإغلاق شامل للضفة الغربية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، فتح فلسطينيان النار قرب تقاطع يهودا، شمالي الخليل، في وقت مبكر من يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، قبل أن يندلع اشتباك مسلح استمر نحو 20 دقيقة. وقتلت القوات الإسرائيلية المهاجمين خلال تبادل إطلاق النار، فيما تحدثت السلطات الإسرائيلية عن إصابة ثلاثة أشخاص آخرين.
وأفادت تقارير إسرائيلية بأن المهاجمين من مدينة الخليل وينتميان إلى عائلة واحدة. وقال الجيش الإسرائيلي إنه يعتقد أن العملية كانت تستهدف تنفيذ هجوم أوسع، لكن هذه الرواية تستند إلى التقييم الأولي للجيش ولم يتسنَّ التحقق المستقل من جميع تفاصيلها.
نتنياهو يهدد بتدمير الحي وإخلاء سكانه
عقب الهجوم، أعلن نتنياهو فرض طوق أمني على الخليل، وأمر الأجهزة الأمنية بالاستعداد لإغلاق أوسع في الضفة الغربية المحتلة. كما زار المدينة برفقة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وتحدث في مقطع مصور عن خطة لتوسيع العمليات العسكرية في المنطقة.
وتوعد نتنياهو بتدمير الحي الذي ينتمي إليه المهاجمان وتغيير معالمه، معلنًا عزمه على إخلاء السكان وتنفيذ عمليات تفتيش من منزل إلى آخر ومصادرة الأسلحة، فضلًا عن استهداف ما وصفه بالبنية التحتية المسلحة.
وأشار رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى أنه يريد تطبيق النموذج العسكري الذي استخدمه الجيش في مخيمات اللاجئين شمالي الضفة الغربية، حيث أُخليت مخيمات وتعرضت مناطق سكنية لعمليات عسكرية واسعة منذ يناير 2025.
ووفقًا للأمم المتحدة، أدت العمليات الإسرائيلية التي بدأت في شمال الضفة الغربية في يناير 2025 إلى نزوح نحو 40 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات ومناطق محيطة بها، خصوصًا في جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة. ويثير تلويح نتنياهو بتكرار هذا النموذج في الخليل مخاوف من اتساع نطاق الإخلاء القسري وتفاقم أزمة النزوح في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ولم يقتصر التصعيد على التهديدات. فقد أفادت تقارير صحفية بأن جرافات إسرائيلية بدأت هدم مبانٍ فلسطينية قرب موقع الهجوم، فيما قال سكان إن بعض العقارات المستهدفة لا ترتبط بالمنفذين. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع عمليات تفتيش واعتقالات وإغلاق طرق ومداخل في محافظة الخليل.
إغلاق الخليل واعتقالات واقتحامات في دورا
أعلن الجيش الإسرائيلي تطويق الخليل وبدء عمليات عسكرية وصفها بأنها تهدف إلى ملاحقة المسلحين ومنع هجمات جديدة. كما أغلقت القوات الإسرائيلية مداخل ومخارج في المحافظة، وقيّدت حركة الفلسطينيين بين عدد من البلدات والمناطق.
وفي بلدة دورا، جنوب غربي الخليل، أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن القوات الإسرائيلية اقتحمت البلدة وأقامت حاجزًا عسكريًا في مركزها، قبل أن تطلق النار على مركبة، ما أدى إلى إصابة سائقها بجروح خطيرة في الصدر.
كما تحدثت تقارير فلسطينية عن اعتقال فلسطينيين ومداهمة منازل في مناطق مختلفة من المحافظة، ضمن الإجراءات التي أعقبت الهجوم. وتعني هذه القيود أن تداعيات العملية لا تقتصر على موقع الاشتباك، بل تمتد إلى حركة السكان اليومية والوصول إلى الخدمات والمناطق المحيطة.
وفي الوقت الذي قالت فيه السلطات الإسرائيلية إن التدابير تهدف إلى منع هجمات جديدة، تثير عمليات الإغلاق الواسعة مخاوف فلسطينية من أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى قيود جماعية تطال سكان المحافظة، بمن فيهم من لا صلة لهم بالهجوم.
الحرم الإبراهيمي مغلق أمام المصلين
وامتدت الإجراءات الإسرائيلية إلى أحد أبرز المواقع الدينية والتاريخية في الخليل، بعدما أغلقت القوات الإسرائيلية الحرم الإبراهيمي ومنعت المصلين المسلمين من دخوله، وأخرجت موظفين وسدنة تابعين لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، بحسب ما أفادت به الوزارة ووكالة «وفا».
ووصفت وزارة الأوقاف الإجراء بأنه انتهاك لحرمة المقدسات الإسلامية وحرية العبادة، محذرة من تداعيات استمرار القيود المفروضة على المسجد وإدارته الدينية.
ويكتسب الحرم الإبراهيمي أهمية دينية وتاريخية خاصة، كما أن البلدة القديمة في الخليل مدرجة منذ عام 2017 على قائمة التراث العالمي وقائمة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونسكو».
وكان الموقع قد شهد خلال السنوات الماضية قيودًا متكررة على دخول المصلين المسلمين وأداء الشعائر، فضلًا عن خلافات بشأن الإدارة والوصول إلى أجزاء من الحرم. ويزيد إغلاقه عقب الهجوم المخاوف من استخدام التطورات الأمنية لتوسيع الإجراءات المفروضة على الموقع، في وقت لم تُعلن فيه مدة الإغلاق بصورة نهائية.
بن غفير وسموتريتش يطالبان بتفكيك السلطة الفلسطينية
سرعان ما تحوّل الهجوم إلى محور سجال سياسي داخل الحكومة الإسرائيلية، إذ جدد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير دعوته إلى تفكيك السلطة الفلسطينية وتجريدها من صلاحياتها الأمنية.
وقال بن غفير إن الهجوم، من وجهة نظره، يثبت ضرورة اتخاذ إجراءات أشد ضد السلطة الفلسطينية، بما في ذلك الحد من حرية حركة الفلسطينيين وإزالة ما وصفه بالبنية التحتية المسلحة. لكن لم تُعلن أدلة تربط السلطة الفلسطينية مباشرة بالعملية.
من جانبه، دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى شن حملة عسكرية واسعة في الضفة الغربية، مستخدمًا التسمية الإسرائيلية «يهودا والسامرة». وطالب بتفكيك السلطة الفلسطينية وجمع السلاح وملاحقة المسلحين، معتبرًا أن العمليات ينبغي أن تحاكي ما نفذته إسرائيل في غزة ولبنان.
وتعكس هذه التصريحات توجهًا لدى شخصيات يمينية في الحكومة لاستثمار الهجوم للدفع نحو تغيير أوسع في السياسة الإسرائيلية بالضفة الغربية، يتجاوز الرد الأمني المباشر إلى إعادة تشكيل الوضع السياسي والأمني في المنطقة.
وفي المقابل، لا يعني صدور هذه الدعوات أنها تحولت إلى قرار حكومي شامل. فالدعوة إلى تفكيك السلطة الفلسطينية أو إطلاق حملة عسكرية واسعة تظل موقفًا سياسيًا معلنًا، بينما يتوقف تنفيذها على القرارات الرسمية والتطورات الميدانية.
تصعيد قبل الانتخابات الإسرائيلية
تأتي المواجهة في توقيت حساس، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026. وقد أعاد الهجوم الأمن إلى صدارة النقاش السياسي، في وقت تتنافس فيه القوى الإسرائيلية بشأن سبل التعامل مع الضفة الغربية والتهديدات الأمنية.
واعتبر نتنياهو أن الرد العسكري الواسع ضروري لمنع هجمات أخرى، بينما استغل وزراء يمينيون الحادث للدعوة إلى إجراءات أشد ضد الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية. وفي المقابل، يطرح توسيع الإغلاق والعمليات العسكرية مخاوف بشأن انعكاساتهما على المدنيين، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على الحركة وإمكانية تنفيذ عمليات هدم وإخلاء إضافية.
وبينما لم تتضح بعد المدة التي ستستمر فيها الإجراءات المفروضة على الخليل أو نطاق الإغلاق المحتمل في بقية الضفة الغربية، تبدو المدينة أمام مرحلة جديدة من التوتر الميداني والسياسي.
ويظل السؤال الأساسي مرتبطًا بمدى اقتصار الرد الإسرائيلي على ملاحقة منفذي الهجوم، أو تحوله إلى عملية أوسع تطال أحياء سكنية ومناطق أخرى، وتزيد الضغوط على السكان الفلسطينيين وتعمّق الأزمة المحيطة بمستقبل السلطة الفلسطينية والوضع الأمني في الضفة الغربية المحتلة.
اقرأ المزيد
الضفة الغربية تشهد تصعيداً خطيراً: نحو 20 اعتداءً للمستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في يوم واحد
مستوطنون إسرائيليون يحرقون منازل وسيارات فلسطينية في هجمات بالضفة الغربية
تحت رشق الحجارة وحماية الجيش.. مستوطنو “سانور” يطاردون الجثامين الفلسطينية في جنين

