وطن-انتهت جولة المحادثات العسكرية بين لبنان وإسرائيل، التي استضافتها الولايات المتحدة في مدينة تامبا بولاية فلوريدا يومي 20 و21 أكتوبر 2026، من دون تحقيق اختراق يمهد لتوسيع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أو وقف الهجمات المتواصلة، في ظل خلافات بشأن آلية مراقبة الترتيبات الأمنية ودور الجيش اللبناني ومستقبل سلاح حزب الله.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، نقلًا عن مصادر عسكرية لبنانية، لم تسفر الاجتماعات التي عُقدت في مقر القيادة المركزية الأميركية بقاعدة ماكديل الجوية عن تقدم ملموس، فيما لم يُحدد موعد لجولة تفاوضية جديدة حتى يوم الخميس 22 أكتوبر. وتتركز الخلافات على إصرار إسرائيل على نزع سلاح حزب الله قبل توسيع الانسحاب، مقابل تمسك بيروت بانسحاب إسرائيلي أوسع ووقف العمليات العسكرية، مع إخضاع تنفيذ الالتزامات لآلية تحقق مستقلة.
وتأتي هذه الجولة في وقت تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية وعمليات هدم المنازل والتوغلات في جنوب لبنان، ما يزيد المخاوف من أن يبقى الاتفاق الثلاثي الذي رعته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يونيو الماضي إطارًا سياسيًا من دون تنفيذ فعلي على الأرض.
خلاف على آلية المراقبة والتنسيق العسكري
كانت المحادثات في تامبا مخصصة للمسار العسكري والتقني، بهدف متابعة تنفيذ الإطار الثلاثي الذي وقعته الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل في واشنطن يوم 26 يونيو 2026. ولم تكن الجولة مفاوضات سلام شاملة، بل ركزت على ترتيبات أمنية ميدانية، ومناطق تجريبية يُفترض أن تتولى القوات اللبنانية المسؤولية الأمنية فيها بعد انسحاب القوات الإسرائيلية.
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في مطالبة إسرائيل بتنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بشأن العمليات الميدانية ومراقبة تنفيذ الالتزامات. لكن بيروت ترفض هذا الخيار، وتتمسك باستمرار الوساطة الأميركية ووجود طرف ثالث يتولى التحقق من الالتزامات المتبادلة.
وبرى الجانب اللبناني أن السماح بتنسيق عسكري مباشر مع إسرائيل يتجاوز نطاق الترتيبات الأمنية المطلوبة، وقد يفتح الباب أمام صيغة تعاون لا تقبلها بيروت سياسيًا. لذلك، يفضل لبنان آلية مستقلة يمكن أن تشارك فيها الولايات المتحدة وفرنسا وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل».
وفي المقابل، تقول إسرائيل إن الجيش اللبناني لم ينجح في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله بالمناطق المحددة، وتطالب بإثبات قدرته على ضبط السلاح ومنع إعادة بناء المواقع العسكرية قبل الانسحاب من مناطق إضافية.
وأفادت مصادر لبنانية بأن الخلاف بشأن الجهة التي ستراقب التنفيذ وكيفية التأكد من التزام الطرفين كان من أبرز العوائق أمام تحقيق تقدم. كما لم تتفق الأطراف على توسيع نطاق المناطق التجريبية أو تحديد جدول زمني واضح للخطوات التالية.
اتفاق يونيو يتعثر على الأرض
وقع لبنان وإسرائيل الإطار الثلاثي برعاية الولايات المتحدة في 26 يونيو، بعد جولات تفاوضية استضافتها واشنطن وروما. وقدمت إدارة ترامب الاتفاق بوصفه خطوة أولى نحو إنهاء الصراع، واستعادة سيادة لبنان على أراضيه، وتوفير ترتيبات أمنية تسمح بانسحاب القوات الإسرائيلية.
وينص الإطار على إنشاء مسارات عمل مشتركة بوساطة أميركية، بينها مجموعة للتنسيق العسكري تتولى متابعة تنفيذ التفاهمات. كما يتضمن التزامات مرتبطة بنزع سلاح حزب الله، والانسحاب الإسرائيلي من المناطق المحددة، وتوسيع سلطة الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الأمنية.
لكن الاتفاق لا يمثل تسوية سلام نهائية، ولا يعني أن جميع بنوده دخلت حيز التنفيذ. فمنذ توقيعه، استمرت الخلافات بشأن ترتيب الخطوات المتبادلة، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تولي المسؤوليات الأمنية، وشروط الانسحاب الإسرائيلي.
وقالت الصحيفة إن إسرائيل لم توافق على توسيع المناطق التجريبية التي أُعلن عنها في يوليو، وتتمسك بربط الانسحاب بتقدم ملموس في ملف سلاح حزب الله. أما لبنان فيرى أن استمرار الهجمات والتوغلات الإسرائيلية يقوض فرص تنفيذ الاتفاق، ويجعل مطالبة بيروت باتخاذ خطوات أحادية أمرًا غير مقبول.
ويكشف هذا التعثر عن فجوة بين الهدف المعلن للاتفاق والواقع الميداني؛ فبينما تسعى واشنطن إلى تقديم الإطار باعتباره مسارًا تدريجيًا نحو الاستقرار، لم تتوفر حتى الآن آلية متفق عليها تضمن التزام الطرفين بخطوات متزامنة وقابلة للتحقق.
لبنان يطالب بوقف الهجمات وانسحاب القوات الإسرائيلية
وضع الوفد اللبناني خلال المحادثات عدة مطالب في مقدمتها وقف الغارات والعمليات البرية وعمليات هدم المنازل، والانسحاب من الأراضي اللبنانية التي ما زالت القوات الإسرائيلية تسيطر عليها، إلى جانب الإفراج عن المحتجزين وإتاحة عودة السكان النازحين إلى بلداتهم وقراهم.
كما شددت بيروت على ضرورة السماح للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم في المناطق الحدودية، خصوصًا خلال موسم قطف الزيتون، في ظل القيود الأمنية والتهديدات التي يواجهها السكان في المناطق الجنوبية.
وتقول السلطات اللبنانية إن استمرار العمليات الإسرائيلية لا يهدد السكان فحسب، بل يعطل أيضًا إعادة الإعمار ويمنع عودة الحياة الاقتصادية إلى المناطق المتضررة. كما تضع بيروت ملف عودة النازحين في صلب أي تسوية، معتبرة أن استعادة الهدوء لا يمكن أن تتحقق من دون ضمانات تسمح للسكان بالعودة الآمنة والمستدامة.
في المقابل، تصر إسرائيل على أن وجود قواتها في مناطق من جنوب لبنان مرتبط بما تصفه بضرورة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية قرب الحدود. وأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب ما لم تقتنع بأن التهديدات العسكرية في المنطقة قد أُزيلت، وهو موقف يجعل ملف الانسحاب مرتبطًا مباشرة بالخلاف حول نزع السلاح.
وبذلك، لا يتعلق النزاع فقط بموعد الانسحاب، بل أيضًا بترتيب الالتزامات: هل تنسحب إسرائيل أولًا من مناطق محددة بما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار، أم يتعين على الجيش إثبات تفكيك البنية العسكرية لحزب الله قبل تنفيذ أي انسحاب إضافي؟ لم تقدم محادثات تامبا إجابة متفقًا عليها عن هذا السؤال.
الضربات الإسرائيلية تتواصل بالتزامن مع المفاوضات
تزامن تعثر المحادثات مع استمرار العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان. وبحسب تقارير لبنانية، شهد يوم الخميس 22 أكتوبر تفجيرات في بلدتي الطلوسة وبني حيان، وغارات جوية على أطراف قنطرة وكفر تبنيت، فضلًا عن تحركات عسكرية وقصف مدفعي في مناطق جنوبية أخرى.
وتقول إسرائيل إنها تستهدف مواقع عسكرية ومستودعات أسلحة تابعة لحزب الله، وتبرر استمرار عملياتها بمنع الحزب من استعادة قدراته على الحدود. لكن السلطات اللبنانية ومصادر محلية تتهم إسرائيل بخرق التفاهمات واستهداف مناطق مأهولة وتدمير منازل وبنى تحتية.
ويضع استمرار الضربات المسار التفاوضي أمام معضلة إضافية: فلبنان يطالب بوقف العمليات بوصفه شرطًا ضروريًا لإعادة نشر الجيش واستعادة الحياة في الجنوب، بينما تربط إسرائيل وقف عملياتها بمدى تنفيذ الالتزامات الأمنية المتعلقة بحزب الله.
ومن شأن استمرار هذا الوضع أن يضعف الثقة بين الطرفين ويزيد المخاطر على المدنيين، خصوصًا أن كثيرًا من السكان لا يستطيعون العودة بصورة مستقرة إلى مناطقهم، حتى عندما تخف حدة المواجهات مؤقتًا.
حزب الله خارج المفاوضات.. وسلاحه العقدة الأساسية
لا يشارك حزب الله في المحادثات الرسمية بين لبنان وإسرائيل، لكنه يظل أحد الأطراف الرئيسية في الأزمة، بسبب قدراته العسكرية ودوره في الصراع على الحدود الجنوبية. ويعارض الحزب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ويرفض نزع سلاحه في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية واحتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية. ويربط موقفه بما يصفه بضرورة الدفاع عن لبنان وردع الهجمات، بينما ترى إسرائيل أن وجود سلاح مستقل عن الدولة اللبنانية يمنع تحقيق الأمن على حدودها الشمالية.
وتحاول الحكومة اللبنانية توسيع سلطة الدولة وتثبيت دور الجيش باعتباره الجهة المسؤولة عن الأمن، لكن هذه المهمة تواجه خلافات داخلية بشأن كيفية التعامل مع سلاح حزب الله، فضلًا عن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب.وتثير هذه المعادلة مخاوف من أن يتحول تنفيذ الاتفاق إلى اختبار داخلي صعب للدولة اللبنانية، إذا طُلب منها نزع سلاح الحزب من دون أن تحصل في المقابل على انسحاب إسرائيلي واضح وضمانات أمنية قابلة للتحقق.
وفي هذا السياق، لا تزال أي ترتيبات تتعلق بنزع السلاح أو بانتشار الجيش اللبناني بحاجة إلى توافق داخلي وآليات تنفيذية واضحة، وليس فقط إلى تفاهمات بين واشنطن وتل أبيب وبيروت.
الدعم الأميركي والمساعدات لا يحسمان الخلاف
أعلنت الولايات المتحدة عند توقيع إطار يونيو أنها ستخصص 100 مليون دولار مساعدات إنسانية بالتنسيق مع الأمم المتحدة، كما أعلنت استعداد وزارة الدفاع الأميركية لتعويض الجيش اللبناني بأكثر من 30 مليون دولار، ضمن الاعتمادات والسلطات القائمة، لدعم قدراته على بسط سلطة الدولة اللبنانية.
ويؤكد هذا الدعم أهمية الدور الأميركي في محاولة دفع الاتفاق إلى التنفيذ، لكنه لا يضمن وحده تجاوب الطرفين مع المطالب المتعارضة. فالمشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بتمويل الجيش أو توفير المساعدات، بل بتحديد من يراقب التنفيذ، وما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح سيجريان بصورة متبادلة، ومن يملك سلطة الحكم على التزام كل طرف.
كما أن المساعدات الإنسانية والتمويل العسكري مساران مختلفان في أهدافهما؛ فالأول يهدف إلى دعم السكان المتضررين، بينما يستهدف الثاني تعزيز قدرات الجيش اللبناني. ولا يعني الإعلان عن التمويل أن الأموال صُرفت بالكامل أو أن ترتيبات الانسحاب أصبحت قابلة للتطبيق.
وتحاول واشنطن الحفاظ على المفاوضات باعتبارها المسار الرئيسي المتاح لخفض التوتر، لكن عدم التوصل إلى آلية مراقبة مشتركة يهدد بإبقاء الاتفاق في دائرة التعهدات السياسية، من دون خطوات ميدانية كافية لتغيير الوضع في الجنوب.
أزمة النزوح تعمّق الضغط على بيروت
تحمل المفاوضات أهمية إنسانية كبيرة في ظل آثار الحرب التي اتسعت منذ مارس 2026. ووفق المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين داخليًا في لبنان 1.2 مليون شخص في ذروة النزوح خلال أبريل، قبل أن تبدأ عودة أعداد كبيرة إلى مناطقهم بعد إعلان وقف إطلاق النار في يونيو.
وبحلول 29 سبتمبر، سجّلت المنظمة نحو 329,686 نازحًا داخليًا ما زالوا خارج مناطقهم، فيما بدأ 877,203 أشخاص العودة إلى مجتمعاتهم الأصلية. ولا تعني العودة بالضرورة استقرارًا دائمًا، إذ لا تزال الغارات وعمليات الهدم والأضرار التي لحقت بالمنازل والخدمات الأساسية تعيق عودة السكان بصورة آمنة ومستدامة.
وتظهر هذه الأرقام أن وصف الوضع الحالي بأنه يضم مليون نازح لا يعكس أحدث الإحصاءات المتاحة، رغم أن عدد الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم خلال ذروة الأزمة تجاوز هذا الرقم بكثير.
وفي ظل غياب جدول زمني للانسحاب وتوقف الهجمات، يبقى كثير من السكان في وضع غير مستقر، بين الإقامة المؤقتة ومحاولات العودة إلى منازل متضررة أو مناطق لا يزال الوصول إليها مقيدًا.
الانتخابات الإسرائيلية تضيق هامش التقدم
جاءت محادثات تامبا قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، وهو عامل قد يؤخر القرارات السياسية الأكثر حساسية إلى ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة. وتوقعت مصادر لبنانية أن يكون التقدم محدودًا قبل الانتخابات، لأن مستقبل الحكومة الإسرائيلية قد يؤثر في طبيعة القرارات المتعلقة بالانسحاب والأمن والعلاقة مع لبنان. كما أن أي تفاهم يتطلب تنازلات أمنية أو سياسية قد يصبح أكثر تعقيدًا في فترة الحملة الانتخابية.
وفي ظل هذه الظروف، يبدو استمرار المحادثات بحد ذاته هدفًا أميركيًا ولبنانيًا لتجنب انهيار المسار الدبلوماسي بالكامل، حتى مع غياب اختراق ملموس. لكن الحفاظ على قنوات الاتصال لا يعوض غياب خطوات على الأرض تتيح عودة السكان ووقف الهجمات وتوسيع سلطة المؤسسات اللبنانية.
وهكذا، انتهت جولة تامبا بلا اتفاق جديد أو جدول زمني واضح للانسحاب، بينما ظلت الخلافات الرئيسية حول سلاح حزب الله، وآلية التحقق، ووقف العمليات الإسرائيلية قائمة. وبينما تحاول واشنطن منع انهيار إطار يونيو، يبقى مستقبل الجنوب اللبناني مرتبطًا بقدرة الأطراف على تحويل الالتزامات العامة إلى خطوات متبادلة يمكن مراقبتها والتحقق منها.
اقرأ المزيد
قانون المقاطعة في لبنان على طاولة المواجهة مع واشنطن.. ومفاوضات إسرائيل تزيد التعقيد
العراق ولبنان في الأمم المتحدة.. إصلاح اقتصادي في بغداد واستعادة للسيادة في بيروت
قصف إسرائيلي بالفوسفور الأبيض يستهدف بلدات في جنوب لبنان ودمار واسع في بيت الصياد

