وطن-أجبرت القوات الإسرائيلية مئات العائلات الفلسطينية على مغادرة منازلها في مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، بالتزامن مع عملية عسكرية واسعة أعقبت هجومًا مسلحًا قرب حاجز فرش الهوى، أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، وفق الجيش الإسرائيلي.
وتوسعت العملية منذ الجمعة 23 أكتوبر 2026، لتشمل إخلاء أحياء سكنية وإغلاق مداخل المدينة، إلى جانب هدم منازل ومحال ومنشآت تجارية، وسط مخاوف من تحول الإجراءات إلى تهجير ممتد يصعب على السكان الخروج من تداعياته الإنسانية.
وبحلول السبت، قالت السلطات الفلسطينية إن نحو 1500 شخص أُجبروا على مغادرة منازلهم في منطقتي الجلدة ودير بحة، فيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن عدد الذين أُخرجوا من منازلهم بلغ نحو 2000 شخص، مضيفًا أنهم لن يُسمح لهم بالعودة حتى تنتهي القوات من معالجة ما وصفه بـ«بنية حماس» في الخليل. وحذرت السلطات الفلسطينية من احتمال تهجير 2500 شخص إضافي إذا توسعت العملية.
خمس دقائق لمغادرة المنزل.. عائلات تخرج تحت تهديد السلاح
نقلت صحيفة «ميدل إيست آي» شهادات سكان قالوا إن القوات الإسرائيلية أمهلتهم دقائق معدودة لمغادرة منازلهم، دون توضيح موعد عودتهم أو السماح لهم بأخذ جميع ممتلكاتهم. وأفاد سكان بأن الجنود دخلوا الأحياء ليلًا، ووجّهوا إنذارات عبر مكبرات الصوت، ثم طلبوا من العائلات الخروج من المباني.
وفي شهادة نقلتها الصحيفة، قال عبد الحميد شحادة، أحد سكان حي الجلدة، إن قوات إسرائيلية اقتحمت المبنى الذي تقيم فيه عائلته صباح السبت، وأمرته بإبلاغ السكان، البالغ عددهم نحو 54 شخصًا، بضرورة المغادرة فورًا. وأضاف أن بينهم أطفالًا ووالدته المريضة البالغة 79 عامًا.
وقال شحادة إن الجنود منحوا السكان خمس دقائق فقط للخروج، وأمروهم بوضع أيديهم خلف رؤوسهم، ولم يسمحوا لهم بأخذ سوى حقائب صغيرة تضم بعض الأغراض الأساسية. وأشار إلى أن الأطفال كانوا يرتجفون ويبكون، بينما حاول أفراد العائلة جمع الأدوية والوثائق المهمة قبل مغادرة المنزل. ولا يزال كثير من السكان يجهلون موعد العودة. ووفق روايات نقلتها وسائل إعلام، أبلغ الجنود بعض العائلات بأن إخلاء منازلها سيستمر «حتى إشعار آخر»، فيما تحدث سكان آخرون عن مخاوف من منعهم من العودة لأشهر.
وتعكس هذه الشهادات اتساع أثر العملية على الحياة اليومية، إذ لم يقتصر الإخلاء على أسر يُشتبه بارتباطها بمنفذي الهجوم، بل شمل أيضًا عائلات تقول إنها لا علاقة لها بالحادث ولا تعرف سبب إبعادها عن منازلها.
أحياء كاملة تحت الإخلاء والإغلاق
تركزت عمليات الإخلاء في أحياء الجلدة ودير بحة وعين دير بحة ومناطق مجاورة قرب حاجز فرش الهوى، حيث تقول إسرائيل إن المهاجمين انطلقوا منها. وأعلنت القوات الإسرائيلية بدء عملية عسكرية قالت إنها تهدف إلى البحث عن أسلحة ومواقع مرتبطة بمسلحين، واستجواب أشخاص تشتبه في صلتهم بالهجوم.
وأفادت تقارير بأن الجيش أغلق مداخل الخليل وطرقًا رئيسية في محيطها، ونشر قواته عند الحواجز والمفترقات، ما قيّد حركة السكان بين المدينة والبلدات المجاورة. كما استخدمت القوات بوابات وحواجز لإغلاق الطرق أمام المركبات الفلسطينية، بينما سُمح للمشاة بالمغادرة عبر نقاط محددة بعد إجراء فحوص أمنية.
وأعلنت بلدية الخليل والمحافظة تفعيل إجراءات الطوارئ لإنشاء مراكز إيواء للعائلات التي أُجبرت على الخروج من منازلها. ولجأت بعض الأسر إلى منازل الأقارب، في حين استقبلت مراكز مجتمعية ومنشآت محلية عائلات أخرى، مع تحذيرات من أن الطاقة الاستيعابية المتاحة لن تكون كافية إذا توسعت عمليات الإخلاء.
وبحسب تقارير محلية، أدى إغلاق الطرق إلى تعطيل عدد من الخدمات البلدية والتعليمية. وأعلنت مديرية التربية والتعليم في الخليل تعليق الدراسة يومي الأحد والاثنين، فيما لجأت جامعة الخليل وجامعة القدس المفتوحة إلى تحويل بعض الدروس إلى التعليم عن بُعد. كما أشار مسؤولون محليون إلى تراكم النفايات بسبب تعذر وصول المركبات إلى مواقع التخلص منها خارج المدينة.
هدم منازل ومحال ومنشآت تجارية
بالتوازي مع الإخلاء، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم في مناطق قريبة من موقع الهجوم. وشملت المباني المتضررة منازل ومحال تجارية ومصانع وطرقًا، وفق روايات مسؤولين فلسطينيين وسكان نقلتها وكالات الأنباء.
وذكرت صحيفة «الغارديان» أن بلدية الخليل قدرت مساحة المنطقة التي طالتها عمليات الهدم أو وُضعت تحت تهديد الهدم بنحو 35 هكتارًا، بينما أظهرت صور ومقاطع مصورة من المنطقة مباني مدمرة ومنازل وُضعت عليها علامات سوداء بعد إخلائها، إضافة إلى مبنى سكني استُخدم، بحسب روايات محلية، مقرًا عسكريًا مؤقتًا.
وقال سكان إن بعض المنازل المتضررة لا ترتبط مباشرة بالمهاجمين، وإن أصحابها لم يتلقوا توضيحات كافية بشأن أسباب استهدافها أو موعد السماح لهم بالعودة. كما أفادت تقارير بأن جرافات إسرائيلية هدمت منشآت في محيط حاجز فرش الهوى، فيما قالت السلطات الإسرائيلية إن بعض عمليات الهدم تستهدف مباني أُقيمت من دون تراخيص أو تُعد، وفق تقديرها، مخاطر أمنية محتملة.
وتثير هذه الإجراءات مخاوف من أن يمتد أثر العملية إلى ما هو أبعد من تفتيش المنازل وملاحقة المشتبه بهم، خصوصًا مع تهديدات إسرائيلية بهدم مزيد من المباني، وعدم وجود جدول زمني واضح يسمح للسكان بالعودة إلى المناطق التي أُخلوا منها.
اعتقالات واسعة وتحقيقات ميدانية
لم تقتصر العملية على الإخلاء والهدم؛ إذ قالت جمعية نادي الأسير الفلسطيني إن القوات الإسرائيلية اعتقلت نحو 70 فلسطينيًا خلال يومي الجمعة والسبت في إطار المداهمات التي شهدتها مناطق مختلفة من الضفة الغربية، بما فيها الخليل.
وأفاد سكان بأن جنودًا أجروا عمليات تفتيش داخل المنازل، واحتجزوا أشخاصًا لساعات قبل إطلاق سراح بعضهم، فيما لا تزال تفاصيل جميع حالات الاعتقال وأسبابها غير واضحة.
وقال الجيش الإسرائيلي إن العملية تستهدف تحديد مواقع أسلحة وبنى تحتية مسلحة، وإن القوات تجري تفتيشات واستجوابات في المنطقة التي ينحدر منها منفذا الهجوم. وتقول السلطات الإسرائيلية إن المهاجمين قُتلا خلال تبادل إطلاق النار عقب الهجوم على الحاجز العسكري.
في المقابل، انتقدت السلطة الفلسطينية والبلدية الإجراءات الإسرائيلية، معتبرتين أن إخلاء السكان وهدم ممتلكاتهم وفرض الإغلاق على مناطق واسعة يمثل عقابًا جماعيًا يطال مدنيين لا صلة لهم بالهجوم. ولم تقدم السلطات الإسرائيلية، في التقارير المتاحة، أدلة تربط جميع المنازل والمباني المستهدفة بمنفذي الهجوم.
إسرائيل تربط عودة السكان بتفكيك ما تصفه ببنية حماس
في تصريح يعكس أن الإخلاء قد يستمر فترة غير محددة، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن نحو 2000 فلسطيني أُخرجوا من منازلهم في الخليل، وإنهم لن يُسمح لهم بالعودة حتى تنتهي القوات من معالجة ما وصفه بـ«بنية حماس» في المدينة.
وجاء التصريح بعد تأكيد الجيش الإسرائيلي أن العملية ستستمر عدة أيام، مع مواصلة البحث عن أسلحة ومشتبه بهم وتنفيذ عمليات هدم. ولم يحدد كاتس موعدًا نهائيًا لعودة السكان، كما لم يوضح ما المعايير التي ستستخدمها السلطات لتقرير انتهاء العملية والسماح للعائلات بالعودة.
ويزيد غياب جدول زمني واضح من القلق بين السكان، إذ يمكن أن تتحول الإقامة لدى الأقارب أو في المراكز المجتمعية من وضع طارئ إلى نزوح طويل الأمد، خصوصًا إذا دُمّرت المنازل أو تضررت البنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما يثير ربط العودة بتفكيك بنية مسلحة مزعومة تساؤلات بشأن المعايير التي ستُطبق على المدنيين الذين أُبعدوا عن منازلهم، ومدى التناسب بين الهدف الأمني المعلن وحجم الأثر على السكان.
هجوم فرش الهوى والتصعيد قبل الانتخابات الإسرائيلية
بدأت العملية الإسرائيلية بعد هجوم مسلح قرب حاجز فرش الهوى في الخليل، صباح الجمعة 23 أكتوبر. وقال الجيش الإسرائيلي إن فلسطينيين اثنين فتحا النار على القوات، ما أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، قبل مقتل المهاجمين خلال تبادل إطلاق النار.
وعقب الهجوم، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستنفذ عملية واسعة في المنطقة، متعهدًا بتدمير ما وصفه بالبنية التحتية المسلحة، وتفتيش المنازل ومصادرة الأسلحة. كما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى حملة عسكرية أوسع، وظهر في موقع قريب من العمليات وهو يتحدث عن هدم مبانٍ فلسطينية.
وتأتي هذه التطورات قبل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقررة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026. وقد ربط مسؤولون فلسطينيون ومراقبون بين تشدد الخطاب الأمني الإسرائيلي والحملة الانتخابية، لكن تحديد دوافع القرارات العسكرية يظل مسألة تحليلية لا يمكن الجزم بها اعتمادًا على التوقيت وحده.
وفي الوقت نفسه، أدى إغلاق الخليل ومداخل مدن وبلدات أخرى في الضفة الغربية إلى تقليص حرية الحركة، بما في ذلك الوصول إلى العمل والخدمات الصحية. وروى فلسطيني من بلدة يطا أن الإغلاق منعه من اصطحاب ابنته إلى القدس لتلقي علاج السرطان، ما يوضح كيف يمكن أن تنعكس الإجراءات العسكرية على احتياجات مدنية عاجلة.
أزمة إنسانية تتسع مع استمرار الإخلاء
تشير الأرقام المنشورة إلى أن العملية تجاوزت مرحلة الإخلاء المحدود. فقد تحدثت السلطات الفلسطينية عن نحو 1500 مهجّر بحلول السبت، بينما قدر وزير الدفاع الإسرائيلي عدد الذين أُخرجوا من منازلهم بنحو 2000 شخص، وحذرت السلطات المحلية من احتمال أن يتضرر 2500 آخرون إذا امتدت العملية إلى مناطق إضافية.
وتختلف هذه الأرقام باختلاف الجهة التي أصدرتها وتوقيت جمعها؛ لذلك لا ينبغي دمجها في رقم واحد بوصفه حصيلة نهائية. لكن جميعها تشير إلى اتساع نطاق الأزمة، مع إخلاء مئات الأسر وتهديد منازل أخرى بالهدم أو الإخلاء.
وتعمل بلدية الخليل والمحافظة ومؤسسات محلية على توفير المأوى والمساعدة للأسر المتضررة، وسط مخاوف من نقص الأماكن المتاحة وصعوبة توفير احتياجات الأطفال وكبار السن والمرضى، خاصة مع استمرار الإغلاق العسكري.
وفي ظل غياب موعد واضح للعودة، يبقى السكان أمام وضع غير مستقر: منازل أُخليت أو هُدمت، وطرق أُغلقت، وخدمات تعطلت، ومصير مجهول لعائلات لا تعرف ما إذا كانت ستتمكن من العودة إلى أحيائها بعد انتهاء العملية.
وبينما تؤكد إسرائيل أن هدفها هو ملاحقة المسلحين والأسلحة، تصر الجهات الفلسطينية على أن اتساع الإخلاء والهدم والإغلاق يعاقب السكان جماعيًا. ومع استمرار العملية العسكرية، يظل التحدي الأكثر إلحاحًا هو منع تحول النزوح المؤقت إلى تهجير ممتد، وتأمين عودة المدنيين إلى منازلهم في أقرب وقت ممكن، وفق ضمانات واضحة وقابلة للتحقق.
اقرأ المزيد
فرنسا: قتيل و4 مصابين بينهم طفلة في هجوم معادٍ للإسلام قرب باريس..
نتنياهو يفرض إغلاقاً شاملاً لأجل غير مسمى على الضفة الغربية المحتلة عقب هجوم استهدف إسرائيليين
بعد هجوم الخليل.. إغلاق الحرم الإبراهيمي وتهديدات بتفكيك السلطة الفلسطينية

