وطن-قد يفسّر بعض الناس خفض العينين أثناء الحديث على أنه علامة على الخجل أو الارتباك أو ضعف الثقة بالنفس، لكن علم النفس يقدم تفسيراً آخر لهذا السلوك الشائع؛ إذ قد يكون إبعاد النظر للحظات وسيلة تساعد الشخص على التركيز، وترتيب أفكاره، والعثور على الكلمات المناسبة قبل الإجابة.
ووفقاً لتقرير نشرته مجلة «أوفيمينا» الفرنسية، نقلاً عن موقع «أوكي دياريو»، فإن تجنب النظر المباشر لا يعني بالضرورة أن الشخص غير مهتم بالحوار أو يحاول الهروب منه. ففي بعض المواقف، قد يكون منشغلاً بالتفكير في إجابة دقيقة، خصوصاً عندما يواجه سؤالاً صعباً أو يحتاج إلى التعبير عن فكرة معقدة.
وتشير دراسات في علم النفس والإدراك إلى وجود علاقة بين حركة العين والجهد الذهني أثناء المحادثة، لكنها لا تثبت أن كل شخص يخفض نظره يفعل ذلك للسبب نفسه. فالمعنى قد يختلف بحسب طبيعة الحوار، ودرجة التوتر، والعلاقة بين المتحدثين، والسياق الاجتماعي والثقافي.
لماذا ينظر بعض الأشخاص بعيداً عندما يفكرون؟
أثناء المحادثة، لا يقتصر عمل الدماغ على الاستماع إلى الطرف الآخر؛ بل يتعين عليه أيضاً فهم المعنى، وربط المعلومات، واستحضار الكلمات، وبناء إجابة مناسبة، ومراقبة ردود فعل الشخص المقابل.
وفي الوقت نفسه، يؤدي التواصل البصري دوراً في تنظيم الحوار، إذ يساعد على متابعة انتباه الطرف الآخر وتنسيق تبادل الأدوار بين المتحدث والمستمع. وقد يحتاج الحفاظ على النظر المباشر، في بعض المهام، إلى موارد ذهنية تتداخل مع الجهد المطلوب للتفكير أو إنتاج الكلام.
ولهذا، قد يصرف بعض الأشخاص نظرهم عن المحاور عندما يحتاجون إلى التفكير بعمق أو تذكّر معلومة أو اختيار تعبير دقيق. ولا يعني ذلك أن التواصل البصري سيئ أو ينبغي تجنبه، بل إن النظر بعيداً للحظات قد يساعد في ظروف معينة على تقليل المشتتات البصرية.
وتدعم هذا التفسير أبحاث تناولت ما يُعرف بتجنب النظر أثناء التفكير، ومنها دراسة نشرها الباحثان آدم غلينبرغ وجون شرودر وديفيد روبرتسون عام 1998 في مجلة «الذاكرة والإدراك». وأظهرت تجاربهم أن الأشخاص يميلون إلى إبعاد نظرهم أكثر عند مواجهة أسئلة تتطلب معالجة ذهنية أصعب، وأن هذا السلوك قد يساعد على تحسين الأداء في بعض المهام.
ماذا كشفت الدراسات عن التواصل البصري والكلام؟
بحثت دراسة نشرها شوجو كاجيمورا وميتـشيو نومورا عام 2016 في مجلة «الإدراك» العلاقة بين التواصل البصري وتوليد الكلمات. ووجد الباحثان أن مشاهدة وجوه تنظر مباشرة إلى المشاركين أخّرت إنتاج الأفعال في مهمة لغوية معينة مقارنة بمشاهدة وجوه تصرف نظرها بعيداً، لكن هذا التأثير ظهر عندما تطلبت المهمة جهداً كبيراً في استرجاع الكلمات واختيارها.
وتشير النتيجة إلى أن التواصل البصري قد يتداخل مع بعض عمليات التفكير اللغوي عندما ترتفع متطلبات المهمة. لكنها لا تعني أن النظر في العينين يضعف القدرة على الكلام في جميع الظروف، أو أن صرف النظر يؤدي دائماً إلى إجابات أفضل.
كما تناولت مراجعة بحثية نُشرت عام 2021 في مجلة «فرونتيرز إن سايكولوجي» دور حركة العين في تنظيم تبادل الأدوار خلال المحادثات. وراجعت الدراسة 29 بحثاً تناولت التواصل البصري لدى البالغين، وخلصت إلى أن النظرات تساعد على تنظيم الانتقال بين المتحدث والمستمع، ومتابعة الكلام، والحد من المقاطعات، والتعامل مع اضطرابات التواصل.
ومن المهم التمييز هنا بين مراجعة 29 دراسة وبين تجربة واحدة شملت 29 محادثة؛ فالمراجعة جمعت نتائج أبحاث متعددة، ولم تكن تجربة منفردة بهذا العدد من المحادثات.
وتوضح هذه النتائج أن التواصل البصري ليس مجرد إشارة إلى المشاعر أو الاهتمام، بل يؤدي وظيفة عملية في إدارة الحوار. ومع ذلك، فإن صرف النظر قد يكون مفيداً أيضاً عندما يحتاج المتحدث إلى توجيه جزء أكبر من انتباهه إلى صياغة أفكاره.
هل يعني خفض النظر أن الشخص أكثر تركيزاً؟
ليس بالضرورة. فالنظر إلى الأسفل أو إلى جانب الوجه قد يتزامن مع التفكير، لكنه ليس اختباراً موثوقاً لقياس التركيز أو الذكاء أو الصدق. قد يحتاج شخص إلى إبعاد نظره عندما يحاول تذكّر معلومة، بينما يفضّل شخص آخر النظر إلى محاوره لمساعدته على التفكير. كما أن بعض الأشخاص يتجنبون التواصل البصري بسبب التوتر أو عدم الارتياح، وقد يكون ذلك لدى آخرين مجرد عادة أو أسلوب طبيعي في المحادثة.
وتبيّن الأبحاث المتعلقة بتجنب النظر أن هذا السلوك قد يرتبط أيضاً بالضغط الاجتماعي أو الشعور بالحرج، وليس بالعبء الذهني وحده. لذلك، لا يمكن تحديد سبب خفض العينين اعتماداً على حركة واحدة معزولة. ومن الأدق اعتبار أن هذه الحركة إحدى الإشارات المحتملة ضمن مجموعة أوسع من السلوكيات، مع مراعاة ما يقوله الشخص، ونبرة صوته، وطريقة تفاعله، وطبيعة الموقف الذي يجمعه بمحدثه.
كيف تؤثر طبيعة الحوار في حركة العين؟
تختلف طريقة استخدام التواصل البصري باختلاف المواقف. ففي الحديث العادي، قد ينظر الشخص إلى محاوره عندما يستمع إليه، ثم يصرف نظره عند بدء الإجابة، قبل أن يعيد التواصل البصري للتأكد من أن الطرف الآخر يتابعه.
أما في المواقف المهنية أو العاطفية أو التي تتضمن أسئلة حساسة، فقد يتأثر النظر بدرجة الضغط الذي يشعر به الشخص، أو برغبته في اختيار الكلمات بعناية، أو بطبيعة العلاقة بينه وبين الطرف المقابل.
وتتأثر دلالات النظر أيضاً بالأعراف الثقافية والاجتماعية. فالسلوك الذي يُفهم في بيئة معينة على أنه علامة اهتمام قد يُفسر بطريقة مختلفة في بيئة أخرى. ولهذا، فإن الاعتماد على قاعدة واحدة لتفسير لغة الجسد قد يؤدي إلى أحكام غير دقيقة.
وتساعد متابعة السياق الكامل على تجنب هذه التفسيرات المتسرعة؛ فالشخص الذي يخفض نظره قد يواصل الإجابة باهتمام، ويطرح أسئلة، ويشارك في الحوار بصورة طبيعية، حتى إن لم يحافظ على تواصل بصري مستمر.
متى لا ينبغي تجاهل تجنب التواصل البصري؟
إذا صرف شخص نظره للحظات أثناء التفكير، فلا يكفي ذلك للاستنتاج بأنه خجول أو غير واثق بنفسه أو غير مهتم بالمحادثة. لكن إذا كان تجنب التواصل البصري جزءاً من نمط أوسع يسبب صعوبة في التواصل أو ضيقاً مستمراً، فقد يكون من المفيد فهم الظروف المحيطة به، بدلاً من تفسيره من خلال حركة العين وحدها.
ولا ينبغي استخدام لغة الجسد لتشخيص القلق الاجتماعي أو أي حالة نفسية؛ فهذه الحالات تحتاج إلى تقييم أشمل يأخذ في الاعتبار التجارب الشخصية والأعراض ومدى تأثيرها في الحياة اليومية.
وفي العلاقات الشخصية، يمكن أن يكون من المفيد التركيز على مضمون الكلام ووضوح التواصل، بدلاً من مطالبة الطرف الآخر بالنظر المستمر في العينين أو افتراض أن تجنب النظر يحمل معنى سلبياً.
خفض النظر ليس دليلاً قاطعاً على الخجل
توضح الأبحاث أن حركة العين تؤدي أدواراً متعددة في المحادثة، من تنظيم تبادل الأدوار إلى المساعدة على إدارة الجهد الذهني أثناء التفكير. وقد يساعد إبعاد النظر بعض الأشخاص على استرجاع الكلمات أو معالجة سؤال يتطلب تركيزاً، لكنه قد يرتبط أيضاً بالتوتر أو بعوامل اجتماعية وثقافية.
لذلك، فإن خفض العينين أثناء الحديث لا يكفي وحده للحكم على شخصية الإنسان أو مشاعره أو نواياه. والأدق هو النظر إلى السلوك ضمن سياقه الكامل، وتجنب اختزال التواصل الإنساني المعقد في إشارة واحدة قد تختلف دلالتها من شخص إلى آخر.
اقرأ المزيد
لماذا يصعب عليك تكوين أصدقاء مقربين؟ 9 عادات قد تعود إلى طفولتك
الشكوى المستمرة تستنزف راحتك النفسية.. كيف تتحول إلى دائرة من التوتر والسلبية؟
«الحق في الغموض».. لماذا يجب ألا نكشف كل شيء عن حياتنا؟
«فخ الذكاء والمثالية».. لماذا يبدو الأشخاص الأذكياء مغرورين أو باردين؟

