وطن-قد ينجح بعض الأشخاص في أعمالهم بدرجة لافتة، ويظهرون كفاءة عالية في تخصصاتهم، لكنهم يواجهون صعوبة عندما يتعلق الأمر بمحادثة عادية، أو مقابلة عمل، أو لقاء عاطفي، أو حتى جلسة ودية مع الأصدقاء. هذا التناقض بين النجاح المهني والارتباك الاجتماعي لا يعني بالضرورة ضعف الشخصية، بل قد يرتبط بالطريقة التي يتعامل بها الشخص مع صورته أمام الآخرين.
وتشير مجلة «بسيكولوجي» الفرنسية إلى أن علم النفس يكشف عن عامل قد يغيّر الطريقة التي يُنظر بها إلى الأشخاص الأذكياء في العلاقات والمحادثات. فبدلاً من محاولة الظهور بمظهر مثالي طوال الوقت، قد يساعد الاعتراف البسيط بالارتباك، وإظهار قدر محسوب من الضعف الإنساني، إلى جانب طرح أسئلة حقيقية على الطرف الآخر، على جعل الشخص أكثر قرباً وتعاطفاً.
لماذا يبدو بعض الأذكياء متحفظين أو بعيدين؟
وفقاً لما أوردته مجلة «سيكولوجي»، تشير دراسات نفسية إلى أن الأشخاص الذين يحرصون بشدة على الظهور بمظهر الأذكياء أو الأكفاء قد يميلون إلى إخفاء نقاط ضعفهم ومشاعرهم. فقد يتجنبون الاعتراف بالتوتر أثناء مقابلة عمل، أو يترددون في طلب توضيح عندما لا يفهمون أمراً معيناً، أو يخفون تأثرهم العاطفي أمام شخص يهمهم.
ورغم أن هذا السلوك قد يبدو محاولة للحفاظ على الهيبة والثقة بالنفس، فإنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية. فالشخص الذي لا يُظهر أي تردد أو مشاعر قد يُفهم على أنه بارد أو متعالٍ أو غير مهتم بمن حوله، حتى لو كان يعاني في داخله من القلق أو يسعى إلى ترك انطباع جيد.
وتناولت أبحاث قادتها الباحثة آنا بروك وفريقها ما يُعرف بتأثير «الفوضى الجميلة» (Beautiful Mess)، من خلال سبع دراسات شملت مئات المشاركين. وطُلب من المشاركين تخيل مواقف يظهرون فيها ضعفهم، مثل الاعتراف بالحب، أو طلب المساعدة، أو الإقرار بارتكاب خطأ، أو الغناء أمام لجنة تحكيم.
وأظهرت النتائج، بحسب ما ورد في المادة المنشورة، مفارقة لافتة: عندما تخيل المشاركون أنفسهم في مواقف ضعف، كانوا يميلون إلى تقييم هذا الضعف بصورة سلبية، بينما نظر إليه الآخرون من الخارج بصورة أكثر إيجابية، واعتبروه تعبيراً عن الشجاعة والصدق والإنسانية.
وبعبارة أخرى، ما يراه الإنسان في نفسه نقطة ضعف قد يراه الآخرون دليلاً على الثقة والشجاعة. وقد يساعد تجاوز الخوف من إظهار المشاعر أو الاعتراف بالارتباك على تحسين العلاقات الاجتماعية.
الضعف الإنساني قد يجعل الشخص الذكي أكثر قرباً
لا يتعلق الأمر بالانهيار أمام الآخرين أو كشف جميع التفاصيل الشخصية، بل بإظهار قدر مناسب من الصراحة والقدرة على الاعتراف بالمشاعر والحدود الشخصية. فعبارات بسيطة مثل «أنا متوتر قليلاً اليوم» أو «أحتاج إلى فهم هذه النقطة بشكل أفضل» قد تكسر الحاجز بين الشخص الذكي ومن يتحدث معه، وتمنح المحادثة طابعاً أكثر عفوية.
ويزداد هذا التأثير أهمية عندما يكون الشخص معروفاً بكفاءته أو ذكائه. وهنا يظهر ما يُعرف في علم النفس باسم «تأثير الزلة» (Pratfall Effect)، الذي يشير إلى أن الشخص المتميز أو المتمكن قد يبدو أكثر إنسانية وجاذبية عندما يرتكب خطأ بسيطاً أو يكشف عن جانب غير مثالي من شخصيته. فبدلاً من أن تقلل هذه الصراحة من مكانته، قد تجعله أكثر قرباً من الآخرين. إذ يمكن للشخص شديد الكفاءة أن يبدو مخيفاً أو صعب الاقتراب منه، لكن إظهار لمحة إنسانية قد يخفف هذا الانطباع ويفتح المجال أمام تواصل أكثر طبيعية. وهذا ما يفسر لماذا قد يشعر الناس بارتياح أكبر تجاه شخص ذكي لا يخجل من قول «لا أعرف» أو «أخطأت» أو «هذا الموقف يربكني قليلاً».
الحيلة الثانية: اسأل أكثر بدلاً من الاكتفاء بإظهار معرفتك
لا يقتصر تحسين التواصل الاجتماعي على إظهار الضعف الإنساني، بل يمتد أيضاً إلى طريقة إدارة المحادثة. فبحسب مجلة «سيكولوجي»، تشير دراسات أجرتها جامعة هارفارد ونُشرت في مجلة «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي» إلى أن الأشخاص الذين يطرحون أسئلة أكثر أثناء المحادثات يُنظر إليهم على أنهم أكثر لطفاً وجاذبية اجتماعياً.
ويصبح هذا التأثير أقوى عندما تكون الأسئلة مرتبطة بما يقوله الطرف الآخر، بدلاً من أن تكون عامة أو شكلية. فبدلاً من الانتقال سريعاً إلى الحديث عن النفس أو تقديم رأي يبدو ذكياً، يمكن طرح سؤال مثل: «وماذا شعرت حينها؟» أو «كيف وصلت إلى هذا القرار؟».
تساعد أسئلة المتابعة على إشعار الطرف الآخر بأنه مسموع ومهم، كما تعكس رغبة حقيقية في فهم تجربته. وتشير الدراسات المذكورة إلى أن الأشخاص الذين يطرحون هذه الأسئلة يتركون انطباعاً أفضل، وقد تزداد رغبة الآخرين في لقائهم مجدداً.
فالأسئلة الجيدة لا تعكس الفضول فحسب، بل ترسل رسالة اجتماعية واضحة مفادها أن المتحدث مهتم بما يسمعه ويريد فهمه بصورة أعمق.
لماذا يتوقف البالغون عن طرح الأسئلة؟
في السياق نفسه، قالت تينا كريتشمر، أستاذة علم النفس في جامعة «إف إيه يو» بمدينة إرلنغن الألمانية، في تصريحات نقلتها صحيفة «فرانكفورتر روندشاو»، إن الأشخاص الذين يطرحون كثيراً من الأسئلة يُنظر إليهم غالباً على أنهم أكثر كفاءة اجتماعياً، وإن العلاقات التي يتبادل فيها أطرافها الأسئلة تبدو أكثر سعادة ودفئاً.
وأوضحت الباحثة أن الأطفال الصغار يتمتعون بفضول طبيعي يدفعهم إلى طرح أسئلة عن مشاعر الآخرين وعلاقاتهم وما يحدث حولهم. لكن هذا السلوك قد يتراجع مع التقدم في العمر.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن كريتشمر، قد يفترض البالغون أنهم قادرون على تخمين ما يفكر فيه الآخرون أو يشعرون به، خصوصاً عندما يعتقدون أنهم أصبحوا أكثر قدرة على قراءة المواقف وفهم الأشخاص. ونتيجة لذلك، قد يقل طرح الأسئلة ويضعف الإصغاء، فتبدو المحادثات أكثر جفافاً.
وقد تظهر هذه المشكلة لدى بعض الأشخاص الأذكياء عندما تدفعهم سرعة التحليل والاستنتاج إلى الوصول إلى الخلاصة قبل منح الطرف الآخر الوقت الكافي للتعبير عن نفسه. وقد يُفسر هذا السلوك، من دون قصد، على أنه عدم اهتمام أو تعالٍ، رغم أن الشخص قد يكون مهتماً بالفعل بما يسمعه.
الذكاء وحده لا يكفي لبناء انطباع اجتماعي إيجابي
توضح هذه النتائج أن الذكاء المعرفي أو المهني لا يكفي وحده لبناء صورة محببة في العلاقات. فقد تثير الكفاءة الإعجاب، لكنها لا تضمن الشعور بالقرب الإنساني. ويتطلب التواصل الناجح توازناً بين الثقة والتواضع، وبين المعرفة والفضول، وبين الحضور القوي والقدرة على الاعتراف بعدم الكمال.
وتتمثل الفكرة الأساسية في الجمع بين الصراحة الإنسانية والاهتمام الحقيقي بالآخرين: الاعتراف بالتوتر عند الحاجة، وطلب التوضيح عندما يكون الأمر غير مفهوم، وطرح أسئلة تنطلق من حديث الطرف الآخر، ثم الإصغاء إلى الإجابات باهتمام.
في النهاية، لا يحتاج الشخص الذكي إلى أن يبدو أقل ذكاءً حتى يصبح أكثر قبولاً اجتماعياً، بل قد يحتاج إلى إظهار جانب أكثر إنسانية من شخصيته. فالاعتراف بالارتباك، أو الإقرار بالخطأ، أو إبداء الفضول تجاه الآخرين، لا ينتقص من الكفاءة، بل قد يمنحها وجهاً أكثر دفئاً ويساعد على بناء علاقات أكثر صدقاً وقرباً.
اقرأ المزيد
تراقب هاتفك باستمرار وتقلق من تأخر الرد؟ ماذا تقول الدراسات النفسية؟
عندما يخذل العقل صاحبه.. لماذا يتراجع أداء الأذكياء تحت الضغط؟
دراسة على 15 ألف شخص تكشف مفاجأة عن الأذكياء والصداقة: هل كثرة الأصدقاء تقلل سعادة الأذكياء؟

