وطن-قد يعرف الإنسان عشرات الأشخاص، ويتبادل الأحاديث اليومية مع زملائه ومعارفه، ويتفاعل باستمرار على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه يفتقر إلى صديق مقرب يستطيع اللجوء إليه في الأوقات الصعبة. فالعلاقات العابرة لا تعني بالضرورة وجود روابط عميقة يشعر فيها الإنسان بأنه مفهوم ومقبول على حقيقته.
وبحسب تقرير نشره موقع «سان إي ناتيرال» الفرنسي، فإن صعوبة تكوين صداقات وثيقة قد ترتبط أحياناً بعادات نفسية وسلوكية تشكلت في الطفولة أو المراهقة، ثم استمرت في مرحلة البلوغ. وقد تكون هذه العادات قد ساعدت الشخص في الماضي على تجنب الخلافات أو حماية نفسه من خيبة الأمل، لكنها قد تصبح لاحقاً عائقاً أمام بناء علاقات مستقرة.
ولا يعني ذلك أن كل من يجد صعوبة في تكوين الصداقات يعاني مشكلة نفسية أو أن طفولته هي السبب بالضرورة؛ فظروف الحياة، والانتقال إلى مكان جديد، وضيق الوقت، واختلاف الطباع، كلها عوامل قد تؤثر أيضاً في العلاقات الاجتماعية. لكن الانتباه إلى بعض الأنماط المتكررة قد يساعد على فهم ما يجعل التقارب مع الآخرين أمراً صعباً.
1. تجنب الخلاف خوفاً من خسارة الآخرين
قد تسمع رأياً يخالف قناعاتك خلال جلسة مع الأصدقاء، لكنك تختار الصمت حتى لا يتحول النقاش إلى خلاف. وربما توافق الآخرين ظاهرياً رغم اختلافك معهم، لأنك تخشى أن يؤدي التعبير عن رأيك إلى توتر العلاقة. قد يرتبط هذا السلوك بتجارب سابقة تعلّم فيها الشخص أن الاعتراض يؤدي إلى الغضب أو العقاب، أو أن الحفاظ على الهدوء يتطلب إخفاء مشاعره وآرائه.
لكن الصداقة العميقة لا تتطلب الاتفاق الدائم؛ بل تحتاج إلى مساحة تسمح بالاختلاف من دون خوف مستمر من خسارة العلاقة. وعندما يحاول الشخص إرضاء الجميع طوال الوقت، قد يراه الآخرون لطيفاً ومتعاوناً، لكنهم لا يتعرفون بالضرورة إلى شخصيته الحقيقية.
2. الاعتماد على النفس ورفض طلب المساعدة
هناك أشخاص اعتادوا مواجهة مشكلاتهم بمفردهم، فلا يطلبون من أحد مرافقتهم في الأوقات الصعبة، ولا يتحدثون عن احتياجاتهم حتى عندما يشعرون بالإرهاق أو الوحدة. قد يبدو هذا السلوك علامة على الاستقلال، لكنه قد يتحول أحياناً إلى حاجز يمنع الآخرين من الاقتراب. فالصداقة لا تقوم فقط على تقديم المساعدة، بل أيضاً على القدرة على تلقيها.
وقد يتعلم بعض الأشخاص منذ الصغر عدم الاعتماد على الآخرين إذا لم يجدوا استجابة كافية لاحتياجاتهم. ومع مرور الوقت، قد يتجنبون المبادرة إلى التواصل أو طلب الدعم، ثم يشعرون بأن علاقاتهم سطحية أو أن الآخرين لا يهتمون بهم بما يكفي. ولا يعني طلب المساعدة ضعفاً؛ بل قد يكون وسيلة لإتاحة مساحة أكبر للتبادل والثقة داخل العلاقة.
3. الاستماع للجميع دون الإفصاح عن الذات
قد تكون الشخص الذي يلجأ إليه أصدقاؤه عندما يواجهون مشكلة. تستمع إليهم، وتتذكر تفاصيل حياتهم، وتقدم الدعم والنصيحة، لكنك نادراً ما تتحدث عن مخاوفك أو تجاربك الشخصية. ويعتبر الإنصات صفة مهمة في العلاقات، لكنه لا يكفي وحده لبناء صداقة متوازنة. فعندما يظل أحد الطرفين مستمعاً دائماً، بينما يخفي مشاعره باستمرار، قد تصبح العلاقة غير متكافئة من الناحية العاطفية.
ويشير التقرير إلى أن بعض الأشخاص يفضلون دور الداعم لأنه يمنحهم شعوراً بالقرب من الآخرين دون الاضطرار إلى إظهار نقاط ضعفهم. غير أن التقارب يحتاج أيضاً إلى مشاركة متبادلة، تسمح لكل طرف بأن يعرف الآخر بصورة أعمق. ولا يعني ذلك ضرورة كشف الأسرار أو الحديث عن كل التفاصيل الشخصية؛ بل يمكن البدء بمشاركة المشاعر والتجارب تدريجياً، وفق مستوى الثقة والارتياح.
4. الانسحاب عندما تبدأ العلاقة في التعمق
قد تبدأ صداقة جديدة بصورة واعدة، مع رسائل متبادلة ولقاءات متكررة وأحاديث شخصية. لكن عندما تزداد أهمية العلاقة، يبدأ أحد الطرفين في الابتعاد، أو يفسر تأخر الرد أو إلغاء موعد على أنه علامة على الرفض.
وقد يدفع الخوف من الخذلان بعض الأشخاص إلى الانسحاب مبكراً، قبل أن تصبح العلاقة مهمة بما يكفي لتسبب لهم الألم. ومع تكرار هذا النمط، قد يشعرون بأن الصداقات لا تستمر، من دون الانتباه إلى أن انسحابهم المتكرر قد يساهم أحياناً في إضعافها.
وتشير أبحاث التعلق والعلاقات الاجتماعية إلى أن طريقة تعامل الإنسان مع القرب والثقة والخلافات قد ترتبط بجودة علاقاته. ومع ذلك، لا يمكن تفسير كل انسحاب بالخوف من التعلق؛ فقد يكون الابتعاد أحياناً استجابة طبيعية لعلاقة غير مناسبة أو لتصرفات مؤذية.
5. محاولة أن تكون مفيداً دائماً بدلاً من إظهار احتياجاتك
قد تكون الشخص الذي يساعد الجميع، ويقدم النصائح، ويتولى حل المشكلات، ويقف إلى جانب أصدقائه كلما احتاجوا إليه. لكن عندما تمر بوقت صعب، تجد صعوبة في الاعتراف بأنك تحتاج إلى الدعم نفسه.
وقد يرتبط هذا النمط، لدى بعض الأشخاص، بتحمل مسؤوليات كبيرة في سن مبكرة أو بالاعتياد على رعاية الآخرين. وفي هذه الحالة، قد يصبح الشعور بالقيمة مرتبطاً بمدى الفائدة التي يقدمها الشخص، بدلاً من تقبل فكرة أنه يستحق الاهتمام حتى عندما لا يستطيع تقديم شيء.
ويعرض التقرير دراسة منشورة في فبراير 2026 في «المجلة الدولية للبحوث البيئية والصحة العامة»، شملت 90,666 بالغاً، تناولت العلاقة بين التجارب الصعبة في الطفولة وبعض أنماط رعاية الآخرين في مرحلة البلوغ.
لكن نتائج أي دراسة من هذا النوع لا تعني أن كل شخص كثير المساعدة تأثر بتجارب طفولة صعبة، ولا تثبت وحدها علاقة سببية مباشرة. والأهم أن العطاء، مهما كان صادقاً، لا ينبغي أن يمنع الإنسان من التعبير عن احتياجاته أو قبول المساندة من الآخرين.
6. اختبار الآخرين باستمرار قبل منحهم الثقة
قد يشارك الشخص معلومة شخصية بسيطة مع صديق جديد، ثم يراقب رد فعله بدقة: هل استمع باهتمام؟ هل تذكر ما قاله؟ هل حافظ على خصوصيته؟ وإذا شعر بخيبة أمل صغيرة، فقد يقرر الابتعاد من دون توضيح ما أزعجه.
يمكن أن يكون الحذر مفهوماً، خصوصاً لدى من تعرضوا سابقاً للخيانة أو السخرية أو إفشاء الأسرار. لكن تحويل كل موقف إلى اختبار غير معلن قد يجعل بناء الثقة أمراً صعباً، لأن الطرف الآخر لا يعرف دائماً ما الذي يُنتظر منه.
الثقة لا تعني تجاهل الإشارات المقلقة أو منح الجميع فرصة غير محدودة؛ بل تنمو تدريجياً من خلال مواقف متكررة، واحترام الحدود، والوضوح في التواصل. وعندما يحدث سوء فهم، قد يكون الحديث المباشر أكثر فائدة من الانسحاب الصامت.
7. إخفاء الألم خلف عبارة «أنا بخير»
عندما يسألك أحدهم عن حالك، قد تجيب تلقائياً بأنك بخير، حتى لو كنت تمر بفترة صعبة. وربما اعتدت هذه الإجابة لأنها تجنبك الأسئلة المحرجة أو الحديث عن مشاعر لا تعرف كيف تعبّر عنها. لكن تكرار إخفاء الضيق قد يجعل المحيطين بك يعتقدون أنك لا تحتاج إلى الدعم، بينما تنتظر في داخلك أن يلاحظ أحدهم ما تمر به.
ومن هنا قد يتعمق الشعور بالوحدة، حتى عندما يكون الشخص محاطاً بالمعارف. فوجود الآخرين لا يضمن شعور الإنسان بالقرب منهم إذا كان يخفي باستمرار ما يشغله. ولا تتطلب الصداقة أن يتحدث الإنسان عن كل ألم يمر به، أو أن يكشف خصوصياته لمن لا يثق بهم. لكن اختيار شخص آمن ومناسب، والبدء بعبارة صادقة مثل «أمر بفترة صعبة وأحتاج إلى من يستمع إليّ»، قد يفتح المجال لعلاقة أكثر قرباً.
8. التقليل من الحماس خوفاً من السخرية
قد يتردد بعض الأشخاص في الحديث عن هواياتهم أو إنجازاتهم أو الأشياء التي تثير حماسهم، خشية أن يواجهوا السخرية أو التقليل من شأنهم. وقد تبدأ هذه الحساسية بعد تجارب سابقة شعروا فيها بأن اهتماماتهم لم تُحترم. ومع الوقت، قد يعتاد الشخص التقليل من إنجازاته، أو إخفاء ما يحبه، أو التظاهر بأن الأمور التي تسعده لا تعنيه كثيراً.
لكن مشاركة الاهتمامات واللحظات السعيدة تمنح الآخرين فرصة للتعرف إلى جوانب حقيقية من الشخصية، وقد تساعد على اكتشاف نقاط مشتركة تساهم في بناء الصداقة. ويشير التقرير إلى أبحاث تناولت العلاقة بين العزلة الاجتماعية في الطفولة والشعور بالوحدة في بداية مرحلة البلوغ. غير أن الارتباط بين التجارب المبكرة والوحدة اللاحقة لا يعني أن النتائج واحدة لدى الجميع؛ إذ تتأثر العلاقات أيضاً بالبيئة الحالية والفرص الاجتماعية والتجارب اللاحقة.
9. اعتبار الوحدة جزءاً ثابتاً من الشخصية
قد يفضل بعض الأشخاص الهدوء والوقت الذي يقضونه بمفردهم، وهذا أمر طبيعي. فالحاجة إلى العلاقات تختلف من شخص إلى آخر، ولا تعني قلة الأصدقاء بالضرورة وجود مشكلة. لكن هناك فرقاً بين اختيار العزلة لأنها تمنح الراحة، واللجوء إليها خوفاً من الرفض أو الخلاف أو خيبة الأمل. فقد يبدأ الأمر برفض بعض الدعوات، ثم تقل المبادرات من الآخرين، حتى تصبح الوحدة واقعاً يصعب تغييره.
وفي هذه الحالة، قد يفسر الشخص ما حدث بأنه دليل على أنه لا يحب العلاقات الاجتماعية، مع أنه ربما يرغب في وجود صديق مقرب لكنه يجد صعوبة في اتخاذ الخطوات التي تساعد على بناء العلاقة. ومن المفيد هنا التمييز بين الاستمتاع بالوقت الخاص وبين الشعور بالوحدة غير المرغوبة. فالأول قد يكون اختياراً مريحاً، أما الثاني فقد يشير إلى حاجة لم تُلبَّ بعد.
كيف تبدأ في بناء صداقات أكثر عمقاً؟
لا يتطلب تكوين صداقات مقربة تغيير الشخصية بالكامل، ولا يعني أن على الإنسان أن يصبح اجتماعياً طوال الوقت. قد تبدأ الخطوة الأولى بملاحظة السلوكيات التي تتكرر في علاقاته: هل ينسحب عند أول خيبة؟ هل يجد صعوبة في طلب المساعدة؟ هل يستمع للآخرين لكنه لا يسمح لهم بمعرفته؟ ويمكن تجربة خطوات بسيطة، مثل المبادرة برسالة أو اقتراح لقاء، والتعبير عن اختلاف الرأي بهدوء، ومشاركة تجربة شخصية صغيرة مع شخص موثوق، أو طلب المساندة عندما تكون الحاجة إليها حقيقية.
ومن المهم أيضاً منح العلاقات وقتاً لتنمو، مع الحفاظ على الحدود الصحية وعدم تجاهل التصرفات المؤذية. فالثقة لا تُمنح دفعة واحدة، كما أن الصداقة لا تُبنى على طرف واحد يتحمل وحده مسؤولية التواصل والاهتمام.
في النهاية، قد تساعد بعض العادات القديمة على فهم صعوبة تكوين أصدقاء مقربين، لكنها لا تحدد مستقبل العلاقات. فالإنسان يستطيع تطوير أساليب جديدة للتواصل، والتعبير عن احتياجاته، والتقرب من الآخرين تدريجياً. وقد تبدأ الصداقة العميقة حين يسمح لكل طرف بأن يظهر على حقيقته، بما فيها نقاط القوة والضعف، من دون أن يضطر إلى التظاهر بأنه لا يحتاج إلى أحد.
اقرأ أيضاً
دراسة على 15 ألف شخص تكشف مفاجأة عن الأذكياء والصداقة: هل كثرة الأصدقاء تقلل سعادة الأذكياء؟
هل تفضّل البقاء في المنزل؟ العلم يكشف متى تكون العزلة مفيدة للصحة النفسية
كم صديقاً نحتاج لنكون أكثر سعادة؟ دراسة تكشف العدد الأقرب إلى المثالي..
لماذا يعاني البعض بصمت؟ أسباب نفسية واجتماعية تمنعهم من طلب المساعدة

