وطن-أعلنت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» تغييراً مهماً في استراتيجيتها الانتخابية، إذ قررت وقف التأييد الرسمي للمرشحين السياسيين والمساهمات المباشرة عبر لجنتها للعمل السياسي، في خطوة تأتي وسط تصاعد الانتقادات لدورها في الانتخابات الأميركية، وتزايد النظرة السلبية إلى إسرائيل على خلفية الحرب في غزة والتوترات الإقليمية.
وكشفت اللجنة، في رسالة إلى أعضائها الأربعاء 21 أكتوبر 2026، أنها ستتوقف أيضاً عن تخصيص التبرعات للمرشحين عبر آلياتها المباشرة، وستركز بدلاً من ذلك على حشد التبرعات الفردية من الأميركيين وتوجيهها إلى المرشحين الذين يدعمون العلاقة الأميركية الإسرائيلية.
ومن المقرر أن تدخل التغييرات حيز التنفيذ بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر المقبل، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال». لكن القرار لا يعني انسحاب أيباك من السياسة الانتخابية، إذ ستواصل العمل عبر ذراعها الانتخابية المستقلة «مشروع الديمقراطية المتحدة»، المعروفة باسم «السوبر باك»، إلى جانب تشجيع أعضائها على تقديم تبرعات مباشرة للمرشحين.
ويأتي التحول بعد سنوات من توسع دور أيباك في تمويل الحملات الانتخابية، وفي وقت يواجه فيه المرشحون الذين يتلقون دعمها اعتراضات متزايدة من ناخبين وسياسيين، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي. كما أعادت نتائج استطلاعات الرأي بشأن إسرائيل وحرب غزة فتح النقاش حول الكلفة السياسية للارتباط العلني باللجنة.
أيباك تغيّر أسلوبها.. لكنها لا تنسحب من الانتخابات
قالت أيباك في رسالتها إلى الأعضاء إن البيئة السياسية أصبحت أكثر تعقيداً، وإن المرحلة المقبلة تتطلب عملية سياسية أكثر مرونة وتأثيراً، تسمح لها بمواصلة دعم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبموجب التوجه الجديد، لن يكون التأييد الرسمي للمرشحين أو تقديم مساهمات مباشرة من خلال لجنة أيباك للعمل السياسي جزءاً من استراتيجيتها المقبلة. وبدلاً من ذلك، ستعطي الأولوية لتنظيم تبرعات الأفراد وتوجيهها إلى المرشحين الذين ترى أنهم يدعمون التحالف الأميركي الإسرائيلي.
لكن الفارق الأساسي أن أيباك لن تتخلى عن أدواتها الانتخابية الأخرى. فذراعها «مشروع الديمقراطية المتحدة» ستواصل تمويل الحملات والإعلانات الانتخابية المستقلة المؤيدة لمرشحين أو المعارضة لآخرين.
وبحسب بيانات أوردتها منظمة «فاكت تشيك دوت أورغ»، أنفق مشروع الديمقراطية المتحدة نحو 61.4 مليون دولار خلال دورة انتخابات 2024، وجمع نحو 104 ملايين دولار خلال النصف الأول من دورة 2026 الانتخابية.
وتختلف القواعد المنظمة لهذه الأدوات عن قواعد التبرع المباشر. فبإمكان لجنة العمل السياسي التقليدية تقديم مساهمات محدودة للمرشحين، لا تتجاوز خمسة آلاف دولار لكل مرشح في كل انتخابات اتحادية. أما لجنة «السوبر باك»، فيمكنها جمع الأموال وإنفاق مبالغ غير محدودة على الإعلانات والإنفاق الانتخابي المستقل، لكنها لا تستطيع تقديم تبرعات مباشرة للمرشحين أو التنسيق معهم بشأن تلك النفقات.
ويعني ذلك أن التحول الجديد يغيّر طريقة إظهار الدعم وتنظيمه، لكنه لا يلغي قدرة الشبكة المرتبطة بأيباك على إنفاق مبالغ كبيرة للتأثير في المنافسات الانتخابية.
أكثر من 90 مليون دولار من تبرعات الأعضاء
في محاولة لتفسير استراتيجيتها، قالت أيباك إن أعضاءها قدموا أكثر من 90 مليون دولار مباشرة إلى المرشحين خلال الدورة الانتخابية الحالية، وإن اللجنة تعتزم مواصلة هذا النوع من التبرعات وتنميته.
ويجب التمييز هنا بين أموال أيباك المؤسسية والتبرعات التي يقدمها أعضاؤها بصفتهم أفراداً. فوقف المساهمات المباشرة من لجنة أيباك لا يعني توقف الأفراد عن دعم المرشحين، ولا يعني اختفاء الأموال من الحملات الانتخابية.
وتظهر بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية، وفق تقرير هيئة الإذاعة الوطنية الأميركية، أن أيباك قدمت نحو 25 مليون دولار للمرشحين واللجان السياسية خلال عام 2026 حتى 30 سبتمبر. كما قدم مشروع الديمقراطية المتحدة نحو 13 مليون دولار للمرشحين واللجان السياسية، إلى جانب إنفاق مستقل إضافي بلغ 53.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
وتعني هذه الأرقام أن النفوذ المالي المرتبط بأيباك لا يقتصر على التبرعات التي تحمل اسم اللجنة مباشرة. كما أن التبرعات الفردية والنفقات المستقلة تخضع لقواعد إفصاح مختلفة، ولذلك فإن انتقال الدعم إلى قنوات أخرى لا يجعل جميع التحويلات غير قابلة للتتبع تلقائياً.
ومع ذلك، يرى منتقدون أن التخلي عن التأييد العلني والتبرعات المباشرة قد يقلل من وضوح الصلة بين اللجنة وبعض المرشحين، ويمنحهم مساحة أوسع للابتعاد عن اسم أيباك، من دون أن يتخلوا بالضرورة عن دعم أعضائها أو الجهات المرتبطة بها.
تراجع شعبية إسرائيل يرفع الكلفة السياسية
يأتي القرار في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي تغيراً ملحوظاً في نظرة الأميركيين إلى إسرائيل، خصوصاً بعد الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
وأظهر استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث نُشر في أبريل 2026 أن 60% من الأميركيين لديهم نظرة سلبية إلى إسرائيل، ارتفاعاً من 53% في العام السابق، وبزيادة تقارب 20 نقطة مئوية مقارنة بعام 2022. وبلغت نسبة النظرة السلبية 80% بين الديمقراطيين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب الديمقراطي، بينما ظل الجمهوريون أكثر انقساماً؛ إذ قال 58% منهم إن نظرتهم إلى إسرائيل إيجابية، مقابل 41% لديهم نظرة سلبية.
وفي استطلاع منفصل أجرته مؤسسة «غالوب» في فبراير 2026، قال 41% من الأميركيين إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين في النزاع بالشرق الأوسط، مقابل 36% قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين. لكن غالوب أوضحت أن الفارق بين النسبتين لم يكن ذا دلالة إحصائية، رغم أنه عكس تحولاً مقارنة بالسنوات السابقة.
وتشير هذه النتائج إلى أن ارتباط المرشحين بإسرائيل أصبح موضوعاً أكثر حساسية في بعض الدوائر الانتخابية، خصوصاً بين الديمقراطيين والشباب. لكنها لا تعني أن الأميركيين تخلوا جميعاً عن دعم إسرائيل، إذ لا تزال الفروق الحزبية والدينية والعمرية واضحة في الاستطلاعات.
وتواجه أيباك في هذا السياق تحدياً سياسياً: كيف تحافظ على قدرتها على دعم المرشحين الذين يتبنون مواقف مؤيدة لإسرائيل، في وقت أصبح فيه بعض هؤلاء المرشحين أكثر حذراً من الارتباط العلني باللجنة أو قبول أموالها؟
ميشيغان.. اختبار بارز لتأثير المال السياسي
تقدم المنافسة على مقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مثالاً واضحاً على الجدل المحيط بأموال أيباك. فقد فاز الديمقراطي التقدمي عبد السيد بترشيح الحزب في الانتخابات التمهيدية التي جرت في 4 أغسطس 2026، متغلباً على النائبة هايلي ستيفنز، التي تلقت دعماً انتخابياً كبيراً من «مشروع الديمقراطية المتحدة».
وأنفق الذراع الانتخابي المرتبط بأيباك أكثر من 30 مليون دولار في السباق التمهيدي دعماً لستيفنز ومحاولةً لهزيمة عبد السيد، الذي انتقد الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل ووصف الحرب في غزة بأنها إبادة جماعية. لكن عبد السيد فاز بالترشيح الديمقراطي، في واحدة من أبرز الانتكاسات التي واجهتها أيباك خلال الدورة الانتخابية الحالية.
ومع انتقال المنافسة إلى الانتخابات العامة في 3 نوفمبر، يواجه عبد السيد الجمهوري مايك روجرز. وأفادت صحيفة «واشنطن بوست» بأن مشروع الديمقراطية المتحدة ضخ نحو تسعة ملايين دولار خلال الأسبوع الأخير في مجموعة تدعم روجرز، في تحرك يستهدف تعزيز موقف المرشح الجمهوري في السباق. وهذا المبلغ لا يمثل تبرعاً مباشراً من أيباك إلى حملة روجرز، بل تمويلاً عبر مجموعة داعمة.
ويكتسب السباق أهمية تتجاوز الانقسام بشأن إسرائيل؛ فميشيغان ولاية متأرجحة تضم جالية عربية ومسلمة مؤثرة، ويخوض عبد السيد المنافسة في مواجهة خصوم يركز بعضهم على مواقفه من إسرائيل وهويته الدينية. وإذا فاز، فسيصبح أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي.
وتكشف هذه المنافسة أن تغيير أيباك لطريقة عملها لا يعني أن الصراع على المال السياسي قد انتهى، بل إن الإنفاق المستقل والتبرعات المنظمة يظلان جزءاً من المعركة الانتخابية.
هل أصبح الارتباط بأيباك عبئاً انتخابياً؟
لم يعد النقاش حول أيباك مقتصراً على حجم الأموال التي تجمعها أو المرشحين الذين تدعمهم، بل امتد إلى ما إذا كان تأييد اللجنة قد أصبح عبئاً في بعض المنافسات، خصوصاً بعد أن رفض مرشحون ديمقراطيون قبول أموالها أو أعادوا تبرعات سابقة.
وقالت اللجنة إن قرارها جاء بعد مراجعة استراتيجية تهدف إلى تعزيز تأثيرها السياسي، وأكدت أن رسالتها الأساسية لم تتغير. لكنها أقرت، في رسالتها إلى أعضائها، بأن البيئة السياسية المقبلة ستفرض تحديات متزايدة على عملها.
ويرى منتقدون أن التخلي عن التأييد الرسمي يقلل من قدرة الناخبين على معرفة المرشحين الذين تدعمهم أيباك بصورة علنية، بينما ترى اللجنة أن تنظيم التبرعات الفردية واستخدام أدوات جديدة لجمع الأموال سيمنحها مرونة أكبر.
ولا يمكن الجزم بأن تراجع شعبية إسرائيل وحده هو الذي أدى إلى هذا التحول؛ إذ أشارت أيباك إلى مراجعة داخلية لاستراتيجيتها، بينما ربطت وسائل إعلام ومحللون القرار بتزايد المقاومة السياسية لارتباط المرشحين باسم اللجنة، وبالضغوط التي واجهتها في الانتخابات التمهيدية الأخيرة.
نفوذ مستمر في واشنطن رغم تغيير الاستراتيجية
رغم إعلان وقف التأييد العلني والمساهمات المباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي، لا توجد مؤشرات على أن أيباك تخطط للانسحاب من النشاط السياسي أو التخلي عن هدفها المعلن المتمثل في تعزيز التحالف الأميركي الإسرائيلي.
فقد أكدت اللجنة أن أعضاءها سيواصلون تقديم التبرعات للمرشحين، وأن ذراعها الانتخابي المستقل سيبقى نشطاً. ولذلك، فإن الأثر الحقيقي للتحول لن يُقاس فقط بغياب اسم أيباك عن قوائم التأييد، بل بمدى استمرار الإنفاق الانتخابي المرتبط بها، وقدرة المرشحين على الاستفادة منه، وتغير ردود فعل الناخبين تجاه هذا النوع من التمويل.
وبين تراجع النظرة الإيجابية إلى إسرائيل في استطلاعات الرأي، واتساع الجدل حول الحرب في غزة والمساعدات الأميركية، ومحاولات المرشحين الابتعاد عن بعض أشكال الدعم السياسي، تدخل أيباك مرحلة جديدة من عملها الانتخابي.
لكن الرسالة الأساسية لا تشير إلى تراجع نهائي في نفوذ اللجنة، بل إلى إعادة تنظيم أدواتها. فالتأييد العلني قد يتوقف، والمساهمات المباشرة من لجنة العمل السياسي قد تتراجع، بينما يظل المال السياسي المنظم والإنفاق المستقل والتبرعات الفردية أدوات متاحة للتأثير في الانتخابات الأميركية.
اقرأ المزيد
عبد الرحمن السيد يهزم مرشحة “أيباك” رغم 30 مليون دولار.. هل بدأ نفوذ المال السياسي يتراجع في أمريكا؟
مفاجأة سياسية في كولورادو.. مهاجرة إثيوبية تُطيح برمز “أيباك” وتصل للكونغرس من بوابة غزة
زلزال في واشنطن.. “أيباك” تعاقب نوابًا ديمقراطيين بعد تصويتهم لتقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل

