وطن-أثار تأسيس مجموعات برلمانية مرتبطة بمنظمات مؤيدة لإسرائيل في قبرص واليونان موجة من الجدل السياسي، وسط مطالب بالكشف عن طبيعة هذه المبادرات، ومصادر تمويلها، والالتزامات التي قد تترتب على مشاركة النواب فيها، في وقت تتعمق فيه العلاقات الأمنية والسياسية بين إسرائيل ودول شرق المتوسط.
وتزامن هذا الجدل مع زيارة وفد من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» إلى قبرص، ولقائه الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس في 21 أكتوبر 2026، بعد أيام من إطلاق مجموعات برلمانية بالتعاون مع «مؤسسة حلفاء إسرائيل» في نيقوسيا وأثينا.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول حدود التعاون البرلماني مع المنظمات الدولية، ومدى شفافية العلاقات التي تنشأ بين النواب ومجموعات الضغط المعنية بدعم سياسة دولة أخرى، خصوصاً حين تتعلق هذه السياسة بقضايا خلافية مثل الحرب في غزة، والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والتنافس الأمني في شرق المتوسط.
أيباك في القصر الرئاسي القبرصي
استقبل الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس وفداً من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» في القصر الرئاسي يوم الأربعاء 21 أكتوبر، برئاسة الرئيس المنتهية ولايته للجنة برنارد كامينتسكي والرئيس المنتخب يهودا نيوبيرغر.
وبحسب بيان الرئاسة القبرصية، تناول اللقاء تطورات القضية القبرصية، والوضع في شرق المتوسط والشرق الأوسط، والعلاقات بين قبرص والولايات المتحدة، والتعاون بين قبرص وإسرائيل وواشنطن. كما بحث الجانبان سبل تعزيز آلية التعاون الثلاثي المعروفة بصيغة «3+1»، التي تجمع قبرص واليونان وإسرائيل والولايات المتحدة.
وتُعد أيباك من أبرز منظمات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وتعمل على دعم السياسات التي تعزز العلاقات الأميركية الإسرائيلية. وأضفى استقبال رئيس الدولة للوفد أهمية سياسية على الزيارة، خصوصاً أنها جاءت بالتزامن مع جدل داخلي بشأن مجموعات برلمانية جديدة تسعى إلى توسيع التعاون مع إسرائيل.
لكن لقاء أيباك بالرئيس القبرصي يختلف تنظيمياً عن المبادرات البرلمانية التي أطلقتها «مؤسسة حلفاء إسرائيل» ومنظمة «أصدقاء إسرائيل عبر الأطلسي». فهذه ثلاث جهات منفصلة، وإن كانت تشترك في دعم توثيق العلاقات مع إسرائيل، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها تنظيماً واحداً.
مجموعة برلمانية جديدة تثير الجدل في قبرص
في 14 أكتوبر، أُعلن تأسيس مجموعة تعاون برلماني قبرصية بالتعاون مع «مؤسسة حلفاء إسرائيل»، وضمت ستة نواب من ثلاثة أحزاب هي التجمع الديمقراطي «ديسي»، والحزب الديمقراطي «ديكو»، والجبهة الشعبية الوطنية «إيلام».
وتضم المجموعة أندرياس أبوستولو وخريسيـس بانتليديس من حزب «ديكو»، ويورغوس كارولاس وخارالامبوس بيتريديس من «ديسي»، وسوتيريس يوانو وماريوس بيليكانوس من «إيلام». ويتولى بانتليديس قيادة المجموعة، التي تقول إنها تهدف إلى تعزيز التعاون بين قبرص وإسرائيل في المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وأثار تصريح رئيس مؤسسة حلفاء إسرائيل، جوش راينستاين، بشأن اعتبار تركيا «خصماً مشتركاً» لقبرص وإسرائيل، انتقادات في ظل حساسية العلاقة بين نيقوسيا وأنقرة، واستمرار الانقسام القبرصي منذ عقود.
وتقع القضية في صميم نقاش أوسع داخل قبرص حول مدى ملاءمة ربط الأمن الوطني بشراكات إقليمية جديدة، وما إذا كان التعاون مع إسرائيل يعزز قدرة الجزيرة على مواجهة التحديات الأمنية، أم يعرّضها للانخراط بصورة أعمق في صراعات المنطقة.
وتؤكد الأحزاب المؤيدة للمجموعة أن توسيع العلاقات مع إسرائيل يخدم مصالح قبرص في مجالات الدفاع والطاقة والتكنولوجيا. وفي المقابل، يرى معارضون أن هذه الشراكات تحتاج إلى رقابة سياسية واضحة، خصوصاً عندما ترتبط بمنظمات تعمل صراحة على تعزيز مصالح دولة أجنبية.
أكيل يطالب بالشفافية ومراجعة استخدام البرلمان
كان حزب «أكيل» اليساري من أبرز المعترضين على تأسيس المجموعة. واعتبر أن التعاون البرلماني مع «مؤسسة حلفاء إسرائيل» يثير أسئلة بشأن استقلال المؤسسة التشريعية، ولا سيما أن بعض النواب المشاركين ينتمون إلى أحزاب مختلفة، بينها حزب يميني متطرف هو «إيلام».
وفي 19 أكتوبر، وجّه المتحدث البرلماني باسم الحزب، يورغوس لوكايديس، رسالة إلى رئيسة البرلمان أنيتا ديميتريو، طالب فيها بتوضيح كيفية منح الإذن باستخدام إحدى قاعات المجلس لإطلاق المجموعة، والجهة التي وافقت على ذلك، ومصادر تمويل الفعالية، والالتزامات التي قد يكون النواب تعهدوا بها.
ودعا الحزب إلى وضع إطار مؤسسي واضح ينظم عمل المجموعات البرلمانية المرتبطة بمنظمات خارجية، مع إخضاع المسألة للمراجعة الأخلاقية والبرلمانية، ونشر المعلومات اللازمة لضمان الشفافية والمساءلة.
وتكتسب هذه المطالب أهمية لأن العضوية في مجموعة تعاون برلماني لا تعني بالضرورة وجود مخالفة قانونية، كما أن العمل مع منظمة دولية ليس في حد ذاته دليلاً على تلقي النواب تمويلاً أو تعليمات خارجية. لكن الاعتراض يتركز على الحاجة إلى معرفة طبيعة العلاقة، ومصادر الموارد، وما إذا كانت هناك التزامات قد تؤثر في استقلال القرار البرلماني.
«أصدقاء إسرائيل عبر الأطلسي».. مبادرة منفصلة عن مؤسسة حلفاء إسرائيل
لم يقتصر توسيع العلاقات البرلمانية على مجموعة «مؤسسة حلفاء إسرائيل». ففي 30 سبتمبر، أُعلن إطلاق الفرع القبرصي لمنظمة «أصدقاء إسرائيل عبر الأطلسي»، وهي شبكة برلمانية أسسها المعهد عبر الأطلسي التابع للجنة اليهودية الأميركية عام 2019.
ويقود الفرع القبرصي نيكولاس بابادوبولوس، رئيس حزب «ديكو»، بمشاركة نواب من «ديسي» و«إيلام». وتهدف الشبكة، وفق مؤسسيها، إلى تعزيز العلاقات بين قبرص وإسرائيل والولايات المتحدة، وتطوير التعاون في مجالات الأمن والطاقة والدفاع.
وتختلف هذه المبادرة عن المجموعة التي أُطلقت بالتعاون مع مؤسسة حلفاء إسرائيل في 14 أكتوبر؛ فالأولى مرتبطة باللجنة اليهودية الأميركية، بينما تعمل الثانية عبر مؤسسة دولية معنية ببناء شبكات من البرلمانيين المؤيدين لإسرائيل.
ويؤدي التزامن بين المبادرتين إلى اتساع النقاش حول حجم الحضور السياسي المؤيد لإسرائيل داخل البرلمان القبرصي، وما إذا كان من الضروري اعتماد قواعد أكثر تفصيلاً للإفصاح عن أنشطة هذه المجموعات وتمويلها.
اليونان تدخل دائرة الجدل
امتدت القضية إلى اليونان، حيث أُعلن إطلاق مجموعة برلمانية بالتعاون مع مؤسسة حلفاء إسرائيل في أثينا يوم 13 أكتوبر، بعد اجتماع مغلق عُقد في 12 أكتوبر بمشاركة سياسيين يونانيين وممثلين عن المؤسسة، وفق تحقيق نشرته مجموعة «ريبورترز يونايتد» الاستقصائية.
وأفادت التغطية بأن الاجتماع ضم مسؤولين ونواباً من حزب الديمقراطية الجديدة، إلى جانب رئيس الوزراء السابق أنطونيس ساماراس، في لقاء قالت التقارير إنه استهدف تأسيس مجموعة برلمانية مرتبطة بالمؤسسة. وأثار عدم نشر قائمة كاملة بأعضاء المجموعة تساؤلات من قوى سياسية معارضة بشأن طبيعة المبادرة وطريقة تشكيلها.
كما انتقد حزب «ميراإ25 – اليسار المتحد» ما اعتبره توسيعاً للنفوذ الإسرائيلي داخل البرلمان اليوناني، مطالباً بالكشف عن طبيعة الروابط بين النواب والمنظمة، وأسباب عقد بعض اللقاءات بعيداً عن الإعلان العام.
ولا تعني إقامة اجتماع مغلق بالضرورة وجود مخالفة، لكن غياب معلومات واضحة عن العضوية والتمويل والالتزامات يترك مساحة للجدل، ويزيد مطالب الشفافية في بلد ترتبط سياسته الخارجية بملفات أمنية حساسة في شرق المتوسط.
ما أهداف مؤسسة حلفاء إسرائيل؟
تقدم مؤسسة حلفاء إسرائيل نفسها بوصفها شبكة دولية تدعم البرلمانيين المؤيدين لإسرائيل، وتعزز التواصل بين السياسيين والمنظمات الدينية المؤيدة لها. وتقول المؤسسة إنها تعمل في عشرات البرلمانات حول العالم، وتسعى إلى حشد الدعم السياسي لإسرائيل وتعزيز الاعتراف بالقدس عاصمة لها.
وتعود جذور المؤسسة إلى مبادرة أطلقها السياسي الإسرائيلي اليميني بيني إيلون، الذي دعا في السابق إلى ضم الضفة الغربية وتشجيع انتقال الفلسطينيين إلى الأردن ضمن تصوره لحل الصراع. ويثير هذا الإرث انتقادات لدى جهات ترى أن توجهات المؤسسة تتجاوز دعم العلاقات الثنائية إلى الترويج لرؤية سياسية خلافية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لكن وجود مؤسسة ذات موقف معلن ومؤيد لإسرائيل لا يثبت، في حد ذاته، أنها تتحكم في قرارات النواب الذين يتعاونون معها. ويتطلب تقييم تأثيرها معرفة الالتزامات الفعلية للمشاركين، وطبيعة الأنشطة التي تنفذها المجموعات البرلمانية، ومدى خضوعها لقواعد الإفصاح والرقابة في كل دولة.
العلاقات مع إسرائيل بين المصالح الأمنية والاعتراضات السياسية
تعمل قبرص واليونان وإسرائيل على توسيع التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والاتصالات والبنية التحتية، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأمنية في شرق المتوسط، ويحتدم التنافس على النفوذ البحري وموارد الطاقة.
وتقول الأطراف المؤيدة لهذه الشراكات إن التعاون يوفر فرصاً اقتصادية ودفاعية، ويساعد على مواجهة التهديدات الإقليمية. وفي المقابل، يحذر معارضون من أن التوسع في التعاون الأمني قد يربط مصالح الدولتين الأوروبيتين بحسابات إسرائيل الإقليمية، خصوصاً مع استمرار الحرب في غزة وتصاعد الخلافات مع تركيا.
وفي قبرص، يكتسب هذا الجدل بعداً إضافياً بسبب استمرار النزاع مع تركيا، إذ يرى مؤيدو التعاون مع إسرائيل أن الشراكة الأمنية تعزز موقف الجزيرة، بينما يخشى معارضون من أن يؤدي تعريف تركيا باعتبارها «عدواً مشتركاً» إلى زيادة التوتر بدلاً من تخفيفه.
وفي اليونان، تركز الاعتراضات على ضرورة أن تبقى المجموعات البرلمانية خاضعة للمساءلة، وأن تُعلن أسماء أعضائها ومصادر دعمها، حتى يتمكن الناخبون من معرفة طبيعة العلاقات التي تربط ممثليهم بالمنظمات الخارجية.
معركة على الشفافية وحدود النفوذ الخارجي
تكشف التطورات في قبرص واليونان عن صراع سياسي حول حدود التعاون البرلماني الدولي، لا عن دليل قاطع على أن جماعات الضغط تتحكم في المؤسستين التشريعيتين. فالمبادرات الجديدة معلنة، والنواب المشاركون معروفون في قبرص، فيما تركز الاعتراضات في البلدين على الشفافية، وطبيعة الالتزامات، والرسائل السياسية التي تحملها هذه الشراكات.
ومع تواصل التعاون بين إسرائيل وقبرص واليونان والولايات المتحدة، يتوقع أن يبقى الجدل قائماً حول التوازن بين المصالح الدفاعية والاقتصادية من جهة، واستقلال القرار الوطني ومتطلبات القانون الدولي من جهة أخرى.
ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت البرلمانات ستعتمد قواعد أكثر وضوحاً للإفصاح عن أنشطة المجموعات المرتبطة بمنظمات خارجية، أم ستترك تنظيمها للأعراف والممارسات القائمة. وفي الحالتين، فإن نشر المعلومات بشأن التمويل والعضوية والالتزامات سيكون عاملاً حاسماً في تمكين الناخبين من تقييم هذه الشراكات ومساءلة ممثليهم عنها.
اقرأ المزيد
أيباك تتراجع عن التأييد العلني للمرشحين.. هل تعيد رسم نفوذها في واشنطن مع تراجع شعبية إسرائيل؟
زلزال في واشنطن.. “أيباك” تعاقب نوابًا ديمقراطيين بعد تصويتهم لتقليص المساعدات العسكرية لإسرائيل

