وطن-أعاد حكم قضائي في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية فتح النقاش بشأن حرية البحث الأكاديمي وحدود استخدام قوانين الاحتجاز الوقائي، بعدما ألغت محكمة جامو وكشمير ولداخ العليا أمر احتجاز الباحث الكشميري شفعت مقبول واني، معتبرة أن حيازة كتب ذات عناوين مثيرة للجدل لا تكفي وحدها لتبرير احتجازه من دون محاكمة.
وصدر الحكم في 2 سبتمبر 2026، ونُشر في قاعدة الأحكام القضائية في اليوم التالي، عن القاضية موكشا خاجوريا كاظمي، التي خلصت إلى أن السلطات لم تثبت وجود نشاط محدد من جانب واني يبرر استمرار احتجازه بموجب قانون السلامة العامة. كما أشارت المحكمة إلى أن بعض الكتب التي استندت إليها السلطات نُسبت إلى الباحث بوصفه مؤلفًا لها على نحو غير صحيح. ويأتي القرار في وقت تشهد فيه جامو وكشمير إجراءات واسعة لمراجعة محتويات المكتبات والمؤسسات التعليمية، بالتزامن مع استمرار القيود القانونية والأمنية المفروضة على أنشطة أكاديمية وإعلامية تتناول النزاع في الإقليم وتاريخه السياسي.
لماذا ألغت المحكمة احتجاز شفعت واني؟
بدأت القضية عندما اعتُقل واني، الباحث المنحدر من منطقة كوبوارا شمالي كشمير، في إطار قضية مسجلة بموجب قانون الأنشطة غير المشروعة الهندي، الذي يُستخدم في قضايا مكافحة الإرهاب. وفي 13 سبتمبر 2025، وافقت محكمة خاصة تابعة لوكالة التحقيق الوطنية على الإفراج عنه بكفالة، بعد رفض طلب تمديد احتجازه. لكن السلطات لم تفرج عنه، إذ صدر في اليوم نفسه أمر جديد باحتجازه وقائيًا بموجب قانون السلامة العامة في جامو وكشمير، على أساس أن أنشطته قد تشكل خطرًا على أمن الدولة.
وطعن واني في قرار الاحتجاز، معتبرًا أن المبررات المقدمة ضده لا تثبت ارتكابه نشاطًا محددًا يستدعي استمرار احتجازه، وأن السلطات أعادت الاستناد إلى القضية الجنائية نفسها رغم حصوله على الكفالة. وعند النظر في الطعن، خلصت المحكمة إلى أن جهة الاحتجاز لم تُظهر أنها أجرت تقييمًا مستقلًا كافيًا للأنشطة المنسوبة إليه، ولم تقدم وقائع محددة تبرر اللجوء إلى الاحتجاز الوقائي. وأكدت أن صدور قرار الكفالة كان معلومًا للسلطات، لكن ذلك لم يمنعها من إصدار أمر جديد دون إثبات أسباب كافية تبرر هذا الإجراء الاستثنائي.
وبناءً على ذلك، ألغت المحكمة أمر الاحتجاز الصادر في سبتمبر 2025، وأمرت بالإفراج عن واني من الاحتجاز الوقائي فورًا. ولم يكن الحكم تبرئة شاملة من جميع الاتهامات الواردة في القضية الجنائية، بل قرارًا بإبطال أمر الاحتجاز الوقائي لافتقاره إلى الأساس القانوني الكافي.
كتب ومؤتمرات أكاديمية تحولت إلى مبررات للاحتجاز
تضمنت أسباب الاحتجاز التي قدمتها السلطات عدة عناصر، من بينها خلفية عائلة الباحث، والقضية الجنائية المسجلة ضده، ودعوات تلقاها للمشاركة في مؤتمرات أكاديمية دولية، إلى جانب كتب قالت الشرطة إنها عُثر عليها في حيازته. وأورد ملف الاحتجاز أن والده، محمد مقبول واني، كان مرتبطًا في السابق بتنظيم مسلح يُعرف باسم «البرق»، وأنه سلّم نفسه للسلطات عام 1990. كما استندت السلطات إلى ما وصفته بتأثر الابن منذ طفولته بأفكار انفصالية.
لكن المحكمة رأت أن الاستنتاج بشأن تبني واني أفكارًا انفصالية بسبب خلفية والده لم يستند إلى وقائع محددة تثبت قيامه بنشاط يهدد أمن الدولة. واعتبرت أن اللجوء إلى الاحتجاز الوقائي بناءً على مثل هذه الاستنتاجات يعكس قصورًا في تقييم الوقائع. وأُدرجت ضمن المبررات أيضًا دعوات تلقاها الباحث للمشاركة في مؤتمر لطلاب الدراسات العليا في جامعة كولومبيا، ومؤتمر أكاديمي في جامعة دبلن سيتي. ولم تُظهر الوقائع المعروضة على المحكمة أن تلقي هذه الدعوات يشكل، بحد ذاته، نشاطًا تخريبيًا.
كما تضمن ملف الاحتجاز كتابين وُصفا بأنهما من المواد المناهضة للهند، هما «بناء نظام إسلامي في إعادة تخيل الهندوتفا» و«تزعفر كشمير المحتلة: تفكيك مستوطني الهندوتفا ومصممي الاستعمار». وقالت السلطات إن الكتاب الأول من تأليف واني، لكن المحكمة أشارت إلى أن نسبة تأليفه إليه كانت خاطئة.
وشددت القاضية على أن الباحث الأكاديمي يُتوقع منه الاطلاع على طيف واسع من المواد الأدبية والفكرية، وأن حيازة كتب ذات عناوين كئيبة أو مثيرة للجدل لا تحول صاحبها تلقائيًا إلى مجرم يستحق الاحتجاز الوقائي. ويعني ذلك أن الحكم لم يقرر أن كل ما تتضمنه الكتب مقبول قانونيًا، لكنه أكد أن مجرد وجودها لدى الباحث لا يكفي لتبرير حرمانه من الحرية، ما لم تُثبت السلطات أساسًا قانونيًا ووقائع محددة تبرر هذا الإجراء.
قانون السلامة العامة والاحتجاز من دون محاكمة
يستند أمر احتجاز واني إلى قانون السلامة العامة في جامو وكشمير، الذي يسمح للسلطات باستخدام الاحتجاز الوقائي لمنع أنشطة ترى أنها تهدد أمن الدولة أو النظام العام، من دون اشتراط صدور إدانة جنائية مسبقة. ويمنح هذا القانون السلطات صلاحيات واسعة في تقييد الحرية، ما يجعل إخضاع قرارات الاحتجاز للمراجعة القضائية أمرًا مهمًا في القضايا التي تعتمد على معلومات استخباراتية أو استنتاجات أمنية غير مدعومة بأدلة واضحة أمام القضاء.
وفي قضية واني، لم تقتصر ملاحظات المحكمة على مسألة الكتب، بل شملت اعتماد جهة الاحتجاز على قضية كان الباحث قد حصل فيها بالفعل على الكفالة، إلى جانب مبررات لم تثبت وجود نشاط محدد يبرر استمرار احتجازه.
وتسلط القضية الضوء على التوتر بين مبررات الأمن التي تقدمها السلطات، ومتطلبات التناسب والضرورة القانونية عند سلب الحرية. كما تعيد طرح السؤال بشأن الحد الفاصل بين التحقيق الجنائي الذي يخضع لإجراءات المحاكمة، والاحتجاز الوقائي الذي قد يستمر حتى في غياب إدانة قضائية.
حملة واسعة لمراجعة الكتب في كشمير
لا ينفصل الحكم عن حملة أوسع لمراجعة المؤلفات والمواد الأكاديمية في الإقليم. ففي 5 أغسطس 2025، أصدرت إدارة جامو وكشمير قرارًا بحظر نشر وتداول 25 كتابًا عن كشمير، بحجة أنها تروج لروايات زائفة أو نزعات انفصالية أو مضامين مرتبطة بتبرير العنف.
وضمت القائمة أعمالًا لباحثين وكتاب معروفين، من بينهم أرونداتي روي، والخبير الدستوري الهندي إيه جي نوراني، وحفصة كنجوال، وفيكتوريا سكوفيلد، إلى جانب مؤلفات عن تاريخ كشمير وحقوق الإنسان والنزاع مع الهند. وشملت القائمة كتبًا صادرة عن دور نشر أكاديمية دولية. وقالت السلطات إن القرار يستهدف منع تداول مواد ترى أنها تمس سيادة الهند ووحدتها وأمنها، بينما انتقد باحثون وحقوقيون الخطوة، معتبرين أنها تضع قيودًا على الاطلاع على تاريخ الإقليم ومصادره المتنوعة.
وتوسعت عملية مراجعة المحتوى خلال عام 2026 لتشمل المكتبات والمؤسسات التعليمية. وفي سبتمبر، كشفت إجابة حكومية أمام الجمعية التشريعية أن السلطات راجعت 2,181,582 كتابًا ومنشورًا، وسحبت 4,249 كتابًا من التداول بسبب محتوى اعتُبر «اعتراضيًا»، وأحالت 1,752 عنوانًا آخر إلى فحص الخبراء.
كما أُزيلت 518 نسخة من 19 عنوانًا سبق حظرها رسميًا. ولم تتضمن الإجابة الحكومية قائمة تفصيلية بأسماء جميع الكتب المسحوبة، وهو ما أثار اعتراض النائب المستقل الشيخ خورشيد، الذي طالب بمزيد من الشفافية بشأن المواد التي أُزيلت ومعايير تصنيفها.
الجامعات والمكتبات تحت التدقيق
بحسب تقارير صحفية محلية، شملت عملية المراجعة الكتب والمجلات والرسائل الجامعية والأطروحات والموارد الرقمية المتاحة في مؤسسات التعليم العالي، ضمن آلية قالت الحكومة إنها تهدف إلى تقييم الدقة العلمية والملاءمة التعليمية ومدى توافق المحتويات مع القانون والسياسات الرسمية.
وتقول السلطات إن الهدف هو منع تداول المواد التي تصفها بأنها مضللة أو تحريضية أو تبرر الإرهاب والعنف والانفصال. لكن منتقدين يرون أن غياب نشر قوائم دقيقة بجميع الكتب المسحوبة ومعايير مستقلة مفصلة لتقييمها يجعل من الصعب التحقق من مدى اتساق القرارات مع الأهداف التعليمية المعلنة.
وتزداد المخاوف عندما تمتد المراجعة إلى الرسائل الأكاديمية والموضوعات التي تتناول النزاع في كشمير من منظور تاريخي أو نقدي. فالباحثون والطلاب يحتاجون إلى الوصول إلى طيف من المؤلفات، بما في ذلك الكتب التي تختلف استنتاجاتها عن الرواية الرسمية، من أجل المقارنة والتحليل وتكوين مواقف مبنية على مصادر متعددة.
وفي هذا السياق، قال النائب الشيخ خورشيد إن عدم نشر أسماء الكتب المسحوبة يحد من قدرة المشرعين والجمهور على تقييم القرار الحكومي. كما أثار حجم المواد التي خضعت للمراجعة تساؤلات حول كيفية تحديد المحتوى المقبول والجهة المخولة اتخاذ القرار النهائي بشأنه. ولا يعني عدد الكتب التي خضعت للفحص أن جميعها حُظرت؛ فالأرقام الحكومية تميز بين الكتب المسحوبة من التداول، والعناوين التي أُحيلت إلى خبراء، والنسخ التي أزيلت تنفيذًا لقرارات الحظر السابقة.
مخاوف من الرقابة الذاتية على الباحثين والكتّاب
إلى جانب القيود الرسمية، يحذر أكاديميون وكتاب من أن اتساع إجراءات المراجعة والحظر قد يدفع العاملين في المجال الثقافي إلى الرقابة الذاتية، خصوصًا عند تناول موضوعات حساسة تتصل بتاريخ كشمير وهويتها السياسية والنزاع المستمر حولها.
ونقلت تقارير صحفية عن كتاب وباحثين قولهم إن بعضهم أصبح يتجنب موضوعات معينة خشية أن تؤدي كتاباته أو المواد التي يقتنيها إلى ملاحقة قانونية. ويرى هؤلاء أن التأثير لا يقتصر على منع نشر مؤلفات محددة، بل قد يمتد إلى اختيار موضوعات البحث، وتنظيم الندوات، واستضافة متحدثين، وتطوير المناهج الدراسية.
وقالت أستاذة الأنثروبولوجيا ودراسات النوع الاجتماعي أثر ضياء، التي أُدرج أحد أعمالها ضمن الكتب المحظورة، إن تحويل الكتب إلى مواد يُخشى تداولها يؤثر في قدرة الباحثين على القراءة الواسعة وطرح الأسئلة. ويرى أكاديميون آخرون أن حرية البحث لا تتعلق بحق الباحث الفرد في الكتابة فقط، بل بقدرة المجتمع على فحص رواياته التاريخية ومناقشة سياساته العامة.
وفي المقابل، تصر الحكومة على أن المؤسسات التعليمية مطالبة بالحفاظ على المعايير الأكاديمية والالتزام بالقانون وحماية الأمن الوطني. وتبقى نقطة الخلاف الأساسية هي كيفية التوفيق بين هذه الأهداف وبين ضمان ألا تتحول المراجعة إلى وسيلة لمنع النقاش الأكاديمي المشروع.
وضع كشمير منذ إلغاء المادة 370
تأتي هذه التطورات ضمن سياق سياسي أوسع بدأ في أغسطس 2019، عندما ألغت الحكومة الهندية الوضع الدستوري الخاص الذي كانت تتمتع به جامو وكشمير بموجب المادة 370 من الدستور الهندي، وأعادت تنظيم المنطقة إداريًا. ودافعت الحكومة المركزية عن الخطوة بوصفها وسيلة لتعزيز اندماج الإقليم في الهند وتوحيد تطبيق القوانين، بينما اعتبرها منتقدون تقليصًا للحكم الذاتي المحلي وتغييرًا في العلاقة الدستورية بين الإقليم والحكومة المركزية.
ومنذ ذلك الحين، استمرت الخلافات بشأن الصلاحيات السياسية والأمنية، وحقوق السكان، والحريات المدنية، وقوانين الإقامة والعمل، في ظل استمرار النزاع التاريخي حول كشمير بين الهند وباكستان، مع مطالب داخل الإقليم تختلف بشأن مستقبله السياسي. ويكتسب الحكم الصادر بحق واني أهمية لأنه يحدد حدودًا قانونية لاستخدام الاحتجاز الوقائي في قضية فردية، لكنه لا يلغي قرارات حظر الكتب ولا ينهي تلقائيًا عملية مراجعة المكتبات. ومع ذلك، فإنه يقدم معيارًا قضائيًا واضحًا: لا تكفي العناوين المثيرة للجدل أو الخلفية العائلية أو المشاركة الأكاديمية وحدها لتبرير سلب الحرية من دون بيان نشاط محدد يقتضي الاحتجاز.
حكم يعيد السؤال عن حدود الأمن وحرية المعرفة
يمثل قرار محكمة جامو وكشمير ولداخ العليا محطة مهمة في قضية واني، لأنه أعاد التأكيد على ضرورة استناد الاحتجاز الوقائي إلى أسباب قانونية محددة، وعلى أن حيازة الكتب لا تثبت بحد ذاتها تورط صاحبها في نشاط يهدد الأمن. لكنه يأتي في الوقت نفسه ضمن واقع أوسع من مراجعة الكتب وحظر بعضها وتدقيق المواد الأكاديمية في الإقليم، ما يجعل أثره متعلقًا بقدر ما ستلتزم السلطات بالمبدأ الذي أكدته المحكمة في قراراتها اللاحقة.
وبينما تتمسك الحكومة الهندية بمبررات الأمن والوحدة الوطنية، يطالب أكاديميون وحقوقيون بمعايير أكثر شفافية وقابلية للمراجعة، تضمن ألا تتحول الكتب والبحوث والمشاركة في المؤتمرات إلى قرائن أمنية بذاتها.
وفي نهاية المطاف، لا يتوقف اختبار حرية البحث في كشمير على حكم واحد فحسب، بل على ما إذا كانت المؤسسات التعليمية والمكتبات والباحثون سيستطيعون مواصلة العمل في بيئة تسمح بمناقشة التاريخ والسياسة والمجتمع عبر مصادر متعددة، من دون أن تصبح القراءة أو الكتابة النقدية أساسًا للاحتجاز الوقائي.
اقرأ المزيد
كشمير بعد إلغاء الحكم الذاتي: كيف غيّرت الهند الخريطة السكانية والسياسية للإقليم؟
قيود الهند الأمنية بعد هجوم باهالغام تضرب السياحة ومداخيل السكان في كشمير
الهند تصعّد حملة تطهير الكتب في كشمير.. هل تتحول المكتبات إلى ساحة صراع على الذاكرة والتاريخ؟
احتجاجات كشمير الخاضعة لإدارة باكستان تتجاوز أزمة الغلاء.. غضب شعبي يهز شرعية السلطة

