وطن-لم تعد الاحتجاجات التي تشهدها كشمير الخاضعة لإدارة باكستان تقتصر على الاعتراض على ارتفاع أسعار الكهرباء والدقيق، بل تحولت إلى حركة سياسية واسعة تطعن في طريقة إدارة الإقليم وعلاقته بالحكومة المركزية في إسلام آباد، في تطور يعد من أبرز التحديات الداخلية التي تواجهها باكستان في المنطقة منذ عقود.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، فإن حالة السخط الشعبي التي بدأت بمطالب اقتصادية تحولت تدريجياً إلى نقاش أوسع حول الحكم المحلي والتمثيل السياسي وشرعية المؤسسات، في وقت تشهد فيه المنطقة احتجاجات ومقاطعة انتخابية ومواجهات بين المحتجين وقوات الأمن.
من أزمة معيشية إلى احتجاج سياسي
بدأت موجة الغضب مع تصاعد تكاليف المعيشة وارتفاع فواتير الكهرباء وأسعار الدقيق، وهي أعباء أثقلت كاهل السكان في إقليم يعاني أساساً من معدلات بطالة مرتفعة وضعف التنمية والبنية التحتية.
وقادت الاحتجاجات لجنة العمل الشعبي المشتركة (JAAC)، وهي ائتلاف يضم تجاراً ومحامين وطلاباً وناشطين وشخصيات محلية، بعيداً عن الأحزاب السياسية التقليدية.
وركزت الحركة منذ انطلاقها على قضايا معيشية مباشرة، بينها:
- خفض أسعار الكهرباء.
- تخفيض أسعار الدقيق.
- تقليل الضرائب.
- تحسين الخدمات العامة.
- مكافحة البطالة.
ومع مرور الوقت، توسعت المطالب لتشمل إصلاحات سياسية أعمق تتعلق بطريقة إدارة الإقليم وعلاقته بالحكومة المركزية.
بطالة مرتفعة وتنمية متعثرة
تشير البيانات التي استعرضها التقرير إلى أن معدل بطالة الشباب في الإقليم يقترب من 27%، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط الوطني في باكستان، بينما لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق العمل الرسمي 8%.
كما لا تزال مناطق واسعة تعاني ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، إضافة إلى استمرار آثار الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة عام 2005.
ويرى باحثون أن هذه الظروف خلقت جيلاً جديداً يشعر بأن القضايا المعيشية أصبحت أكثر إلحاحاً من الجدل التقليدي حول مستقبل كشمير السياسي.
الحكومة قدمت تنازلات.. لكن الاحتجاجات استمرت
أمام اتساع الاحتجاجات خلال عامي 2024 و2025، وافقت السلطات على عدد من الإجراءات، أبرزها:
- تخفيض أسعار الكهرباء.
- تقديم دعم لأسعار الدقيق.
لكن كثيراً من الناشطين اعتبروا هذه الخطوات حلولاً مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة المتعلقة بالتنمية والحوكمة وتوزيع السلطة.
مقاعد اللاجئين تشعل الخلاف
إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل تتعلق بتركيبة برلمان الإقليم. فمن أصل 53 مقعداً، ينتخب سكان الإقليم 33 نائباً فقط، بينما تخصص 12 مقعداً لكشميريين يقيمون في باكستان منذ موجات النزوح التي أعقبت حربي 1947 و1965.
ويؤكد مؤيدو هذا النظام أنه يحافظ على حقوق اللاجئين ويعزز الموقف الباكستاني بشأن وضع كشمير المتنازع عليه.
في المقابل، ترى المعارضة أن هذه المقاعد تمنح الحكومة المركزية نفوذاً كبيراً في تشكيل الحكومات المحلية، رغم أن أصحاب الأصوات لا يعيشون داخل الإقليم.
ويقول منتقدون إن هذا النظام ساهم في حالة عدم الاستقرار السياسي، حيث شهدت الدورة البرلمانية الحالية تعاقب أربعة رؤساء للحكومة المحلية خلال فترة قصيرة.
انتخابات تحت المقاطعة
مع تصاعد الدعوات إلى مقاطعة الانتخابات، قررت السلطات تنظيم الاقتراع على ثلاث مراحل بين 27 يوليو و10 أغسطس.
غير أن المشاركة جاءت منخفضة خلال المرحلتين الأوليين، وهو ما دفع عدداً من المحللين إلى التشكيك في قدرة البرلمان الجديد على اكتساب شرعية شعبية واسعة.
وزادت الخلافات السياسية تعقيداً بعد تبادل الاتهامات بين الأحزاب الرئيسية بشأن نزاهة العملية الانتخابية.
احتجاجات وقمع واتهامات متبادلة
مع توسع المطالب السياسية، اتخذت السلطات إجراءات أكثر تشدداً. ففي يونيو الماضي حظرت السلطات لجنة العمل الشعبي المشتركة بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، كما اعتقلت عدداً من قياداتها، بينهم رئيس اللجنة شوكت مير.
وبعد تعثر جولة جديدة من المفاوضات، أعلنت الحركة تنظيم مسيرة احتجاجية جديدة، قبل أن تشهد المنطقة مواجهات دامية.
وتشير تقديرات مستقلة إلى مقتل أكثر من 45 شخصاً منذ بداية يونيو، بينهم محتجون وعناصر أمن ومدنيون، بينما يصعب التحقق من الأرقام بصورة مستقلة بسبب انقطاع الإنترنت وفرض حظر التجول في عدة مناطق.
الحكومة: الإصلاح يكون عبر المؤسسات
تؤكد الحكومة الباكستانية أن الخلافات الدستورية يجب أن تُحل عبر القضاء والمؤسسات المنتخبة، وليس من خلال الاحتجاجات في الشوارع.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني الفريق أحمد شريف تشودري إن السلطات شجعت المحتجين على خوض الانتخابات والسعي إلى الإصلاح عبر البرلمان والمحاكم، معتبراً أن استخدام القوة في العمل السياسي أمر مرفوض لأن احتكار استخدام القوة يعود إلى الدولة.
في المقابل، ترفض لجنة العمل الشعبي المشتركة الاتهامات الرسمية التي تربطها بجهات خارجية، مؤكدة أن تحركها سلمي ويهدف إلى المطالبة بحقوق سياسية واقتصادية أساسية.
تأثير إلغاء المادة 370
يرى التقرير أن الجدل الحالي لا يمكن فصله عن قرار الهند في أغسطس 2019 بإلغاء المادة 370 التي كانت تمنح الشطر الخاضع لها من كشمير وضعاً خاصاً.
وأثار ذلك القرار نقاشاً داخل كشمير الخاضعة لإدارة باكستان حول مستقبل الإقليم، كما عزز مخاوف بعض السكان من احتمال تغيير وضعه القانوني مستقبلاً.
ورغم عدم إعلان الحكومة الباكستانية أي خطط بهذا الشأن، فإن هذه المخاوف غذّت المطالب بتوسيع الحكم الذاتي وتعزيز صلاحيات المؤسسات المحلية.
مستقبل مفتوح على احتمالات عدة
يرى مراقبون أن الأزمة الحالية تجاوزت حدود المطالب الاقتصادية، وأصبحت تعكس أزمة ثقة بين جزء من سكان الإقليم والسلطات المحلية والمركزية.
ومع استمرار الاحتجاجات والانقسام السياسي وتراجع الثقة في العملية الانتخابية، تبدو كشمير الخاضعة لإدارة باكستان أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم العلاقة بين الإقليم وإسلام آباد، في وقت تتزايد فيه المطالب بالمشاركة السياسية والشفافية والإصلاح المؤسسي.
قد يعجبك

