وطن-قد يفاجئ الأطفال آباءهم بأسئلة تبدو محرجة أو غير متوقعة، لكنها غالبًا ما تعكس محاولتهم فهم العالم من حولهم. ومن بين هذه الأسئلة أن يفتح الطفل هدية عيد ميلاده، ثم يسأل قبل أن يبدأ باللعب: «كم ثمن هذه الهدية؟».
قد يثير هذا السؤال حيرة الوالدين: هل يقارن الطفل هديته بما حصل عليه أصدقاؤه؟ وهل أصبح يهتم بالمال أكثر من متعة الهدية؟ أم أنه يحاول ببساطة فهم الأسعار وكيف يختار الكبار ما يشترونه؟ وبحسب ما أوردته مجلة «سان إي ناتيرال» الفرنسية، فإن سؤال الطفل عن ثمن الهدية لا يعني بالضرورة أنه مادي أو قليل الامتنان، بل قد يكون جزءًا طبيعيًا من تطور فهمه للمال، واكتشافه أن الأشياء تختلف في أسعارها، وأن الكبار يتخذون قرارات الشراء بناءً على عوامل متعددة.
لماذا يهتم الطفل بسعر الهدية؟
مع التقدم في العمر، يبدأ الطفل في ملاحظة أن لكل شيء ثمنًا، وأن بعض الأشياء أغلى من غيرها. وقد يعتقد في البداية أن اللعبة الأعلى سعرًا هي الأفضل دائمًا، أو يستغرب أن يكون غرض صغير أغلى من هدية أكبر حجمًا. لكن السؤال عن السعر قد يكون مجرد محاولة لفهم هذه الفروق. فالطفل يريد أن يعرف لماذا تُباع لعبة بسعر معين، بينما تكلف لعبة أخرى أكثر منها، وما الذي يجعل منتجًا أغلى من غيره.
وتشير أبحاث في علم نفس الطفل وسلوك المستهلك إلى أن فهم الأطفال للمال والقيمة يتطور تدريجيًا. وقد تناولت دراسة نُشرت عام 2016 في مجلة «جورنال أوف بيزنس ريسيرش» كيفية إدراك الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و14 عامًا لقيمة المنتجات.
وتشير نتائج هذا النوع من الأبحاث إلى أن الأطفال لا يقيّمون الأشياء بناءً على السعر وحده، بل يتأثر حكمهم أيضًا بالفائدة التي يحصلون عليها، والمتعة التي توفرها لهم، ومدى رغبتهم في امتلاكها.
لذلك، عندما يسأل الطفل عن سعر هدية أو حذاء أو لعبة يملكها أحد أصدقائه، فقد يكون ببساطة يحاول فهم العلاقة بين المال والمنفعة والرغبة، وليس التقليل من قيمة ما حصل عليه.
كيف يتعلم الطفل التعامل مع المال؟
لا يكتسب الأطفال فهمهم للمال من الشرح المباشر فقط، بل يتعلمون أيضًا من مراقبة تصرفات الوالدين في الحياة اليومية.فهم يلاحظون عندما يقارن الأب أو الأم بين الأسعار، أو ينتظران التخفيضات، أو يختاران منتجًا أقل تكلفة، أو يتراجعان عن شراء شيء لأن ثمنه مرتفع. وتساعد هذه المواقف الطفل على إدراك أن المال يرتبط بالاختيار، وأن الأسرة لا تستطيع شراء كل ما ترغب فيه في كل وقت.
وفي دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة «جورنال أوف كونسومر أفيرز»، درس باحثون المعرفة المالية لدى 817 طفلًا بريطانيًا تتراوح أعمارهم بين 4 و6 سنوات. وأشارت النتائج إلى ارتباط الحديث المنتظم بين الوالدين والأطفال بشأن قرارات الشراء بمستوى أفضل من الفهم المالي لدى الأطفال. ولا يعني ذلك أن الحوار وحده يفسر الفروق في المعرفة المالية، لكنه يشير إلى أهمية إشراك الأطفال، بما يتناسب مع أعمارهم، في أحاديث بسيطة عن الإنفاق والاختيار والادخار.
كما أظهرت نتائج اختبار الثقافة المالية الدولي لعام 2022، التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عام 2024، وجود ارتباط بين مناقشة المال مع الوالدين ومشاركة المراهقين في بعض قرارات الإنفاق وبين أدائهم في الثقافة المالية.
ولا يحتاج الوالدان إلى تحويل كل سؤال إلى درس طويل. فقد يكفي أن يشرحا للطفل: «اخترنا هذا المنتج لأنه أنسب لاحتياجاتنا»، أو «انتظرنا التخفيضات حتى نشتريه بسعر أقل»، لمساعدته على فهم أن الشراء يعتمد على المقارنة والتخطيط، وليس على الرغبة وحدها.
هل يدل السؤال عن السعر على قلة الامتنان؟
ليس بالضرورة. فقد يسأل الطفل عن ثمن الهدية لأنه فضولي، أو لأنه يريد مقارنتها بشيء يعرفه، أو لأنه بدأ يلاحظ أن الأشياء التي يحبها تختلف في أسعارها. ولا ينبغي تفسير السؤال تلقائيًا على أنه جحود أو مادية. فالأطفال لا يولدون وهم يفهمون الفرق بين السعر والقيمة، بل يكتسبون هذا الفهم تدريجيًا من خلال التجربة والملاحظة والحوار.
وقد يحب الطفل كتابًا بسيطًا لأن أحد والديه يقرأه له كل مساء، بينما يفقد اهتمامه بلعبة باهظة الثمن بعد أيام قليلة. وهذا يوضح أن قيمة الهدية بالنسبة إليه قد ترتبط بالمتعة والذكريات والاهتمام، لا بالمبلغ المدفوع فقط.
ومن المفيد أن يساعد الوالدان الطفل على إدراك أن السعر هو المبلغ الذي ندفعه مقابل الشيء، أما قيمته بالنسبة إلينا فقد ترتبط بما يقدمه لنا، وبمدى حاجتنا إليه، وبالمعنى العاطفي الذي يحمله.
كيف ترد على طفلك عندما يسأل عن ثمن الهدية؟
يمكن للوالدين تحويل هذا السؤال إلى فرصة تربوية تساعد الطفل على فهم المال، من دون إشعاره بالذنب أو تحميله مسؤوليات تفوق عمره.
أولًا: أجب عن السؤال بهدوء
إذا كان الطفل صغيرًا ويسأل بدافع الفضول، يمكن تقديم إجابة بسيطة ومناسبة لعمره، مثل: «ثمنها 20 يورو، واخترناها لك لأنها تناسبك واعتقدنا أنك ستستمتع بها». ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيل الميزانية العائلية أو شرح الالتزامات المالية التي قد لا يستطيع الطفل فهمها بعد.
ثانيًا: اشرح سبب اختلاف الأسعار
إذا قارن الطفل بين لعبتين، يمكن توضيح أن السعر قد يتأثر بالجودة أو الحجم أو المواد المستخدمة أو طريقة التصنيع أو مدة الاستخدام. ويساعد ذلك على فهم أن الشيء الأغلى ليس بالضرورة الأفضل في كل الحالات.
ثالثًا: تحدث معه عن قيمة الهدية
يمكن أن تسأله: «ما أكثر شيء أعجبك فيها؟» أو «هل تحبها لأنها ممتعة أم لأنها تذكّرك بالشخص الذي أهداك إياها؟». وتساعد هذه الأسئلة الطفل على التفكير في جوانب أخرى من قيمة الأشياء، مثل المتعة والاهتمام والذكريات، بدل التركيز على السعر وحده.
رابعًا: أشركه في قرارات شراء بسيطة.
يمكن اصطحاب الطفل إلى المتجر ومساعدته على مقارنة الأسعار، أو التخطيط لشراء لعبة، أو الادخار من أجل غرض يرغب فيه. ومن خلال هذه التجارب، يتعلم تدريجيًا أن المال محدود وأن الإنفاق يتطلب الاختيار وتحديد الأولويات.
خامسًا: تجنب إشعاره بالذنب.
من الأفضل عدم الرد بعبارات مثل: «لماذا تسأل عن السعر؟» أو «كان عليك أن تفرح بالهدية فقط». فقد يفهم الطفل من هذه الردود أن مجرد السؤال عن المال أمر خاطئ، مع أنه قد يكون محاولة طبيعية للتعلم.
لا تنقل إلى طفلك القلق المالي للكبار
الحديث عن المال لا يعني تحميل الأطفال أعباء المشكلات المالية للأسرة، أو إشعارهم بالذنب عند شراء شيء لهم. الهدف هو مساعدتهم على فهم الاختيارات والحدود والأولويات، بطريقة تتناسب مع أعمارهم وقدرتهم على الاستيعاب. وإذا أصبح الطفل يربط باستمرار بين قيمة الأشخاص والمبالغ التي ينفقونها، أو يعبّر عن قلق شديد بشأن المال، فيمكن للوالدين استكشاف ما يقف وراء هذه الأفكار بهدوء، ومراجعة الرسائل التي يتلقاها في المنزل أو من محيطه. لكن السؤال العابر عن ثمن هدية لا يكفي وحده للحكم على سلوكه أو شخصيته.
في النهاية، لا يستدعي سؤال الطفل «كم ثمن هذه الهدية؟» القلق في معظم الحالات. فقد يكون مدخلًا بسيطًا لتعليمه الفرق بين السعر والقيمة، وكيفية اتخاذ قرارات الشراء، وأهمية الامتنان والاهتمام بالآخرين. فالهدية لا تُقاس بالمبلغ المدفوع فيها وحده، بل أيضًا بالمعنى الذي تحمله والفرحة التي تمنحها والذكرى التي تتركها.
اقرأ المزيد
الرعب الليلي عند الأطفال: ما الذي يحتاج الوالدان لمعرفته..
الأطفال الانطوائيون يكتسبون 8 صفات نادرة في مرحلة البلوغ وفق عالمة النفس جيسيكا ريبيرو
10 عادات غريبة تكشف ذكاء الأطفال وتفوقهم المبكر وتثير دهشة المحيطين بهم..

