وطن-تدرس إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف بعض العقوبات المفروضة على ناقلات النفط المرتبطة بروسيا وإيران، والمعروفة باسم «أسطول الظل»، في ظل الارتفاع الحاد في أسعار الديزل وتكاليف الشحن البحري، وفق تقارير إعلامية وتصريحات منسوبة إلى مسؤولين أمريكيين. وتكشف هذه المناقشات عن معادلة صعبة تواجه واشنطن بين مواصلة الضغط الاقتصادي على موسكو وطهران، والحد من ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل قبل انتخابات التجديد النصفي.
وبحسب موقع «ميدل إيست آي»، تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة اضطرابات واسعة، مع ارتفاع كلفة نقل النفط والمنتجات البترولية إلى مستويات تؤثر في قدرة المصدرين الأمريكيين على الوصول إلى أسواق رئيسية، من بينها الصين وأوروبا.
تخفيف محتمل للعقوبات على ناقلات النفط
نقلت مجموعة الأبحاث «إنرجي أسبكتس» عن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت قوله، في كلمة مصورة أمام منتدى للطاقة في الرياض، إن الإدارة الأمريكية تبحث خيارات لتخفيف القيود المفروضة على سفن «أسطول الظل»، في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الشحن.
وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن أحد الخيارات المطروحة يتمثل في السماح ببيع السفن المدرجة على قوائم العقوبات إلى مشغلين غير خاضعين لها، مع إمكانية رفع القيود عنها لاحقاً. كما أفادت تقارير نقلتها وكالة «رويترز» بأن واشنطن تدرس السماح بنقل نفط لا تشمل شحناته العقوبات الأمريكية على متن بعض السفن التي كانت خاضعة للقيود.
ولا يعني بحث هذه الخيارات أن الولايات المتحدة قررت رفع العقوبات بصورة شاملة؛ إذ يتعلق الأمر بإجراءات محتملة قد تتيح استخدام بعض الناقلات في نقل شحنات مسموح بها قانونياً، مع إبقاء القيود الأخرى قائمة وفق طبيعة كل سفينة والجهات المرتبطة بها.
«أسطول الظل» يوسّع تأثير العقوبات في سوق الشحن
يشير مصطلح «أسطول الظل» إلى شبكة من ناقلات النفط التي تُستخدم لنقل شحنات مرتبطة بدول أو جهات خاضعة للعقوبات، وغالباً ما تعتمد على ترتيبات ملكية وتشغيل وتأمين معقدة لتجاوز القيود المفروضة على تجارتها.
وبرز هذا الأسطول بصورة أكبر بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، وإعادة فرض عقوبات واسعة على قطاع النفط الإيراني. ومع توسع العقوبات على روسيا أيضاً، ازدادت أهمية الناقلات البديلة في نقل النفط إلى الأسواق العالمية.
وبحسب تقديرات «إنرجي أسبكتس» التي أوردها «ميدل إيست آي»، بات نحو 15% من أسطول ناقلات النفط العالمي خاضعاً للعقوبات الأمريكية. ويعكس هذا الرقم حجم القيود المفروضة على قطاع النقل البحري، وما قد تسببه من تقليص عدد السفن المتاحة ورفع تكاليف الشحن والتأمين.
أسعار الديزل تدفع واشنطن للبحث عن حلول
تأتي المناقشات الأمريكية وسط ارتفاع أسعار الديزل داخل الولايات المتحدة، إذ أفاد التقرير بزيادة بلغت نحو 16% خلال شهر واحد. ويزيد ارتفاع تكاليف النقل من الأعباء التي تواجه شركات الطاقة والمصدرين، كما يرفع الضغوط الاقتصادية على الإدارة الأمريكية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وتوضح هذه التطورات كيف يمكن للعقوبات، رغم استهدافها إضعاف عائدات الدول المستهدفة، أن تؤثر أيضاً في حركة التجارة العالمية وتكاليف نقل الطاقة، خصوصاً عندما تتقلص خيارات الشحن المتاحة أو تضطر الشركات إلى الاعتماد على مسارات أطول وأكثر كلفة.
وفي هذا السياق، نقلت تقارير عن شركة «غيبسون شيب بروكرز» مقارنة لافتة بين تكلفة شحن النفط وتكلفة إطلاق الصواريخ إلى الفضاء. ووفق الأرقام الواردة في التقرير، بلغت تكلفة إرسال ناقلة نفط خام عملاقة من ساحل الخليج الأمريكي إلى الشرق الأقصى نحو 80 مليون دولار، مقابل نحو 74 مليون دولار لإطلاق صاروخ «فالكون 9» التابع لشركة «سبيس إكس».
وتوضح المقارنة حجم الارتفاع في تكاليف نقل النفط، لكنها لا تعني أن جميع الرحلات البحرية أو عمليات الشحن تتكبد المبالغ نفسها؛ إذ تختلف التكلفة بحسب حجم الناقلة والمسار وظروف السوق.
مضيق هرمز والبحر الأحمر يزيدان اضطراب السوق
لا ترتبط زيادة تكاليف الشحن بالعقوبات وحدها، بل تتداخل معها المخاطر الأمنية التي تواجه طرق نقل الطاقة في الشرق الأوسط، فوفقاً للتقرير، دفعت المخاوف المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعض شركات النقل إلى إعادة تنظيم حركة الشحن وتقليل المخاطر في منطقة الخليج، بينما أدت التوترات حول مضيق هرمز إلى اضطراب حركة صادرات النفط والمنتجات المكررة.
كما أسهمت المخاطر في البحر الأحمر في دفع بعض الناقلات إلى استخدام طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح لتجنب هجمات الحوثيين. وتؤدي هذه المسارات الإضافية إلى زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التشغيل، ما ينعكس على أسعار النقل البحري.
ويؤدي اجتماع هذه العوامل إلى ضغط إضافي على سوق الناقلات، إذ تتنافس شركات الطاقة على عدد محدود من السفن المتاحة، في وقت تزداد فيه المخاطر والتكاليف المرتبطة بنقل الشحنات عبر بعض الممرات البحرية الحيوية.
واشنطن تشدد العقوبات وتبحث في الوقت نفسه عن تخفيفها
على الرغم من بحث تخفيف بعض القيود على ناقلات النفط، تواصل إدارة ترامب الضغط الاقتصادي على إيران. ووفق المعلومات الواردة في التقرير، فرضت واشنطن عقوبات جديدة على 16 فرداً و10 كيانات داخل إيران خلال الأسبوع نفسه.
ويكشف تزامن المسارين عن صعوبة الموازنة بين الأهداف السياسية والاقتصادية للعقوبات. فمن جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من عائدات النفط التي تحصل عليها طهران وموسكو، ومن جهة أخرى، تحاول تجنب تفاقم اضطرابات سوق الطاقة وارتفاع تكاليف الوقود والنقل داخل البلاد.
وبحسب «رويترز»، اتخذت واشنطن في الأسبوع السابق خطوة لتخفيف القيود المرتبطة بوقود الديزل الروسي، وهو ما أثار انتقادات أوكرانية خشية أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى إضعاف الضغط الغربي على موسكو بسبب الحرب.
وتضع هذه الإجراءات الإدارة الأمريكية أمام اختبار يتعلق بمدى قدرتها على استخدام العقوبات بصورة انتقائية، بحيث تحافظ على الضغط على خصومها، مع الحد من الآثار الاقتصادية غير المرغوبة على الأسواق الأمريكية والعالمية.
«أسطول الظل» بين العقوبات وأمن الطاقة العالمي
لم يعد ملف ناقلات «أسطول الظل» مقتصراً على محاولات الالتفاف على العقوبات المفروضة على النفط الروسي والإيراني، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بأمن الطاقة وتكاليف النقل وحركة الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وقد يتيح تخفيف بعض القيود زيادة عدد الناقلات المتاحة لنقل شحنات معينة، لكنه لا يضمن وحده انخفاض أسعار الديزل أو تكاليف الشحن، لأن الأسعار تتأثر كذلك بمستويات الطلب، وتوافر السفن، ومخاطر الملاحة، والتطورات العسكرية.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، ستواجه واشنطن معادلة دقيقة بين الحفاظ على فاعلية العقوبات وتجنب زيادة الضغوط على أسواق الطاقة. ويعتمد تأثير أي تغيير في السياسة الأمريكية على نطاق التخفيف، والناقلات التي سيشملها، والشحنات المسموح بنقلها، ومدى استجابة شركات النقل والتأمين لهذه التغييرات.
اقرأ أيضاً
استقالة وزير النفط الإيراني تفتح صندوقاً أسود.. من يبيع نفط طهران وأين تذهب العائدات؟
ترامب يستبعد هجوماً جديداً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي وسط قفزة في أسعار النفط
العملة الإيرانية تهبط لقاع قياسي جديد وسط ضغوط الحرب وتراجع الاستقرار الاقتصادي في إيران
الحوثيون يقتربون من باب المندب ويهددون صادرات النفط السعودية وسط تصعيد إقليمي واسع

