وطن-تفتح استقالة وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد باباً واسعاً أمام تساؤلات داخل طهران بشأن إدارة ملف النفط وشبكات بيعه، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة بفعل العقوبات والقيود المفروضة على صادراتها وحركة تجارتها.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي» نقلاً عن وسائل إعلام إيرانية، جاءت استقالة باك نجاد وسط خلافات مرتبطة بآليات بيع النفط الإيراني وتحصيل عائداته، في ظل تنامي دور الوسطاء وشخصيات مرتبطة بمؤسسات أمنية نافذة.
ورغم أن مسؤولين إيرانيين أرجعوا الاستقالة إلى أسباب شخصية، تحدثت صحيفة «سازندكي» الإيرانية عن ضغوط مرتبطة ببيع كميات كبيرة من النفط، وعن خلافات نشأت داخل الحكومة بشأن الطريقة التي تُدار بها هذه العمليات.
شبكة وسطاء النفط تحت المجهر
بحسب التقارير التي نقلتها «ميدل إيست آي»، ارتبطت الاستقالة بتنامي نفوذ شبكة من وسطاء بيع النفط المقربين من شخصيات أمنية بارزة، وسط حديث عن تكليفهم ببيع نحو 80 مليون برميل من الخام الإيراني بأسعار مخفضة.
وتنفي السلطات الإيرانية وجود مخالفات مرتبطة بهذه العمليات، إلا أن صحيفة «سازندكي» ذكرت أن ملف بيع هذه الكمية من النفط كان من بين العوامل الرئيسية التي أحاطت بخروج باك نجاد من الحكومة.
وأشارت الصحيفة إلى توتر نشأ بين وزير النفط والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال أحد الاجتماعات الحكومية الأخيرة التي حضرها الوزير، على خلفية اتساع دور الوسطاء والغموض الذي يحيط بآليات تحصيل الإيرادات.
كما دخل البرلمان والجهات الرقابية الإيرانية على خط الملف، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مصير الأموال الناتجة عن مبيعات النفط، ومن يمتلك صلاحية إدارة هذه العمليات والإشراف عليها.
وتحول السؤال داخل إيران من مجرد البحث عن آليات بيع النفط في ظل العقوبات إلى قضية أكثر حساسية تتعلق بالجهات التي تتولى الوساطة، وكيفية مراقبة الإيرادات وضمان وصولها إلى الخزينة العامة.
البرلمان يراجع عقود النفط الموجهة إلى الصين
وتزامن ذلك مع تحرك برلماني لمراجعة بعض عقود بيع النفط الإيراني، ولا سيما تلك المرتبطة بالصين. كما نقلت «ميدل إيست آي» عن عبد الحسين همتي سارابارده، نائب رئيس لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، قوله لصحيفة «دنياي اقتصاد» إن البرلمان يراجع عقوداً مرتبطة ببيع النفط، مشيراً إلى أن تفاصيل بعض الاتفاقيات المبرمة مع الصين لم تكن واضحة حتى لوزير النفط نفسه.
وأكد المسؤول الإيراني أن المراجعات لا تزال مستمرة، وأنه لا يمكن في هذه المرحلة تحديد شخص بعينه وتحميله المسؤولية، أو تقدير حجم المخالفات المحتملة.
ويعكس هذا الملف حجم التعقيدات التي تواجهها طهران في إدارة صادراتها النفطية في ظل العقوبات، إذ تضطر إلى الاعتماد على شبكات تجارية ومالية أكثر تعقيداً، الأمر الذي يزيد في الوقت نفسه من أهمية الرقابة على عمليات البيع والتحصيل.
الانسحاب الأميركي من العراق قد يغيّر حسابات طهران
ولا يقتصر الضغط على الملف الاقتصادي، إذ تواجه إيران أيضاً تحولات محتملة في البيئة الإقليمية المحيطة بها، ولا سيما في العراق.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن صحيفة «اعتماد» الإيرانية أن نزار شفيعي، الأكاديمي في جامعة طهران والمتخصص في العلاقات الدولية، يرى أن الانسحاب الأميركي من العراق قد لا يكون في مصلحة إيران على المدى القصير، رغم إمكانية تحقيق مكاسب لها مستقبلاً.
وبحسب شفيعي، فإن الوجود العسكري الأميركي في العراق كان يمثل في الوقت نفسه نقطة ضغط على واشنطن، إذ جعل قواتها ومصالحها في نطاق تهديد إيران والجماعات العراقية المتحالفة معها.
لكن خروج هذه القوات قد يحرم طهران من ورقة ضغط ميدانية كانت تستخدمها ضمن صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة.
ويرى المحلل الإيراني أن الانسحاب الأميركي قد يؤدي إلى إخراج واشنطن من نطاق التأثير المباشر لإيران داخل العراق، ويقلل من إمكانية استخدام الأراضي العراقية كساحة للمواجهة غير المباشرة.
وبذلك، قد تحقق إيران فوائد استراتيجية على المدى البعيد، لكن ذلك قد يأتي على حساب إحدى الأدوات التي كانت تمنحها نفوذاً في مواجهة الولايات المتحدة.
الهجرة الإيرانية تتجه نحو الصين وروسيا
وفي موازاة الضغوط الاقتصادية والسياسية، تشهد خريطة الهجرة الإيرانية تحولاً لافتاً باتجاه الشرق. كما قالت صحيفة «هفت صبح» الإيرانية إن الصين وروسيا أصبحتا أكثر جذباً للإيرانيين الراغبين في الدراسة والعمل والاستثمار، في ظل ارتفاع تكاليف العملات الأجنبية وتشديد إجراءات الهجرة في عدد من الدول الغربية.
وتبرز الصين خصوصاً بين الطلاب والمتخصصين في المجالات التقنية، ولا سيما الأشخاص الذين سبق لهم العمل في مشروعات مرتبطة بالشركات الصينية داخل إيران.
كما أصبحت روسيا وجهة أكثر حضوراً بين رجال الأعمال والمستثمرين الإيرانيين، في وقت تواجه فيه الهجرة إلى أوروبا وأمريكا الشمالية تحديات مالية وإجرائية متزايدة.
وقال خبير الهجرة سعيد سالاري لـ«هفت صبح» إن الجنسية أصبحت عاملاً مؤثراً في إجراءات التأشيرات وفرص العمل، مشيراً إلى أن المتقدمين الإيرانيين يواجهون تدقيقاً أكبر في بعض الدول الغربية.
كما أدى انخفاض قيمة العملة الإيرانية إلى جعل الهجرة إلى الدول الغربية أكثر كلفة بالنسبة إلى شرائح واسعة من الإيرانيين، وهو ما دفع بعض الراغبين في مغادرة البلاد إلى البحث عن وجهات أقرب وأقل تكلفة.
ولا تقتصر البدائل على الصين وروسيا، إذ برزت تركيا وأرمينيا أيضاً كوجهتين إقليميتين للإيرانيين في مجالات الدراسة والعمل والاستثمار.
أرمينيا.. منفذ بري مهم لطهران
وفي ظل القيود المفروضة على حركة التجارة الإيرانية، تكتسب أرمينيا أهمية متزايدة بالنسبة إلى طهران باعتبارها ممراً برياً نحو القوقاز والأسواق المحيطة.
وجاءت زيارة وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان إلى طهران ولقاؤه الرئيس الإيراني ووزير الخارجية عباس عراقجي في توقيت حساس، وسط مساعٍ إيرانية لتعزيز البدائل البرية أمام القيود التي تواجه تجارتها الخارجية.
ونشر عراقجي مقطعاً من اجتماعه مع ميرزويان، مؤكداً أن المحادثات تناولت العلاقات المتنامية بين طهران ويريفان وسبل تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري وفي مجالات النقل والطاقة وغيرها.
وأبرزت وسائل إعلام إيرانية الأهمية الاستراتيجية للعلاقات مع أرمينيا، معتبرة أن الأمر يتجاوز التعاون الثنائي إلى الحفاظ على موقع إيران في شبكة طرق النقل والتجارة في منطقة القوقاز.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل التنافس الإقليمي حول طرق النقل والنفوذ في جنوب القوقاز، وكذلك بسبب التقارب المتزايد بين أذربيجان وإسرائيل.
وتنظر طهران إلى أرمينيا باعتبارها منفذاً مهماً نحو القوقاز، في وقت تراقب فيه بحذر تنامي التعاون بين باكو وتل أبيب، وما قد يترتب عليه من تغيرات في موازين النفوذ والطرق التجارية المحيطة بإيران.
طهران تعيد ترتيب أوراقها تحت الضغط
بين أزمة إدارة مبيعات النفط، وتصاعد التدقيق البرلماني في العقود، واحتمالات تغير المعادلة الأمنية في العراق، وتحول مسارات الهجرة نحو الشرق، تبدو إيران أمام مرحلة تتطلب إعادة ترتيب عدد من أوراقها الاقتصادية والاستراتيجية.
فالعقوبات لا تضغط فقط على قدرة طهران على بيع النفط وتحويل عائداته، وإنما تدفعها أيضاً إلى البحث عن شبكات تجارية وطرق نقل وشراكات إقليمية بديلة.
وفي هذا السياق، تبرز الصين بوصفها سوقاً رئيسية للنفط الإيراني ووجهة متنامية للهجرة، بينما تمثل أرمينيا ممراً برياً مهماً نحو القوقاز، في حين يبقى العراق ساحة مؤثرة في الحسابات الأمنية والسياسية بين إيران والولايات المتحدة.
وهكذا، لا تبدو استقالة وزير النفط مجرد تغيير حكومي منفصل، بل تأتي في وقت تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع صراعات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ومع محاولة طهران إعادة بناء قنواتها التجارية والسياسية في محيط إقليمي شديد التنافس.
اقرأ المزيد
وفاة آية الله العظمى موسى شبيري زنجاني.. المرجع الذي عبر انقسامات إيران السياسية دون أن يدخل السلطة
العملة الإيرانية تهبط لقاع قياسي جديد وسط ضغوط الحرب وتراجع الاستقرار الاقتصادي في إيران
إيران تحت حصار متعدد الجبهات.. شبكات نفط وأحكام إعدام وأزمة لغة تعطل مستقبل الشباب

