وطن-رحل آية الله العظمى السيد موسى شبيري زنجاني في قم يوم 20 سبتمبر/أيلول 2026 عن عمر ناهز 98 عاماً، تاركاً وراءه واحداً من أكثر المواقع تميزاً داخل المؤسسة الدينية الإيرانية: مرجع ديني واسع الاحترام حافظ على مسافة من السلطة السياسية، لكنه بقي قادراً على التواصل مع شخصيات تنتمي إلى تيارات متعارضة داخل الجمهورية الإسلامية.
وأعلن مكتب المرجع الراحل وفاته، مشيراً إلى مسيرته العلمية والفقهية الطويلة وخدمته للحوزة والمجتمع. وكان شبيري زنجاني من بين كبار مراجع التقليد في الحوزة العلمية بمدينة قم، كما عُرف لعقود بتدريس الفقه والعلوم الدينية وبمكانته البارزة في علم الرجال، أي دراسة رواة الحديث وتقييمهم.
وتكتسب وفاته أهمية تتجاوز الجانب الديني، بالنظر إلى موقعه داخل التوازنات الحساسة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية في إيران.
مرجع خارج السلطة.. لكنه حاضر في دوائرها
كان شبيري زنجاني نموذجاً لمرجعية دينية لا تقوم على تولي منصب سياسي أو الارتباط المباشر بأجهزة الحكم. وبعد وفاة المرجع محمد علي أراكي عام 1994، أدرجت جماعة مدرسي الحوزة العلمية في قم اسمه ضمن سبعة علماء اعتُبروا مؤهلين لمقام المرجعية. ومنذ ذلك الوقت، رسخ مكانته باعتباره أحد كبار مراجع التقليد الشيعة في إيران.
وقد ساعد هذا الموقع على منحه هامشاً من الاستقلال عن المنافسات الحزبية والسياسية، في الوقت الذي ظلت فيه دروسه وحوزته مفتوحة أمام شخصيات من اتجاهات مختلفة.
ومن بين الذين ارتبطوا بحلقاته العلمية الرئيس الإيراني الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي، بينما تحدثت مصادر في الحوزة عن حضور شخصيات مرتبطة بعائلة المرشد الإيراني علي خامنئي في دروسه.
وتعكس هذه التركيبة طبيعة الدور الذي لعبه شبيري زنجاني: لم يكن رجل سلطة، لكنه كان رجل دين يصعب تجاهل وزنه داخل المؤسسة الدينية.
تيار يرى أن الحوزة يجب أن تبقى بعيدة عن الحكم
ارتبط اسم شبيري زنجاني بتيار ديني تقليدي داخل الحوزة يرى أن الحفاظ على استقلال المؤسسة الدينية عن الدولة ضروري لحماية مكانة المرجعية. وبحسب هذا التصور، لا تتمثل وظيفة المرجع أساساً في ممارسة السلطة السياسية، وإنما في البحث الفقهي والتعليم الديني والإرشاد ومتابعة الشؤون الاجتماعية.
وفي تصريحات سابقة، حذر شبيري زنجاني من أن التسييس المفرط لرجال الدين قد يضر بمكانتهم لدى المجتمع. وكان يرى أن الخلافات السياسية أمر يصعب تجنبه، لكن تحويل رجال الدين إلى أطراف مباشرة في الصراعات السياسية يمكن أن ينعكس سلباً على الثقة بالمؤسسة الدينية.
كما شدد على أهمية التخصص عند تناول القضايا السياسية، معتبراً أن امتلاك المعرفة والخبرة شرط أساسي لإبداء الرأي في الملفات السياسية المعقدة.
«رضا الناس» ودور الدين في بقاء الدولة
لم يكن ابتعاد شبيري زنجاني عن السياسة يعني أنه فصل الدين عن القضايا العامة، ففي رؤيته للعلاقة بين الجمهورية الإسلامية والمجتمع، كان يؤكد أهمية الحفاظ على النظام، لكنه شدد أيضاً على ضرورة الانتباه إلى العامل الشعبي.
ونقلت عنه «ميدل إيست آي» موقفاً يرى أن رضا الناس يمثل عاملاً أساسياً في استمرار أي حكومة، وأن على المسؤولين التفكير في السياسات التي تساعد على الحفاظ على هذا الرضا.
وهنا يظهر أحد أوجه موقفه المختلف عن الانخراط السياسي المباشر: الدولة مهمة، لكن شرعيتها العملية واستمرارها يرتبطان أيضاً بعلاقتها بالمجتمع.
محمد خاتمي.. علاقة بدأت في الحوزة
كان محمد خاتمي من أبرز الشخصيات السياسية التي ارتبط اسمها بالحوزة العلمية لشبيري زنجاني. ففي أواخر ستينيات القرن الماضي، درس خاتمي الفقه المتقدم على يديه قبل أن يتحول لاحقاً إلى أحد أبرز وجوه التيار الإصلاحي، ثم يتولى رئاسة الجمهورية بين عامي 1997 و2005.
وبحسب روايات نقلتها «ميدل إيست آي»، ظل الارتباط بين الرجلين قائماً لسنوات طويلة، ووصف محمد رضا خاتمي، شقيق الرئيس الأسبق، العلاقة بينهما بأنها تجاوزت علاقة الأستاذ بالطالب إلى علاقة شخصية وروحية.
وتنقل رواية عن مقربين من المرجع الراحل أنه أشاد في وقت مبكر بخاتمي الشاب، في إشارة إلى تقديره لمكانته العلمية والشخصية قبل دخوله عالم السياسة على نطاق واسع.
أبناء خامنئي في حوزة شبيري زنجاني
على الجانب الآخر، لم يكن حضور الإصلاحيين وحده ما ميز حوزة شبيري زنجاني، فبحسب مصدر من حوزة قم نقلت عنه «ميدل إيست آي»، حضر مصطفى ومجتبى خامنئي، ابنا المرشد الإيراني، بعض دروس المرجع الراحل.
وتنقل رواية أخرى عن شقيق شبيري زنجاني أن علي خامنئي كان سعيداً باختيار أحد أبنائه الدراسة على يد المرجع، وأن اختيار الحوزة والأستاذ كان نابعاً من رغبة الابن نفسه. وهكذا جمع شبيري زنجاني، داخل فضائه العلمي، أسماء ارتبطت لاحقاً بمراكز سياسية متباعدة في الجمهورية الإسلامية.
انتخابات 2009.. حين اصطدمت الحوزة بالسياسة
برز استقلال شبيري زنجاني بصورة أكبر خلال الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية الإيرانية عام 2009، فقد اتهم المرشحان الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي السلطات بالتلاعب في الانتخابات التي فاز فيها محمود أحمدي نجاد، وأعقبت إعلان النتائج احتجاجات واسعة عُرفت باسم «الحركة الخضراء».
ومع توسع الاحتجاجات والاعتقالات، توجهت شخصيات سياسية وأكاديمية برسائل إلى مراجع الشيعة، طالبة منهم التدخل إزاء التقارير المتعلقة بالاعتقالات وسوء معاملة المعتقلين. وكان اسم شبيري زنجاني حاضراً في هذه المرحلة بسبب موقعه الديني وعلاقاته داخل المؤسسة السياسية والدينية.
وتشير روايات نقلتها «ميدل إيست آي» عن باحثين ومصادر إصلاحية إلى أنه أجرى اتصالات ولقاءات بشأن أوضاع بعض المعتقلين، وأنه حاول استخدام نفوذه الديني للمساعدة في الإفراج عن شخصيات سياسية. لكن هذه الروايات تظل شهادات منسوبة إلى مصادر وباحثين، ولا تعني وجود توثيق مستقل لكل تفاصيل تلك الاتصالات.
منتظري.. نقطة توتر مع المحافظين
كان موقف شبيري من آية الله حسين علي منتظري أحد الملفات التي أظهرت أيضاً المسافة بينه وبين بعض دوائر السلطة، فمنتظري كان من أبرز رجال الدين المنتقدين للمرشد علي خامنئي، وفرضت عليه الإقامة الجبرية قبل وفاته.
وتنقل روايات عن الباحث محسن كديور أن شبيري زنجاني التقى خامنئي قبل عام 2009 وناقش مسألة الإقامة الجبرية المفروضة على منتظري، كما تقول الروايات نفسها إنه تدخل في قضايا أخرى تتعلق بمعتقلين وشخصيات إصلاحية. وتبقى هذه التفاصيل جزءاً من شهادات وروايات عن دور المرجع الراحل خلف الكواليس، وليست كلها موثقة علناً بوثائق مستقلة.
رسالة محمد يزدي.. عندما اصطدمت المرجعية بالتيار المحافظ
في أواخر عام 2018، ظهر شبيري زنجاني في صور مع محمد خاتمي ووزير الداخلية الأسبق عبد الله نوري وعدد من الشخصيات الإصلاحية.
وأثارت الصور انتقادات داخل الأوساط المحافظة، ووجه آية الله محمد يزدي، أحد أبرز رجال الدين المحافظين، رسالة شديدة اللهجة إلى شبيري زنجاني. ودعاه يزدي إلى مراعاة مكانته الدينية والسياسية، وربط احترام موقع المرجعية، في رسالته، باحترام النظام الإسلامي والمرشد الأعلى.
أثارت الرسالة ردود فعل داخل المؤسسة الدينية نفسها، إذ أعلن آية الله محمد عندليب همداني استقالته من جماعة مدرسي الحوزة العلمية في قم احتجاجاً على مضمونها. أما محسن كديور فاعتبر أن المرجعية الدينية لشبيري زنجاني لا تستمد شرعيتها من السلطة السياسية، بل من مكانته العلمية والدينية.
وكانت تلك الواقعة كاشفة عن مشكلة أعمق: إلى أي حد تستطيع المرجعية الدينية الحفاظ على استقلالها عندما تتعارض علاقاتها الاجتماعية والعلمية مع الحسابات السياسية للسلطة؟
مرجع يجمع المتناقضات
ربما كان أبرز ما ميز شبيري زنجاني أن تأثيره لم يكن قائماً على امتلاك مؤسسة سياسية أو قوة أمنية أو منصب حكومي. كان تأثيره من نوع آخر: مكانة علمية، وشبكة واسعة من التلاميذ، واحترام داخل الحوزة، وعلاقات امتدت إلى شخصيات من اتجاهات سياسية مختلفة.
وقد أتاحت له هذه المكانة أن يكون قريباً من قضايا سياسية حساسة من دون أن يتحول إلى سياسي بالمعنى المباشر.
وهذا ما جعل صورته مختلفة عن رجال الدين الذين دخلوا مؤسسات الدولة أو أصبحوا جزءاً مباشراً من بنيتها السياسية.
رحيل أحد رموز الحوزة التقليدية
مع وفاة موسى شبيري زنجاني، تفقد حوزة قم واحداً من أبرز علمائها ومرجعياتها في العقود الأخيرة. وقد وصفه آية الله علي السيستاني في بيان تعزية بأنه من كبار علماء الحوزة العلمية في قم، مشيداً بإسهاماته العلمية وخدماته الدينية ومسيرته في البحث والتعليم.
وكان من المقرر أن تقام مراسم تشييعه ودفنه في قم يوم 23 سبتمبر، قرب مرقد السيدة فاطمة المعصومة، مع إعلان الحداد العام في المحافظة لثلاثة أيام.
لكن الأثر الأهم لرحيله يتجاوز مراسم التشييع، فإيران تفقد برحيله مرجعاً ظل لعقود قادراً على الحفاظ على موقع مستقل نسبياً عن السلطة، وفي الوقت نفسه على التواصل مع أطراف سياسية ودينية متعارضة.
لم يدخل شبيري زنجاني السلطة، ولم يسعَ إلى منافستها، لكنه امتلك نوعاً آخر من النفوذ: نفوذ المرجعية الدينية التي تستطيع أن تبقى خارج الحكم، من دون أن تصبح خارج معادلة القوة داخل المجتمع الإيراني.
اقرأ المزيد
البيان رقم 1 لعام 2026: مجتبى خامنئي يتعهد بالثأر لوالده ويقود إيران من وراء الستار..
أكبر موكب تشييع في التاريخ! وسائل إعلام إيرانية تقدر مشاركي جنازة خامنئي بأكثر من 41 مليون شخص..
جثمان خامنئي يصل مشهد .. انتهاء أسبوع جنائزي تاريخي ومؤسسة الحكم تواجه عاصفة “الخلافة والحرب”

