وطن-تراجعت حوادث القرصنة البحرية والسطو المسلح ضد السفن حول العالم إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1992، في تطور يعكس تحسنًا ملحوظًا في أمن الملاحة الدولية. لكن هذا التراجع العام يخفي تحولًا مقلقًا في خريطة التهديدات البحرية، مع ارتفاع الحوادث المنسوبة إلى القراصنة الصوماليين خمسة أضعاف تقريبًا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026.
وبحسب تقرير صادر عن مكتب الملاحة الدولي التابع لغرفة التجارة الدولية، نقلت تفاصيله وكالة «يوروبا برس»، بلغ عدد حوادث القرصنة والسطو المسلح المسجلة عالميًا 51 حادثًا بين يناير وسبتمبر 2026، مقابل 116 حادثًا خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وتكشف هذه الأرقام عن تراجع واضح في الهجمات البحرية على المستوى العالمي، بالتزامن مع استمرار المخاطر في مناطق محددة، وفي مقدمتها المياه القريبة من الصومال، حيث عادت أنشطة القرصنة إلى إثارة المخاوف بشأن سلامة السفن وأطقمها.
الصومال تعود إلى واجهة القرصنة البحرية
سجلت الحوادث المنسوبة إلى القراصنة الصوماليين ارتفاعًا من 3 حوادث خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 إلى 15 حادثًا في الفترة نفسها من عام 2026، وفق التقرير، أي ما يعادل خمسة أضعاف العدد السابق.
وتعيد هذه الزيادة الصومال إلى دائرة الاهتمام الأمني البحري، بعد سنوات من تراجع الهجمات التي جعلت سواحل البلاد واحدة من أخطر بؤر القرصنة في العالم، خصوصًا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2013.
وأسهمت العمليات البحرية الدولية، ومن بينها عملية «أتالانتا» التابعة للاتحاد الأوروبي، إلى جانب الإجراءات الأمنية التي اتخذتها جهات مختلفة، في الحد من الهجمات خلال السنوات الماضية. لكن الأرقام الجديدة تشير إلى أن التهديد لم يختفِ بصورة نهائية، وأن أي تراجع في المراقبة البحرية قد يتيح للقراصنة استئناف نشاطهم.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن مستوى العمليات الحالية لا يضاهي ذروة القرصنة الصومالية، حين كانت الهجمات تمتد إلى أعالي البحار وتستهدف سفنًا تجارية كبيرة على مسافات بعيدة من الساحل.
51 حادثًا عالميًا رغم تراجع الهجمات
بلغ إجمالي حوادث القرصنة والسطو المسلح ضد السفن 51 حادثًا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى سبتمبر 2026، مقارنة بـ116 حادثًا خلال الفترة نفسها من عام 2025، وهو أدنى مستوى يُسجل منذ عام 1992.
وشملت الحوادث المسجلة صعود مهاجمين على متن 36 سفينة، واختطاف 8 سفن، وإطلاق النار على 4 سفن، إلى جانب 3 محاولات فاشلة.
وتوضح هذه المعطيات أن انخفاض إجمالي الهجمات لا يعني زوال الخطر، إذ لا تزال بعض الحوادث تنطوي على تهديد مباشر لحياة البحارة، واحتجاز أفراد الطواقم، واستخدام الأسلحة أثناء عمليات الاستيلاء على السفن.
ووفق التقرير، ارتبطت القرصنة الصومالية بعمليات اختطاف السفن الثماني المسجلة عالميًا خلال الفترة المذكورة، كما ارتبطت باحتجاز 85 بحارًا على متن ثماني سفن، بينهم أفراد من طواقم أربع ناقلات نفط وسفينتي شحن عام وسفينتين شراعيتين تقليديتين من نوع «الداو».
خليج غينيا يسجل تراجعًا كبيرًا في الحوادث
في المقابل، شهد خليج غينيا انخفاضًا ملحوظًا في حوادث القرصنة، إذ تراجع عددها من 15 حادثًا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 إلى حادثين فقط خلال الفترة نفسها من عام 2026.
ويعكس هذا التراجع، بحسب التقرير، أثر الجهود الأمنية التي تبذلها الدول الساحلية في المنطقة لتعزيز مراقبة المياه ومواجهة الهجمات التي تستهدف السفن التجارية وأطقمها.
ويبرز هذا التطور التباين بين مناطق العالم المختلفة؛ ففي الوقت الذي تتراجع فيه الهجمات في بعض الممرات البحرية، تسجل مناطق أخرى عودة لنشاط القراصنة، ما يجعل الحفاظ على التنسيق الأمني وتبادل المعلومات البحرية عنصرين أساسيين في منع تجدد الهجمات.
مضيق سنغافورة.. تراجع الحوادث واستمرار المخاطر
سجل مضيق سنغافورة، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، انخفاضًا كبيرًا في عدد الحوادث، من 73 حادثًا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 إلى 13 حادثًا خلال الفترة نفسها من عام 2026.
ورغم هذا التراجع، لم تختفِ المخاطر التي تواجه السفن العابرة للمضيق. فقد أشار التقرير إلى احتجاز اثنين من أفراد الطواقم رهائن وتهديد اثنين آخرين، إضافة إلى إصابة أحد البحارة.
كما أظهرت البيانات أن المهاجمين كانوا مسلحين بمسدسات أو سكاكين في أكثر من 69% من الحوادث، وتمكنوا من الصعود إلى جميع السفن المستهدفة، ما يسلط الضوء على استمرار التهديدات التي تواجه البحارة حتى في المناطق التي شهدت تحسنًا في مؤشرات الأمن البحري.
وأشاد مكتب الملاحة الدولي بالإجراءات التي اتخذتها السلطات المعنية في المنطقة، معتبرًا أنها ساعدت على خفض عدد الحوادث المبلغ عنها، مع التأكيد على أهمية مواصلة اليقظة الأمنية في هذا الممر الحيوي لحركة التجارة الدولية.
إندونيسيا والفلبين تسجلان تطورات متباينة
في الأرخبيل الإندونيسي، تواصل تراجع الحوادث المبلغ عنها، إذ سُجلت 6 حوادث خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، مقابل 9 حوادث خلال الفترة نفسها من عام 2025.
لكن أحد الحوادث المسجلة شهد استخدام أسلحة، كما احتُجز أحد أفراد الطواقم رهينة، ما يؤكد أن انخفاض عدد الوقائع لا يعني بالضرورة تراجع خطورتها جميعًا.
أما في الفلبين، فقد أُبلغ عن 9 حوادث صعود على متن سفن راسية، بينها 6 حوادث في مانيلا و3 في باتانغاس، بعدما لم تُسجل حوادث من هذا النوع خلال عام 2025.
وشهدت هذه الوقائع احتجاز اثنين من أفراد الطواقم رهائن، فيما أُبلغ عن وجود أسلحة في خمس حوادث، وفق البيانات التي أوردتها وكالة «يوروبا برس» نقلًا عن التقرير.
الإجراءات الأمنية تحد من محاولات الاختطاف
شدد مكتب الملاحة الدولي على أهمية تطبيق السفن التجارية أحدث الممارسات الأمنية المعروفة باسم «أفضل ممارسات الإدارة»، التي تهدف إلى تقليل فرص تعرضها للقرصنة والسطو المسلح.
وتشمل هذه الإجراءات تعزيز المراقبة، ورفع مستوى التأهب، واعتماد وسائل الحماية المناسبة، والإبلاغ السريع عن أي تحركات مشبوهة والتواصل مع الجهات البحرية المختصة.
وأشار التقرير إلى أن السفن التي طبقت هذه الممارسات تمكنت من إحباط محاولات اختطاف، حتى في بعض الحالات التي نجح فيها المهاجمون في الصعود إلى متنها.
وتؤكد هذه المعطيات أهمية التدابير الوقائية إلى جانب الدور الذي تؤديه الدوريات البحرية والتعاون الدولي، خصوصًا في المناطق التي تمر عبرها أعداد كبيرة من السفن التجارية.
خريطة القرصنة البحرية تتغير
تكشف الأرقام المسجلة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 عن تحوّل واضح في خريطة القرصنة البحرية العالمية. فبينما انخفض إجمالي الحوادث إلى أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، تراجعت الهجمات في خليج غينيا ومضيق سنغافورة، مقابل ارتفاع ملحوظ في الحوادث المرتبطة بالقراصنة الصوماليين.
ويتمثل التحدي الأساسي في الحفاظ على المكاسب الأمنية التي تحققت خلال السنوات الماضية، ومنع عودة الهجمات إلى مناطق سبق أن شهدت موجات واسعة من القرصنة.
كما تبرز الأرقام ضرورة عدم الاكتفاء بمؤشرات التراجع الإجمالي، لأن بعض المناطق لا تزال تشهد احتجازًا للبحارة واستخدامًا للأسلحة واختطافًا للسفن. ويظل استمرار المراقبة البحرية والتنسيق بين الدول وشركات الشحن عاملًا حاسمًا في الحد من المخاطر وحماية طرق التجارة العالمية.
قد يعجبك
مضايق هرمز وباب المندب وتايوان.. شرايين التجارة العالمية في قلب الصراع الجيوسياسي
الصومال يعلن إنهاء اتفاقياته مع الإمارات وإعادة رسم النفوذ في القرن الإفريقي
البحر الأسود يعود إلى واجهة التوترات الدولية.. لماذا أصبح بؤرة لزعزعة الاستقرار العالمي؟

