وطن-في تصعيد جديد يفاقم التوتر في الخليج والبحر الأحمر، قالت صحيفة ميدل إيست آي البريطانية إن العاصمة السعودية الرياض تعرضت، مساء الاثنين بالتوقيت المحلي، لهجوم مكثف تبنته جماعة الحوثي اليمنية، التي أعلنت استهداف مطار الرياض بصاروخ باليستي، بعد أيام من ضربات متكررة طالت المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا مطار الملك خالد الدولي في الرياض، كما قالوا إنهم قصفوا قاعدة الملك خالد الجوية قرب خميس مشيط، في خطوة تعكس اتساع نطاق الحرب في اليمن وتحوّلها مجدداً إلى تهديد مباشر للأمن السعودي ومشروعات المملكة الاقتصادية الكبرى.
ونقلت ميدل إيست آي عن مسؤول غربي في الرياض تأكيده وقوع انفجارات متعددة في أنحاء العاصمة السعودية، بينما أظهرت مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي حرائق كبيرة في مواقع لم يتم التحقق منها بشكل مستقل. وأشارت الصحيفة إلى أنها لم تتمكن من التأكد من صحة تلك المقاطع.
إغلاق مطار الرياض حتى 17 أكتوبر
وتزامناً مع الهجمات، قالت الصحيفة إن السلطات السعودية أبقت مطار الملك خالد الدولي مغلقاً حتى 17 أكتوبر، وفق إشعار صادر للملاحين الجويين. ويأتي ذلك في وقت تستعد فيه المملكة لاستضافة مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، وهو أحد أبرز المنصات التي تستخدمها السعودية للترويج لفرص الاستثمار وجذب كبار رجال الأعمال والمستثمرين من مختلف أنحاء العالم.
وأضافت ميدل إيست آي أن الهجمات تضع ضغوطاً إضافية على الخطط الاقتصادية السعودية، خصوصاً أن المؤتمر يمثل واجهة رئيسية لطموحات الرياض الاستثمارية ضمن مشاريع التحول الاقتصادي، في وقت تسعى فيه المملكة إلى تقديم نفسها كمركز مالي واستثماري آمن ومستقر في المنطقة.
وفي مؤشر على حساسية الأوضاع الأمنية، ذكرت الصحيفة أن الرؤساء التنفيذيين لشركات إكسون موبيل وشل وتوتال إنرجيز غابوا عن اليوم الافتتاحي لمؤتمر منفصل للطاقة في الرياض.
وخلال افتتاحه المؤتمر، قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان: “إلى كل من سافر إلى الرياض، شكراً لكم”، مضيفاً: “أنتم تعلمون أن هذا البلد آمن، وأننا نضع حمايتكم في صميم اهتمامنا.. اجتماعنا هنا لا يعني أن الخطر قد زال”.
إيران تهدد أصول شركات التكنولوجيا الأمريكية في الخليج
وبحسب تقرير ميدل إيست آي، تأتي ضربات الحوثيين ضد السعودية في ظل تصاعد أوسع للتوتر في الشرق الأوسط، وسط مخاوف من عودة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وفي هذا السياق، قال الحرس الثوري الإيراني، الاثنين، إنه هاجم ناقلة نفط عملاقة في مضيق هرمز كانت تحاول مغادرة الممر المائي، في ما قد يكون ثالث هجوم على سفن خلال يومين.
وأوضحت الصحيفة أن الولايات المتحدة وإيران تجنبتا إلى حد كبير مهاجمة بعضهما بشكل مباشر، لكنهما تخوضان مواجهة متصاعدة للسيطرة على مضيق هرمز، حيث يسعى كل طرف إلى فرض شكل من أشكال الحصار أو النفوذ على حركة الملاحة والطاقة في هذا الممر الحيوي.
وفي تطور لافت، نقلت ميدل إيست آي عن المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي تحذيره من أن طهران قد تستهدف البنية التحتية لشركات التكنولوجيا الأمريكية في المنطقة إذا استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب ضد إيران.
وقال رضائي في مقابلة نُشرت الاثنين: “لدى الولايات المتحدة أصول باهظة للغاية في الإمارات وحول مضيق هرمز”، مضيفاً: “لم ندرج هذه الأصول بعد ضمن أهدافنا، لكن إذا اندلعت الحرب، فسيتم تدمير العديد من الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى كثيرة”.
وأشارت الصحيفة إلى أن وكالة تسنيم الإيرانية، القريبة من الحرس الثوري، ذكرت أن طهران ينبغي أن تفرض ما وصفته بـ“رسوم سيادة” على الكابلات التي تمر عبر مضيق هرمز، في إشارة إلى احتمال استخدام إيران للبنية التحتية الرقمية والممرات البحرية كورقة ضغط استراتيجية.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
وقالت ميدل إيست آي إن اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران في يونيو انهار جزئياً، على الأقل، بسبب الخلاف حول قدرة طهران على التحكم في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة.
ويعد مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز يومياً، وأي اضطراب في الملاحة داخله ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وأسعار الوقود العالمية.
وفي ظل هذه التطورات، ارتفع خام برنت، وهو المعيار العالمي لأسعار النفط، بنحو 2% يوم الاثنين، ليصل إلى حوالي 106 دولارات للبرميل، بحسب ما نقلته الصحيفة.
ترامب يواجه ضغوط أسعار الطاقة
وذكرت ميدل إيست آي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول التعامل مع ارتفاع الأسعار قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، مشيرة إلى أنه حمّل أوكرانيا مسؤولية زيادة أسعار الديزل. وفي الأسبوع الماضي، توصل ترامب إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقضي بإعفاء مبيعات الديزل الروسية من العقوبات.
وأوضحت الصحيفة أن هذه الخطوة قوبلت بإدانة واسعة من داعمي أوكرانيا، في وقت كثفت فيه كييف ضرباتها بعيدة المدى ضد البنية التحتية للطاقة في روسيا خلال الأشهر الأخيرة، ما أدى إلى نقص في الوقود داخل روسيا منذ مايو.
لكن الصحيفة لفتت إلى أن ارتفاع أسعار الديزل في الولايات المتحدة تزامن تقريباً مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، لا مع الضربات الأوكرانية وحدها.
كما أشارت ميدل إيست آي إلى أن صوراً مفتوحة المصدر بدت وكأنها تُظهر شاحنات وقود تحمل كتابات فارسية داخل روسيا، وسط تقديرات من بعض المحللين بأن موسكو اضطرت إلى شراء ديزل إيراني بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآتها جراء الضربات الأوكرانية. غير أن الصحيفة أكدت أنها لم تتمكن من التحقق بشكل فوري من صحة الصور.
وقال معلقون، وفق ما أوردته الصحيفة، إن إعفاء ترامب قد يسمح عملياً بدخول الديزل الإيراني إلى السوق عبر قنوات غير مباشرة.
السعودية تبحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط
ورغم هجمات الحوثيين، قال وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان إن الرياض تسعى إلى رفع قدرتها على تصدير النفط إلى ما يصل إلى 10 ملايين برميل يومياً، مع تقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
وبحسب ميدل إيست آي، أوضح الوزير أن المملكة تستطيع إضافة ما يصل إلى 1.2 مليون برميل يومياً من طاقة تصدير النفط خلال فترة تتراوح بين سبعة وثمانية أسابيع، عبر تحويل مؤقت لخط أنابيب غاز يمتد بمحاذاة خط أنابيب النفط شرق ـ غرب.
وتعكس هذه التصريحات، وفق سياق التقرير، رغبة السعودية في تحصين صادراتها النفطية من اضطرابات مضيق هرمز، خصوصاً في ظل تصاعد الهجمات البحرية والتهديدات الإيرانية باستهداف البنى التحتية المرتبطة بالولايات المتحدة في الخليج.
هجمات الحوثيين تضغط على واشنطن
وقالت ميدل إيست آي إن الهجمات القاتلة التي شنها الحوثيون ضد السعودية تزيد الضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتدخل في اليمن، خاصة أن الولايات المتحدة التزمت إلى حد كبير بوقف إطلاق النار الذي توصلت إليه مع الحوثيين في مايو 2025.
ورداً على سؤال بشأن الهجوم على مطار الرياض، الذي قالت الصحيفة إنه أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة مئات آخرين، وصف ترامب الهجوم بأنه “غير مقبول”، مؤكداً أنه سيتحدث مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وأضاف للصحفيين أن الولايات المتحدة “ستنظر” في إمكانية الانضمام إلى الضربات السعودية.
لكن الحوثيين حذروا من أن أي مشاركة أمريكية في العمليات ضد اليمن ستعني نهاية الهدنة مع واشنطن. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عضو المكتب السياسي للحوثيين محمد البخيتي قوله: “إذا شاركت الولايات المتحدة في العدوان على اليمن، فلن نتردد في اتخاذ قرار الرد، بل سيكون هناك رد سريع ومؤلم يستهدف الولايات المتحدة وكل مصالحها في المنطقة”.
الرياض تتجه إلى شركاء دفاع جدد
وفي موازاة ذلك، قالت ميدل إيست آي إن السعودية تحاول الاستعانة بشركائها الدفاعيين الجدد، وفي مقدمتهم تركيا وباكستان، لتعزيز الدعم المقدم للمملكة بموجب اتفاق مكة. كما نقلت الصحيفة عن صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن السعودية رفضت عرضاً إسرائيلياً للمشاركة في الحرب في اليمن. وأضافت هآرتس أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاول، بوساطة أمريكية، دفع السعودية نحو تعاون أمني أوثق ضد الحوثيين.
ويأتي ذلك في وقت تبدو فيه الأزمة اليمنية أكثر ارتباطاً بالصراع الإقليمي الأوسع، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، ومن أسواق النفط إلى البنية التحتية الرقمية. فالهجمات على الرياض، والتهديدات الإيرانية باستهداف أصول شركات التكنولوجيا الأمريكية في الخليج، وتزايد الضغوط على واشنطن، كلها مؤشرات على مرحلة أكثر خطورة في الشرق الأوسط، حيث لم تعد خطوط المواجهة عسكرية فقط، بل اقتصادية وطاقوية ورقمية أيضاً.
اقرأ أيضاً
قتلى وطائرة متضررة.. الحوثيون يوسّعون هجماتهم على الرياض ويضعون الدفاعات السعودية أمام اختبار حاسم
البحر الأسود يعود إلى واجهة التوترات الدولية.. لماذا أصبح بؤرة لزعزعة الاستقرار العالمي؟
«أذرع إيران أم طموحات سلطة؟».. تعرف على الحوثيين وأهدافهم التي ترعب الملاحة الدولية
إيران تعرض الوساطة بين السعودية والحوثيين وتحذر من تعقيد الأزمة عسكرياً

