وطن-قد تكفي جملة عابرة داخل المكتب لتغيير أجواء العمل بالكامل. حديث عن ترقية محتملة، أو رحيل أحد الموظفين، أو خلاف بين الإدارة وفريق معين، يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى محور اهتمام الجميع، حتى أولئك الذين يؤكدون أنهم لا يحبون النميمة ولا يهتمون بأخبار الآخرين.
لكن لماذا يصعب تجاهل شائعات العمل؟ وهل يعود ذلك إلى حب الفضول، أم إلى حاجة أعمق لفهم البيئة المهنية وما قد تخبئه من تغييرات؟
بحسب تقرير نشره موقع «سان إي ناتيرال» الفرنسي، المعروف باسم «سان إيه ناتوريل»، فإن الانجذاب إلى الأحاديث المتداولة في المكتب لا يرتبط بالضرورة بالرغبة في التدخل في شؤون الزملاء، بل قد يعكس محاولة لفهم العلاقات الاجتماعية، وتقييم مكانة الشخص داخل المجموعة، واستشراف ما يمكن أن يؤثر في مستقبله الوظيفي.
وتشير أبحاث في علم النفس التنظيمي إلى أن المعلومات المتبادلة بين الزملاء تؤدي دوراً في تكوين السمعة المهنية والانطباعات عن الآخرين. غير أن هذه المعلومات قد تجمع بين الوقائع الحقيقية والتفسيرات الشخصية والتخمينات، وهو ما يجعل التمييز بين المعلومة الموثوقة والشائعة أمراً ضرورياً.
لماذا تجذب شائعات المكتب انتباه حتى من يرفضون النميمة؟
قد لا يهتم الموظف بأخبار الحياة الخاصة لزملائه، لكنه يجد صعوبة في تجاهل حديث عن تسريح محتمل، أو تغيير في الإدارة، أو إعادة هيكلة للشركة. والسبب أن هذه الموضوعات قد تحمل إشارات تتعلق بالأمان الوظيفي، وفرص الترقية، والعلاقات مع المسؤولين، ومستقبل الفريق.
فعندما يسمع الموظف أن مديراً قد يغادر منصبه أو أن قسماً معيناً قد يخضع لتغييرات، يبدأ تلقائياً في التفكير في انعكاسات محتملة على عمله. وحتى إذا لم تكن لديه معلومات مؤكدة، فإنه يحاول ربط ما يسمعه بما يلاحظه من سلوكيات وقرارات داخل المؤسسة.
ويصبح هذا الميل أقوى عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو غير واضحة. فغياب التفسير المباشر يترك مساحة للتأويل، وقد يدفع الموظفين إلى البحث عن إجابات في الأحاديث الجانبية.
ولا يعني الاهتمام بالشائعة أن الشخص يصدقها بالضرورة؛ فقد يستمع إليها فقط لأنه يريد معرفة ما إذا كانت تمثل خطراً أو فرصة أو تغييراً محتملاً في بيئة العمل.
الشائعات تكشف خريطة العلاقات داخل المؤسسة
لا تقتصر الأحاديث المتداولة بين الموظفين على نقل الأخبار، بل قد تؤثر أيضاً في الطريقة التي ينظرون بها إلى زملائهم، وفي تحديد الأشخاص الذين يثقون بهم أو يتعاملون معهم بحذر.
وتوضح مراجعة علمية نُشرت عام 2024 في دورية «المراجعة السنوية لعلم النفس التنظيمي والسلوك التنظيمي» أن السمعة المهنية تتشكل من مصادر متعددة، تشمل الملاحظات المباشرة لسلوك الشخص، والانطباعات عنه، والمعلومات التي يتبادلها الآخرون بشأنه.
وقد تسهم الأحاديث غير الرسمية في تكوين صورة مشتركة عن موظف ما، خصوصاً عندما لا تتاح للزملاء فرص كافية لمراقبة أدائه بصورة مباشرة. لكن انتشار انطباع معين بين عدد كبير من الأشخاص لا يضمن أنه دقيق أو عادل.
ومن هنا، قد تتحول الشائعة إلى نوع من البوصلة الاجتماعية التي يستخدمها الموظفون لفهم العلاقات والتحالفات والتوترات داخل المؤسسة. لكنها تظل بوصلة غير مضمونة؛ فقد تساعد على تفسير بعض التصرفات، وقد تقود أيضاً إلى أحكام خاطئة أو متحيزة.
لماذا نتذكر شائعة عن التسريح أكثر من حديث عابر؟
ليست جميع المعلومات التي نسمعها في المكتب متساوية في أهميتها بالنسبة إلينا. فحديث عن عطلة نهاية الأسبوع قد يُنسى سريعاً، بينما يظل خبر غير مؤكد عن تقليص الوظائف أو تغيير الإدارة حاضراً في الذهن.
ويعود ذلك جزئياً إلى ارتباط المعلومة بالمصالح الشخصية. فكلما شعر الموظف بأن الخبر قد يمس دخله أو مكانته أو علاقاته المهنية، زاد اهتمامه به، وأصبح أكثر استعداداً لمراقبة التفاصيل التي قد تساعده على فهم ما يحدث.
ويؤدي الغموض دوراً إضافياً في هذه العملية. فعندما لا تتوفر إجابة واضحة، قد يحاول الشخص تفسير الإشارات المتفرقة، مثل اجتماع مفاجئ للإدارة أو تغيير في توزيع المهام أو غياب أحد المسؤولين.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الملاحظات إلى استنتاجات مؤكدة من دون أدلة كافية. فقد يكون الاجتماع مرتبطاً بموضوع روتيني، وقد يكون التغيير الإداري جزءاً من خطة لا علاقة لها بتسريح الموظفين.
لذلك، فإن الانتباه إلى الإشارات المحيطة ليس خطأ في حد ذاته، لكن تفسيرها يحتاج إلى الحذر، خصوصاً عندما تكون المعلومات ناقصة.
كيف يجعل تكرار الشائعة المعلومة تبدو أكثر صدقاً؟
من الأسباب التي تجعل بعض الشائعات تنتشر داخل المكاتب وتكتسب مصداقية ظاهرة أن الموظف قد يسمع المعلومة نفسها من أكثر من شخص. ومع تكرارها، قد يبدأ في الشعور بأنها صحيحة، حتى إن لم يحصل على أي دليل جديد يؤكدها.
وتُعرف هذه الظاهرة في علم النفس باسم «تأثير الحقيقة الوهمية»، وهي الميل إلى تقييم المعلومات المتكررة على أنها أكثر صدقاً بسبب الألفة التي يكتسبها العقل تجاهها.
وقد تناول تحليل علمي تجميعي نُشر عام 2026 في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» هذه الظاهرة، مستنداً إلى 182 دراسة شملت 31184 مشاركاً. وخلص الباحثون إلى وجود تأثير للتكرار في تقدير صدق المعلومات، لكنه كان محدوداً نسبياً، مع اختلافه باختلاف طبيعة المعلومات والظروف التي تُعرض فيها.
وفي بيئة العمل، قد يسمع الموظف شائعة عن ترقية زميل من ثلاثة أشخاص مختلفين، فيعتقد أن تعدد المصادر دليل على صحتها. لكن هؤلاء الأشخاص ربما ينقلون جميعاً المعلومة نفسها التي بدأت لدى شخص واحد، من دون امتلاك أي منهم معرفة مباشرة بالقرار. لهذا، فإن انتشار الخبر لا يساوي التحقق منه، كما أن كثرة من يرددونه لا تعني بالضرورة أنهم يمثلون مصادر مستقلة.
متى تتحول شائعات العمل إلى مصدر للضغط النفسي؟
قد تبدو بعض الأحاديث الجانبية غير مؤذية في البداية، لكن الشائعات السلبية يمكن أن تؤثر في الأشخاص المستهدفين بها، خصوصاً عندما تتعلق بكفاءتهم أو أخلاقهم أو علاقتهم بالإدارة.
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2023 في «المجلة الدولية لإدارة الموارد البشرية»، واعتمدت على بيانات جُمعت من 243 موظفاً في خمس شركات صينية، وجود ارتباط بين التعرض للنميمة السلبية في العمل وارتفاع الضيق النفسي وتراجع الرفاه الشخصي لدى المستهدفين بها.
وتشير هذه النتائج إلى أن أثر الشائعات قد يتجاوز الإحراج المؤقت، ليؤثر في شعور الموظف بالأمان والانتماء إلى فريقه. فعندما يعتقد الشخص أن الآخرين يتحدثون عنه أو يشككون في نزاهته، قد يصبح أكثر توتراً وحذراً، ويقل شعوره بالثقة في زملائه.
كما يمكن أن تنعكس الشائعات على العلاقات داخل المؤسسة، إذ قد تؤدي إلى سوء الفهم أو تكوين تحالفات متعارضة أو تجنب التعاون مع أشخاص بناءً على معلومات لم يجر التحقق منها.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن كل حديث غير رسمي يسبب ضرراً؛ فالأثر يعتمد على مضمون الحديث، وطريقة تداوله، ومدى استهدافه لشخص بعينه، والسياق الذي يحدث فيه.
هل يمكن أن تكون النميمة مفيدة أحياناً؟
ليس كل حديث عن شخص غائب خبيثاً أو مضللاً بالضرورة. فقد تتضمن الأحاديث غير الرسمية معلومات تساعد الموظفين على فهم قواعد العمل غير المكتوبة، أو التعرف إلى تجارب زملائهم، أو تبادل تنبيهات بشأن سلوكيات مهنية معينة.
وتشير الأبحاث المتعلقة بالسمعة في بيئة العمل إلى أن تبادل المعلومات قد يؤدي وظائف اجتماعية متعددة، مثل نقل المعرفة، وتعزيز الروابط بين أفراد المجموعة، والمساعدة على تكوين الانطباعات عن الآخرين.
لكن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة المعلومة وطريقة استخدامها. فمشاركة تجربة مهنية موثوقة بهدف مساعدة زميل تختلف عن نشر اتهام غير مؤكد أو تداول تفاصيل خاصة لا ضرورة لها.
كذلك، لا ينبغي الخلط بين الاستفادة من المعلومات المتاحة وبين اعتبار كل ما يُقال حقيقة. فقد تكون الشائعة نقطة تدفع إلى طرح سؤال أو طلب توضيح، لكنها لا تصلح وحدها أساساً لاتخاذ قرار بشأن شخص أو مستقبله المهني.
كيف تتعامل مع شائعات المكتب من دون الوقوع في فخها؟
ليس من السهل الانفصال تماماً عما يجري في محيط العمل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتغييرات قد تمس الموظف مباشرة. لكن يمكن تقليل تأثير الشائعات من خلال خطوات بسيطة.
أولاً، اسأل عن مصدر المعلومة: هل نقلها شخص شاهد الحدث أو اطلع على القرار، أم أنها مجرد استنتاج متداول؟ ثانياً، ميّز بين الوقائع والتفسيرات. فمشاهدة مسؤول يعقد اجتماعاً مغلقاً حقيقة يمكن التحقق منها، أما القول إن الاجتماع خُصص لاتخاذ قرار بتسريح موظفين فهو تفسير يحتاج إلى دليل. ثالثاً، ابحث عن المعلومات الرسمية عندما يتعلق الأمر بمستقبلك المهني، مثل بيانات الإدارة أو التواصل المباشر مع المسؤول المختص، بدلاً من الاعتماد على الأحاديث الجانبية.
وأخيراً، تجنب إعادة نشر المعلومات التي قد تضر بسمعة زميلك ما لم تكن موثوقة وضرورية. فمجرد إضافة شخص جديد إلى سلسلة تداول الشائعة قد يزيد انتشارها، حتى لو كان ينقلها بحسن نية.
لماذا يصعب تجاهل الشائعات، وما القرار الأكثر عقلانية؟
تكمن صعوبة تجاهل شائعات العمل في أنها تجمع بين الفضول الاجتماعي والقلق بشأن المستقبل والحاجة إلى فهم ما يحدث في المحيط المهني. وعندما تكون المعلومات الرسمية غامضة، يصبح الحديث المتداول وسيلة يحاول الموظفون من خلالها ملء الفراغ.
لكن هذه الحاجة إلى الفهم لا تجعل الشائعة صحيحة، كما أن تكرارها لا يحولها إلى حقيقة. وقد تكون بعض المعلومات مفيدة في لفت الانتباه إلى موضوع يستحق التحقق، في حين قد تؤدي معلومات أخرى إلى تضليل الموظفين والإضرار بعلاقاتهم وراحتهم النفسية.
وفي النهاية، لا يتمثل التصرف الأكثر عقلانية في تجاهل كل ما يُقال داخل المكتب، ولا في تصديق كل ما يصل إلى مسامعنا، بل في الإصغاء بوعي، والتحقق من المصادر، والامتناع عن تحويل التخمينات إلى أحكام. ففي بيئة العمل، قد تنتشر الشائعة خلال دقائق، لكن استعادة الثقة بعد أن تتسبب في ضرر قد تستغرق وقتاً أطول بكثير.
اقرأ المزيد
كيف تبدو أكثر مصداقية في العمل؟ عادة بسيطة تعزز حضورك وثقتك بنفسك
تحول جديد في نظام تقييم الموظفين يغير ثقافة العمل داخل ميتا

