وطن-عضّة واحدة قد تبدو بسيطة، وجرح صغير قد لا يثير القلق في لحظته، لكن وراءه قد يبدأ سباق حقيقي مع الزمن، خصوصاً عندما يكون الحيوان مصاباً بداء السعار.
في مصر، لم تعد الكلاب السائبة مجرد مشهد عابر في الشوارع، إذ تتحدث التقديرات الواردة في التقرير عن أكثر من 1.5 مليون حالة عقر سنوياً، إلى جانب تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 40 مليون كلب ضال. لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق ليس عدد الكلاب وحده، وإنما ما يمكن أن تترتب عليه عضة حيوان مصاب بالسعار.
عضة قد تتحول إلى مأساة
قد يبدو الجرح في البداية محدوداً، وربما يظن المصاب أن الأمر لا يستحق القلق، لكن السعار يختلف عن كثير من الأمراض الأخرى. فعندما تظهر أعراض المرض، تصبح فرص النجاة ضئيلة للغاية، ما يجعل التعامل السريع مع أي عضة أو تعرض محتمل للعدوى مسألة بالغة الأهمية.
وتحولت الأرقام إلى قصص إنسانية مؤلمة، من بينها حالتا الطفلتين مكة السيد عوض وجوري محمد أبو عواد، اللتين انتهت حياتهما بعد الإصابة بالسعار، وفق ما يورده التقرير. وفي أحد المستشفيات، يتحدث مصدر طبي عن استقبال ما بين 60 و70 حالة عقر يومياً، في مؤشر على حجم الضغط الذي يمكن أن تفرضه المشكلة على الخدمات الصحية.
كيف اتسعت الظاهرة؟
لا ترتبط أزمة الكلاب السائبة بعدد الحيوانات وحده، إذ تلعب البيئة المحيطة دوراً مهماً في استمرارها. فالقمامة المتروكة في الشوارع، ومخلفات الذبح، إلى جانب الإطعام العشوائي، توفر مصادر غذاء مستمرة للكلاب، وتساعد على بقائها وتكاثرها بالقرب من المناطق السكنية.
ومع توافر الطعام، يمكن أن تتحول بعض المناطق إلى نطاقات تتحرك فيها مجموعات من الكلاب، وقد تدافع عنها بشراسة، ما يزيد مخاطر التعرض للعقر، خصوصاً بالنسبة للأطفال وكبار السن والمارة. وهكذا تتداخل عدة عوامل في صناعة الأزمة: انتشار الحيوانات، وتوافر الغذاء، وسوء إدارة النفايات، والإطعام العشوائي، إلى جانب محدودية برامج السيطرة والتطعيم، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
التطعيم.. الحلقة الأهم في مواجهة السعار
لا تتعلق مواجهة السعار بإبعاد الكلاب من الشوارع فقط، وإنما ترتبط أيضاً بالقدرة على تطعيم الحيوانات والسيطرة على انتقال المرض. وتشير المادة إلى أن التطعيم المستهدف يجب أن يصل إلى نحو 70 في المئة من الكلاب سنوياً حتى يكون فعالاً في الحد من انتشار السعار، بينما تبقى مستويات التطعيم، وفق التقديرات الواردة في التقرير، أقل بكثير من هذا المستوى.
وهنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً، لأن السيطرة على السعار تتطلب الوصول إلى أعداد كبيرة من الحيوانات بشكل منتظم، وليس تنفيذ حملات متقطعة لا تستمر لفترة كافية.
من أزمة حيوانات إلى أزمة سلامة عامة
ومع تزايد أعداد حالات العقر، تتحول الظاهرة من مشكلة مرتبطة بالحيوانات السائبة إلى قضية تمس السلامة العامة والصحة في الشوارع. فالمواطن الذي يغادر منزله لا يملك دائماً القدرة على معرفة ما إذا كان الحيوان الذي يقترب منه آمناً أم لا، كما أن الأطفال قد لا يدركون خطورة الاقتراب من مجموعات الكلاب أو استفزازها.
وتزداد المخاطر عندما تكون مصادر الطعام منتشرة في المناطق السكنية، لأن وجود القمامة ومخلفات الطعام يمكن أن يجذب الحيوانات إلى محيط المنازل والمدارس والأسواق.
السؤال لم يعد فقط: كم عدد الكلاب؟
أمام هذه المعطيات، لم يعد السؤال يتعلق فقط بعدد الكلاب السائبة في مصر، وإنما بمدى قدرة الجهات المعنية على السيطرة على الأزمة، وتقليل حالات العقر، ورفع معدلات التطعيم، والتعامل مع مصادر الغذاء التي تساعد على استمرار انتشار الحيوانات في الشوارع.
فكل عضة تحمل احتمالاً يحتاج إلى التعامل معه بجدية، وكل تأخير في التعامل مع التعرض المحتمل للسعار قد تكون له عواقب خطيرة. وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: متى يتحول الشارع الذي نعيش فيه من مجرد مساحة مشتركة بين الإنسان والحيوان إلى منطقة خطر حقيقية؟
اقرأ المزيد
«حرام تصوّر دون إذن».. لماذا دخلت كاميرا الهاتف خطبة الجمعة في مصر؟
«مستقبل مصر» يدخل القطاع الصحي.. هل تمتد منظومته إلى المستشفيات الحكومية والعسكرية؟
13 عاماً في سجون السيسي.. باسم عودة وزير الغلابة الذي لم يغب عن ذاكرة المصريين

