وطن-لم يعد نشاط «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة» محصوراً في المجالات التي ارتبط بها اسمه خلال السنوات الماضية. ففي سبتمبر 2026، ظهر الجهاز بصورة معلنة في قطاع الرعاية الصحية من خلال إطلاق شركة «تحالف مستقبل مصر الطبي»، وهي شركة تابعة للجهاز ومخصصة لتطوير منظومة متكاملة للرعاية الصحية تشمل الخدمات الطبية المتخصصة، والتدريب والبحث العلمي، والتحول الرقمي، إلى جانب السياحة العلاجية.
وجاء الظهور العلني للشركة خلال معرض «إيجي هيلث 2026»، الذي أقيم في القاهرة بين 15 و17 سبتمبر، حيث عرضت الشركة رؤيتها لتطوير منظومة طبية تجمع بين المنشآت المتخصصة والتكنولوجيا والتدريب والبحث العلمي، مع استهداف مرضى من داخل مصر وخارجها.
وهكذا دخل الجهاز مجالاً جديداً يرتبط مباشرة بقطاع شديد الحساسية بالنسبة للمصريين، وهو قطاع العلاج والرعاية الصحية.
مستشفيان في قلب المرحلة الأولى
المرحلة الأولى من المنظومة الجديدة تبدأ من منشأتين طبيتين معروفتين هما المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي، وهما منشأتان تابعتان للقوات المسلحة. وتقول الشركة إن هذه المرحلة تضم أكثر من 38 تخصصاً طبياً وأكثر من 100 استشاري، بطاقة استيعابية تتجاوز 500 سرير، إلى جانب تخصصات دقيقة تشمل القلب والأورام والأعصاب وزراعة الأعضاء والعظام والعيون وغيرها.
ويقدم المركز الطبي العالمي خدمات واسعة في عدد كبير من التخصصات، بينما يضم المستشفى الجوي التخصصي أقساماً متخصصة في القلب والأورام والأعصاب والعظام والعيون والأنف والأذن، إلى جانب مركز لعلاج الأورام بالإشعاع. كما تشير البيانات المنشورة إلى حصول المركز الطبي العالمي على اعتمادات دولية ومحلية، بينها اعتماد اللجنة الدولية المشتركة، بينما يحمل المستشفى الجوي التخصصي اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية.
السياحة العلاجية.. الرهان الأكبر
لكن المشروع لا يطرح نفسه باعتباره مجرد إعادة تنظيم لمنشآت طبية قائمة، بل يقدم رؤية أوسع تقوم على تطوير ما تسميه الشركة منظومة متكاملة للرعاية الصحية والسياحة العلاجية. وخلال معرض «إيجي هيلث»، عرضت الشركة تصوراً لاستقبال المرضى من الدول العربية والأفريقية والأوروبية، يبدأ قبل وصول المريض إلى مصر من خلال الاستشارات والتقييم الطبي، ويمتد إلى ترتيبات السفر والإقامة والترجمة، ثم المتابعة الطبية بعد العلاج.
كما تتضمن الرؤية المعلنة خدمات رقمية مثل الاستشارات عن بعد والرأي الطبي الثاني والمتابعة الإلكترونية، في محاولة لبناء مسار متكامل للمريض الدولي بدلاً من الاقتصار على تقديم الخدمة الطبية داخل المستشفى. وهنا تظهر الأهمية الاقتصادية للمشروع؛ فالسياحة العلاجية تعني استقطاب مرضى أجانب يدفعون مقابل الخدمات الطبية، إلى جانب إمكانية التعامل مع شركات التأمين الدولية.
هل تنضم مستشفيات أخرى إلى المنظومة؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في المشروع، فالشركة تتحدث بالفعل عن توسع مرحلي وإمكانية انضمام منشآت ومستشفيات جديدة إلى الشبكة، وهو ما أكدته مواد تعريفية نُشرت حول مشاركتها في المعرض. لكن بعض التقارير الصحفية ذهبت أبعد من ذلك، وتحدثت عن احتمال ضم مستشفيات أخرى تابعة للقوات المسلحة، إضافة إلى مستشفيات تابعة لوزارة الصحة.
وذكرت «مدى مصر»، نقلاً عن مصادر لم تسمها، أن مستشفيات حكومية قد تكون ضمن خطط التوسع المحتملة، وربطت ذلك أيضاً بقانون صدر عام 2024 ينظم إمكانية إسناد إنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير بعض المنشآت الصحية العامة إلى مستثمرين مصريين وأجانب لفترات قد تصل إلى 15 عاماً. لكن هذه النقطة تحتاج إلى تدقيق مهم: لا يوجد حتى الآن إعلان حكومي منشور يثبت نقل تبعية مستشفيات حكومية محددة إلى «تحالف مستقبل مصر الطبي».
بل إن التقرير نفسه أشار إلى عدم إعلان مجلس الوزراء أو وزارتي الصحة والدفاع قراراً رسمياً بنقل تبعية المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي إلى الشركة، أو توضيح الأساس القانوني الدقيق لمثل هذا النقل إن حدث. وبالتالي، فإن الحديث عن مستشفيات حكومية إضافية يجب أن يبقى في إطار الخطط أو التوقعات والتقارير الصحفية، لا باعتباره قراراً منفذاً بالفعل.
الاستثمار في الصحة.. أين يقف المواطن؟
دخول الاستثمار وإدارة الأعمال إلى قطاع الرعاية الصحية يفتح نقاشاً يتجاوز مسألة إنشاء شركة جديدة. فمن جهة، يمكن لتطوير البنية التحتية، واستقطاب الاستثمارات، ورفع كفاءة المنشآت، وتطوير التكنولوجيا والتخصصات الدقيقة أن يدعم جودة الخدمات الطبية، كما أن السياحة العلاجية يمكن أن توفر مورداً اقتصادياً وتزيد قدرة المنشآت على استقطاب الكفاءات والتقنيات الحديثة.
لكن من جهة أخرى، فإن توسع النماذج الاستثمارية داخل منشآت تقدم خدمات للمواطنين يطرح أسئلة حول الأسعار، وآليات التعاقد، ونطاق الخدمات المدعومة، وأولوية المرضى، وكيفية ضمان عدم تحول السعي إلى العائد المالي إلى عامل يحد من قدرة الفئات الأقل دخلاً على الوصول إلى العلاج.
وهذه ليست نتيجة ثبتت بالفعل في حالة «تحالف مستقبل مصر الطبي»، وإنما أسئلة تتعلق بكيفية إدارة أي توسع استثماري في قطاع الصحة، وتصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمنشآت مملوكة للدولة أو تابعة لمؤسسات عامة.
قانون 2024 يفتح باباً أوسع لإدارة المنشآت الصحية
ولا يمكن فصل النقاش عن الإطار القانوني الذي تطور خلال السنوات الأخيرة. ففي يونيو 2024 صدر قانون ينظم التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية، ويسمح بإسناد إنشاء أو إدارة أو تشغيل أو تطوير بعض المنشآت الصحية العامة إلى مستثمرين مصريين أو أجانب وفق ضوابط محددة، ولمدد تصل إلى 15 عاماً.
هذا الإطار لا يعني تلقائياً أن مستشفيات بعينها ستنتقل إلى «مستقبل مصر»، لكنه يوضح البيئة القانونية التي يمكن أن تجري في إطارها عمليات إدارة أو تطوير بعض المنشآت الصحية العامة.
ومن هنا تأتي أهمية نشر تفاصيل أي قرارات مستقبلية بصورة واضحة، بما يشمل طبيعة الملكية، والجهة المديرة، وآلية تحديد أسعار الخدمات، وحقوق المرضى، ونظام الرقابة على الأداء والعوائد.
«أخطبوط» أم توسع مؤسسي؟
وصف «مستقبل مصر» بأنه «أخطبوط جديد» يعكس قراءة سياسية أو نقدية لتوسع الجهاز في مجالات متعددة، لكنه ليس وصفاً رسمياً لطبيعة عمله. أما من الناحية الموثقة، فالجهاز يقدم نفسه باعتباره جهة حكومية تعمل في مشروعات التنمية وشراكات مع القطاع الخاص، بينما أصبح له الآن ذراع معلن في الرعاية الصحية من خلال «تحالف مستقبل مصر الطبي».
والتوسع الصحي الجديد يأتي في سياق أوسع تسعى فيه الحكومة المصرية إلى تطوير السياحة العلاجية وتحويلها إلى أحد مجالات النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع تطوير الخدمات الطبية والتكنولوجيا والتدريب والبحث العلمي. لذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يملك المستشفى أو يديره، وإنما أيضاً بكيفية تحديد العلاقة بين الخدمة الصحية باعتبارها مرفقاً عاماً، والنشاط الاستثماري باعتباره مشروعاً يسعى إلى تحقيق عوائد.
ماذا نعرف حتى الآن؟
المؤكد أن «تحالف مستقبل مصر الطبي» أُعلن بالفعل، وأنه تابع لجهاز مستقبل مصر، وأن مرحلته الأولى تشمل المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي، وأن الشركة تضع السياحة العلاجية والتخصصات الدقيقة والتحول الرقمي والتدريب والبحث العلمي ضمن مجالات عملها. والمؤكد أيضاً أن الشركة أعلنت عن خطة للتوسع التدريجي في المنشآت والتخصصات والخدمات الطبية. أما الحديث عن نقل مستشفيات حكومية أخرى إلى مظلة الشركة، فلم يتحول حتى الآن إلى قرار حكومي معلن يمكن التعامل معه كأمر واقع.
وبين التوسع المعلن والسيناريوهات المطروحة، يبقى الملف مفتوحاً على أسئلة مهمة: هل ستتحول المنظومة إلى شبكة طبية كبيرة تستهدف المصريين والسياح على حد سواء؟ وكيف ستحدد أسعار الخدمات؟ وما حدود الرقابة على إدارتها وعوائدها؟ وهل سيؤدي التوسع إلى تحسين الخدمة أم إلى تغيير طبيعة العلاقة بين المواطن والمنشأة الصحية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من اسم الشركة أو حجم توسعها وحده، وإنما من القواعد التي ستنظم الملكية والإدارة والأسعار والرقابة وحق المواطنين في الحصول على العلاج.
اقرأ المزيد
مصر.. حين يصبح التعليم امتيازاً للأغنياء: من قتل المدرسة؟
“معركة الحيتان” في القضاء المصري.. أزمة بين القضاة والنيابة تبدأ بمشادة في الشارع
الخديوي عبد الفتاح.. هل تبيع مصر ضرائب المستقبل لسداد ديون الحاضر؟
هل الكهرباء في مصر هي الأرخص حقًا؟ الأرقام تكشف الحقيقة عندما يُقاس السعر بالدخل

