وطن-في بلد طالما ارتبط فيه التعليم بفكرة الصعود الاجتماعي وفتح أبواب المستقبل أمام أبناء الطبقات المختلفة، تبدو المدرسة المصرية اليوم أمام تحديات متراكمة تجعل الحصول على تعليم جيد أكثر ارتباطاً بقدرة الأسرة على الإنفاق.
فصول مكتظة، نقص في أعداد المدرسين، ضغوط الامتحانات، وتوسع في الدروس الخصوصية والتعليم الخاص، كلها عوامل تضع الأسر أمام نفقات إضافية، وتثير سؤالاً يتجاوز حدود المدرسة نفسها: هل لا يزال التعليم الحكومي قادراً وحده على ضمان فرص متقاربة للطلاب؟
أزمة لم تبدأ بين ليلة وضحاها
المشهد الحالي ليس نتاج أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات امتدت لسنوات. فقد واجه نظام التعليم المصري تحديات تتعلق بجودة التدريس، والبنية المدرسية، وتوزيع الموارد، إلى جانب ارتفاع الطلب على الدروس الخصوصية.
ويشير البنك الدولي إلى أن اكتظاظ المدارس ونقص المدرسين شكّلا تحديين أمام النظام التعليمي، فيما أصبحت كلفة الدروس الخصوصية عاملاً يؤثر في قدرة الأسر على توفير الدعم التعليمي لأبنائها.
وفي عام 2024، تحدث البنك الدولي عن الحاجة إلى زيادة الإنفاق لتحسين البنية التعليمية وتوفير مزيد من المدارس والمدرسين، في وقت تواجه فيه المدارس المصرية ضغطاً نتيجة الاكتظاظ ونقص الكوادر التعليمية.
عندما لا تكفي المدرسة وحدها
المشكلة لا تتوقف عند عدد الطلاب داخل الفصل أو عدد المدرسين، بل تمتد إلى ما يحدث بعد انتهاء اليوم الدراسي. فالدروس الخصوصية أصبحت جزءاً أساسياً من تجربة عدد كبير من الأسر المصرية، خصوصاً مع أهمية الامتحانات في تحديد المسار التعليمي للطالب.
وبمرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه الدروس من خيار إضافي إلى عبء يصعب على الأسرة الاستغناء عنه، خصوصاً عندما تشعر بأن المدرسة وحدها لا تمنح ابنها ما يكفي للاستعداد للامتحانات والمنافسة على المراحل التعليمية التالية.
وتشير دراسات للبنك الدولي إلى أن الإنفاق غير المتكافئ على الدروس الخصوصية يمكن أن يساهم في توسيع الفوارق التعليمية بين الطلاب، لأن الأسر الأكثر قدرة مالياً تستطيع شراء ساعات تعليم إضافية وخدمات تعليمية لا يستطيع الجميع تحمل تكلفتها.
التعليم الخاص.. خيار أم ضرورة؟
في الوقت نفسه، توسع التعليم الخاص أوجد مسارات تعليمية إضافية أمام الأسر القادرة على تحمل تكاليفه. وجود التعليم الخاص في حد ذاته ليس المشكلة، لكن التحدي يظهر عندما يصبح الفرق بين ما يحصل عليه الطالب داخل المدرسة الحكومية وما يمكن أن توفره المؤسسات التعليمية الخاصة مرتبطاً بصورة متزايدة بالقدرة المالية للأسرة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي نظام تعليمي: تكافؤ الفرص. فالطالب الذي يستطيع والداه دفع تكاليف مدرسة خاصة ودروس إضافية ووسائل تعليمية مساندة يدخل المنافسة من موقع مختلف عن طالب يعتمد بصورة شبه كاملة على المدرسة الحكومية. ولا يعني ذلك أن المال يضمن النجاح، لكنه يمنح بعض الأسر قدرة أكبر على شراء الوقت والدعم والموارد التعليمية.
الفقراء يدفعون الثمن بطريقة مختلفة
عندما ترتفع النفقات المرتبطة بالتعليم، لا تتأثر جميع الأسر بالطريقة نفسها، فالأسرة ذات الدخل المرتفع قد تتمكن من تحمل تكاليف الدروس الخاصة أو التعليم الخاص، بينما تضطر الأسرة محدودة الدخل إلى تقليص هذه النفقات أو التخلي عن بعضها.
وتصبح الفجوة أكثر حساسية عندما يكون الدعم التعليمي خارج المدرسة مرتبطاً بنتائج الامتحانات أو فرص الالتحاق بمسارات تعليمية أفضل. وقد أظهرت أبحاث للبنك الدولي أن الفوارق في الموارد المالية والثقافية للأسر، إلى جانب عوامل جغرافية ومؤسسية، ترتبط بفوارق في فرص التعلم والتحصيل الدراسي في مصر.
أزمة المدرسين في قلب المشهد
ولا يمكن فصل ملف الدروس الخصوصية عن أزمة نقص المدرسين. ففي 2024، تحدثت وزارة التعليم المصرية، بحسب رويترز، عن وجود نحو 470 ألف وظيفة شاغرة في قطاع التدريس، في وقت تواجه فيه المدارس اكتظاظاً ونقصاً في الموارد.
هذا النقص يضع ضغوطاً إضافية على العملية التعليمية، ويجعل معالجة المشكلة أكبر من مجرد تعديل المناهج أو تغيير نظام الامتحانات. فالمنهج مهما تغير يحتاج إلى مدرس قادر على شرحه، والفصل مهما كان مجهزاً يحتاج إلى عدد مناسب من المدرسين والطلاب، والطالب يحتاج إلى وقت كافٍ للحصول على المساعدة داخل المدرسة.
مصر لا تعاني من نقص في العقول
المفارقة أن المشكلة لا تعني غياب القدرات البشرية المصرية. فالطلاب والباحثون والعلماء المصريون يواصلون تحقيق نتائج وإنجازات في مجالات مختلفة داخل مصر وخارجها. ولهذا فإن السؤال لا يتعلق بقدرة الطالب المصري على التعلم أو الإبداع، بقدر ما يتعلق بالبيئة التي يتلقى فيها التعليم والموارد المتاحة له والفرص التي يحصل عليها مقارنة بغيره.
وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة المصرية بالتعاون مع اليونيسف وشركاء آخرين خلال 2025 مبادرة وطنية لمواجهة فقر التعلم، مع التركيز على القراءة والحساب وتدريب المدرسين وتوفير برامج علاجية للطلاب الذين تأخروا دراسياً.
وتشير اليونيسف إلى أن المرحلة الأولى من أحد برامج دعم القراءة والكتابة وصلت إلى نحو 200 ألف طالب ودربت أكثر من 6 آلاف مدرس، مع تسجيل تحسن في نتائج القراءة لدى الطلاب المشاركين.
هل يمكن إنقاذ المدرسة؟
الإجابة لا تبدو مرتبطة بحل واحد. فمعالجة أزمة التعليم تحتاج إلى مدرسين أكثر، وفصول أفضل، ومناهج فعالة، وتدريب مستمر للمعلمين، إلى جانب تخفيف اعتماد الأسر على الدروس الخصوصية من خلال رفع جودة التعليم داخل المدرسة.
كما أن تحقيق تكافؤ الفرص لا يعني إلغاء التعليم الخاص أو منع الأسر من اختيار مسارات مختلفة، بل يعني أن الطالب الذي لا تملك أسرته القدرة على الإنفاق يجب ألا يُحرم بسبب ذلك من فرصة حقيقية للحصول على تعليم جيد.
وهنا تعود المدرسة إلى جوهر دورها: أن تكون المكان الذي يحصل فيه الطالب على المعرفة والدعم والتوجيه، لا مجرد محطة قبل الانتقال إلى درس خصوصي آخر.
حين يصبح المال جزءاً من المعادلة
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الفرق بين طالب وآخر مرتبطاً بصورة متزايدة بما تستطيع أسرته دفعه. فالتعليم يفترض أن يكون وسيلة لتقليص الفوارق الاجتماعية، لا آلية لإعادة إنتاجها.
وفي مصر، حيث يمثل التعليم أحد أهم مفاتيح المستقبل بالنسبة إلى ملايين الأسر، فإن استمرار الفجوة بين المدرسة والدروس الخصوصية والتعليم الخاص يطرح سؤالاً أكبر من مجرد جودة المناهج:
إذا كان التعليم هو الطريق إلى المستقبل، فماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى أفضل فرص التعلم مرتبطاً بقدرة الأسرة على دفع ثمن هذا الطريق؟ وهنا لا يعود السؤال فقط: «من قتل المدرسة؟».. بل يصبح: كيف يمكن إعادة المدرسة إلى المكان الذي يستطيع فيه الطالب أن يتعلم وينافس ويحلم، بغض النظر عن دخل أسرته؟
اقرأ المزيد
13 عاماً في سجون السيسي.. باسم عودة وزير الغلابة الذي لم يغب عن ذاكرة المصريين
“أنا دفعت من جيبي”.. صالحة أبو الفضل، “أبلة حكمت” التي خرجت من الشاشة إلى مدرسة مصرية

