وطن-«حرام تصوّر من غير إذن».. عبارة لم تعد مرتبطة فقط بالنقاشات القانونية أو بأخلاقيات استخدام الهاتف، بل وصلت إلى خطبة الجمعة في المساجد المصرية، بعدما خصصت وزارة الأوقاف موضوع الخطبة الثانية للتحذير من تصوير الأشخاص دون إذن وانتهاك خصوصيتهم.
ففي خطبة الجمعة ليوم 25 سبتمبر/أيلول 2026، جاء موضوع الخطبة الأولى بعنوان «البيئة نعمة ربانية ومسؤولية إنسانية»، بينما حملت الخطبة الثانية عنوان «حرمة تصوير الأفراد بدون إذن»، وربطت الوزارة بين حماية البيئة المادية وصيانة الإنسان وخصوصيته في الفضاء الرقمي.
من الشارع إلى خطبة الجمعة
وزارة الأوقاف المصرية أوضحت أن الهدف من الخطبة الثانية هو التأكيد على حرمة الخصوصية الإنسانية، محذرة من تصوير الأشخاص دون إذن، ومن نشر الصور والمقاطع أو تداولها بطريقة قد تلحق الضرر بأصحابها.
وتوسعت الخطبة في تناول مفهوم الخصوصية ليشمل العالم الرقمي، معتبرة أن حماية الإنسان وكرامته لا تتوقف عند حدود المكان المادي، وإنما تمتد أيضًا إلى الصور والمعلومات والمحتوى الذي يُتداول عبر الشاشات.
وبذلك، لم تعد الكاميرا في الخطاب الديني مجرد وسيلة تقنية محايدة، بل أصبحت مرتبطة بمسؤولية أخلاقية تجاه الأشخاص الذين تظهر صورهم في المقاطع والتسجيلات.
لماذا الآن؟
تأتي هذه الرسالة في وقت أصبحت فيه كاميرا الهاتف جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية. فحادث في الشارع، مشاجرة، اعتداء، مخالفة، واقعة أمنية أو حتى موقف عابر؛ يكفي أن يرفع شخص هاتفه ليصبح ما يحدث أمامه قابلًا للتسجيل والنشر والوصول إلى آلاف أو ملايين الأشخاص.
وفي بعض الحالات، يمكن أن تكون هذه التسجيلات وسيلة لتوثيق وقائع لم تكن لتحظى بالاهتمام الإعلامي لولا وجود شاهد يحمل هاتفًا.
لكن الوجه الآخر لهذه التقنية هو أن الصورة نفسها يمكن أن تتحول إلى أداة للتشهير أو انتهاك الخصوصية أو الإضرار بشخص لم يمنح موافقته على التصوير أو النشر. وهذه تحديدًا هي النقطة التي ركزت عليها وزارة الأوقاف في خطبتها.
«ضغطة زر» قد تترك أثرًا طويلًا
الخطبة الرسمية حذرت من أن سرعة النشر لا تبرر انتهاك حقوق الآخرين، مشيرة إلى أن صورة يتم التقاطها في لحظة غفلة يمكن أن تترك آثارًا طويلة على حياة صاحبها.
كما حذرت من تداول المقاطع والصور التي قد تؤدي إلى الأذى أو التشهير أو الإضرار بالأسر والأفراد، وربطت ذلك بمسؤولية الإنسان عن استخدام الوسائل الرقمية.
وتتبنى الوزارة بذلك خطابًا يقوم على فكرة أن الهاتف لم يعد مجرد جهاز شخصي، وأن استخدام الكاميرا والنشر عبر المنصات الرقمية يحملان مسؤولية أخلاقية تجاه الآخرين.
لكن ماذا عن توثيق ما يحدث في الشارع؟
هنا تظهر المساحة الأكثر حساسية في النقاش، فبينما تمثل الخصوصية حقًا أساسيًا للإنسان، فإن التصوير في المجال العام قد يكون في بعض الحالات وسيلة لتوثيق أحداث تهم المجتمع.
كاميرا الهاتف يمكن أن تكون شاهدًا على حادث، أو وسيلة لتوثيق واقعة، أو مصدرًا لمعلومة تصل إلى وسائل الإعلام والرأي العام. ومن ثم، فإن النقاش لا يتعلق بالتصوير باعتباره فعلًا واحدًا، وإنما بالفرق بين تصوير شخص في وضع خاص دون علمه، وبين توثيق واقعة عامة قد تكون لها أهمية للمجتمع. وهذه التفرقة مهمة خصوصًا عندما تتداخل الخصوصية مع التوثيق والمصلحة العامة.
هل تحمي الخطبة الخصوصية فقط؟
بحسب النص الرسمي، تركيز وزارة الأوقاف كان واضحًا على حماية الخصوصية الإنسانية، وليس على منع التصوير بوصفه نشاطًا في حد ذاته. فالخطبة تحدثت عن تصوير الأفراد دون إذن، وعن نشر الصور والمقاطع بطريقة قد تلحق الضرر بالآخرين.
كما أن الوزارة واصلت طرح الموضوع ضمن أنشطتها الدعوية والتثقيفية؛ إذ أعلنت عن تنظيم 625 ندوة علمية بعنوان «حرمة تصوير الآخرين بدون إذن» في 28 سبتمبر/أيلول 2026، ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».
وهذا يشير إلى أن الموضوع ليس مجرد فقرة عابرة في خطبة واحدة، بل جزء من خطاب توعوي أوسع حول استخدام الوسائل الرقمية واحترام الخصوصية.
الهاتف.. شاهد أم مصدر للمشكلة؟
السؤال الأوسع الذي تفرضه هذه القضية هو: ماذا يحدث عندما تصبح كاميرا الهاتف موجودة في كل مكان؟ فالهاتف يستطيع أن يوثق ويحفظ وينشر في اللحظة نفسها. وهذا يمنح المواطن قدرة غير مسبوقة على تسجيل ما يحدث حوله، لكنه في الوقت ذاته يجعل الأشخاص عرضة للتصوير والنشر دون علمهم. لذلك تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد «التصوير مسموح» أو «التصوير ممنوع».
هناك خصوصية يجب احترامها، وهناك أيضًا وقائع عامة قد يكون توثيقها مهمًا. وهناك فرق بين الاحتفاظ بتسجيل لغرض مشروع وبين نشر صورة شخص أو مقطع عنه بطريقة قد تعرضه للتشهير أو الأذى.
السؤال الذي بقي خارج الكاميرا
الخصوصية، كما تطرحها وزارة الأوقاف، قيمة ينبغي حمايتها في العالم الواقعي والرقمي على حد سواء. لكن انتشار الهواتف والكاميرات يفتح في المقابل نقاشًا أوسع حول حدود التوثيق، ومسؤولية من يصور، ومسؤولية من ينشر.
ولهذا فإن السؤال لا يتوقف عند عبارة «حرام تصوّر دون إذن». والسؤال الأهم هو: متى يتحول التصوير إلى انتهاك للخصوصية، ومتى يصبح توثيقًا لواقعة تهم المجتمع؟
وبين الحق في حماية الحياة الخاصة والحق في معرفة ما يحدث في المجال العام، تظل الحاجة قائمة إلى فهم دقيق للحدود الفاصلة بين الاثنين، حتى لا تتحول حماية الخصوصية إلى ذريعة للإضرار بحقوق الآخرين، ولا يتحول التوثيق بدوره إلى انتهاك لكرامتهم. ففي زمن أصبحت فيه الكاميرا في جيب كل مواطن، لم تعد القضية تتعلق بالهاتف وحده، بل بالمسؤولية التي تأتي معه.
اقرأ المزيد
خالد سعيد يعود إلى الواجهة.. هل تعيد قضية دينا عزت فتح جرح أزمة الثقة في مصر؟
330 ألف جنيه وذهب ومخدرات.. القصة الكاملة لقضية دينا عزت وزوجها

