وطن-تتصاعد حدة المعارك في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، مع اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين، في واحدة من أشد موجات التصعيد التي تشهدها المنطقة منذ انهيار فترة الهدوء النسبي التي أعقبت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022.
وأعلن الجيش اليمني، الجمعة، تنفيذ 474 غارة وعملية استهداف خلال 24 ساعة في عدة جبهات، وقال إن العمليات أسفرت عن مقتل وإصابة 1540 من عناصر الحوثيين، غالبيتهم في جبهات تعز، إضافة إلى تدمير أو إعطاب 216 وسيلة وقدرة عسكرية، وفق بيان للمتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد ماجد النزيلي. ولا تتوفر أرقام مستقلة تؤكد هذه الحصيلة التي أعلنها الجيش.
تعز في قلب التصعيد
قال الجيش اليمني إن العمليات الأخيرة استخدمت الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والمدفعية والصواريخ وراجمات الصواريخ، وشملت جبهات عدة من جنوب حرض والساحل وكتاف، مروراً بالجوف ومأرب والبيضاء ولحج وصنعاء وصعدة، مع تركيز عسكري مكثف على محافظة تعز.
وبحسب البيان، استهدفت الضربات تجمعات وتعزيزات ومراكز قيادة وسيطرة وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين.
وتتركز المواجهات في عدد من المناطق والجبهات، بينها الأقروض وسامع والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري، وسط تقارير عن اشتباكات عنيفة ومحاولات تقدم وهجمات مضادة.
وكانت القوات الحكومية قد أعلنت قبل ذلك مقتل أكثر من 100 حوثي وإصابة عشرات آخرين في مواجهات على عدة محاور في تعز، وهي أرقام صادرة عن الجانب الحكومي أيضاً ولم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.
إغلاق معبر الحوبان
وبالتزامن مع التصعيد، أغلقت القوات الحكومية معبر الحوبان، وهو طريق رئيسي يربط المنطقة الخاضعة لسيطرة الحوثيين بمدينة تعز الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً.
وقالت القوات الحكومية إن الإغلاق جاء لأسباب أمنية، بعد ما وصفته بمحاولة تسلل حوثية وهجمات بالقرب من الطريق، إلى جانب رصد تحركات وحشود عسكرية في المنطقة.
ويمثل معبر الحوبان طريقاً مهماً للمدنيين وحركة البضائع بين مناطق السيطرة المختلفة في تعز. وبحسب تقارير إعلامية نقلت عن مسؤولين عسكريين، ظل المعبر مغلقاً لنحو تسع سنوات قبل إعادة فتحه أمام المدنيين عام 2024 لأسباب إنسانية، قبل أن يؤدي التصعيد الحالي إلى إغلاقه مجدداً.
ويزيد إغلاق الطريق من صعوبة التنقل بالنسبة للسكان، في محافظة تعاني أصلاً من آثار سنوات طويلة من الحرب والانقسام الجغرافي بين مناطق السيطرة.
التصعيد يمتد إلى الساحل الغربي
ولا تقتصر التطورات على جبهات تعز، إذ شهد الساحل الغربي لليمن تغيرات ميدانية خلال سبتمبر. وبحسب رصد وكالة الأناضول، يمثل التصعيد الحالي الأشد منذ 10 سبتمبر، عندما سيطر الحوثيون على مدينة المخا الاستراتيجية، قبل أن تتسع المواجهات في مناطق أخرى من تعز ولحج. كما أعلنت القوات الحكومية في الأيام الأخيرة صد هجمات حوثية وتنفيذ غارات على مواقع وآليات للجماعة.
وتكتسب المخا أهمية خاصة بسبب موقعها على البحر الأحمر وقربها من مضيق باب المندب، ما يجعل أي تغير في خطوط السيطرة على الساحل الغربي ذا أبعاد عسكرية ولوجستية تتجاوز حدود محافظة تعز.
نحو 198 ألف نازح منذ تصاعد القتال
ويأتي التصعيد العسكري في وقت تتسع فيه أزمة النزوح داخل اليمن. وأعلنت وحدة إدارة مخيمات النازحين أن عدد الأشخاص الذين نزحوا منذ استئناف التصعيد العسكري في يوليو بلغ 197,906 أشخاص، أي 29,519 أسرة، نتيجة استمرار القتال والقصف وتدهور الوضع الأمني.
وتتصدر تعز المحافظات المستضيفة للنازحين، إذ تستضيف 13,925 أسرة تضم 97,529 شخصاً موزعين على 15 مديرية، تليها لحج بنحو 50,253 نازحاً، ثم عدن بـ17,782 شخصاً وأبين بـ14,679 شخصاً.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تأثير المعارك لا يقتصر على خطوط الجبهة، بل يمتد إلى حركة السكان والخدمات الأساسية ومراكز الاستضافة، في بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية ممتدة.
هدوء استمر سنوات قبل أن ينكسر
وتأتي المواجهات الحالية بعد فترة طويلة من انخفاض نسبي في مستوى القتال مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، عقب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022.
إلا أن التصعيد العسكري عاد تدريجياً خلال الأشهر الأخيرة، قبل أن تتسع رقعته في سبتمبر ويصل إلى مستويات أكثر حدة في تعز ولحج ومناطق الساحل الغربي.
وفي أحدث تطورات القتال، قالت القوات الحكومية إنها صدت هجمات حوثية واسعة على عدة محاور، بينما أعلن الحوثيون بدورهم عن غارات وهجمات استهدفت مناطق واقعة تحت سيطرتهم. ويعكس ذلك استمرار الروايتين المتعارضتين بشأن سير المعارك وحجم الخسائر.
تعز.. عقدة عسكرية وإنسانية
تحتفظ تعز بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها بين المرتفعات اليمنية وساحل البحر الأحمر، إضافة إلى موقعها على طرق تربط مناطق عدة في جنوب وغرب البلاد.
لكن أهمية المحافظة لا تتوقف عند الحسابات العسكرية؛ فهي أيضاً واحدة من أكثر المناطق تأثراً بالحرب والنزوح، ما يجعل أي تصعيد جديد فيها ذا انعكاسات مباشرة على المدنيين.
ومع استمرار المعارك وإغلاق طرق رئيسية مثل معبر الحوبان، تواجه المحافظة معادلة مزدوجة: جبهة عسكرية تزداد سخونة، وأزمة إنسانية تتسع مع ارتفاع أعداد النازحين.
وفي ظل استمرار المواجهات على أكثر من محور، تبقى تعز إحدى أبرز نقاط التماس في اليمن، فيما قد تحدد التطورات الميدانية في الأيام المقبلة ما إذا كان التصعيد الحالي سيبقى محصوراً في جبهات محددة أم سيمتد إلى مناطق جديدة.
اقرأ المزيد
من المساجد إلى الجبهات: كيف أصبح السلفيون “القوة الضاربة” والعمود الفقري للجيش اليمني؟
عيدروس الزبيدي في خطاب التفويض: لا مساومة على إرادة الجنوبيين والجيش هو صمام الأمان..
مجندات اليمن في الصفوف الأولى.. يواجهن الحرب والمخاطر وتحديات مجتمع يتغيّر
تصعيد حوثي خطير في اليمن.. صواريخ ومسيرات تضرب مأرب وميناء المخا وتوقف التجارة

