وطن-أطلقت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية سلسلة صوتية جديدة بعنوان «بودكاست غزة»، تضع الفلسطينيين في قطاع غزة في قلب الرواية، من خلال إتاحة مساحة لهم للحديث مباشرة عن حياتهم وتجاربهم اليومية خلال الحرب.
ويهدف البرنامج إلى تجاوز لغة الأرقام والعناوين العاجلة، والتركيز على القصص الإنسانية للأشخاص الذين يعيشون داخل القطاع، وما يواجهونه من نزوح وفقدان وجوع ودمار، في محاولة لنقل تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن الاختزال الذي تفرضه التغطية الإخبارية السريعة.
ويقدم البرنامج حسام تنيرة، وهو معلّم وأب وناجٍ من الحرب في غزة، حيث يجري حوارات شخصية مع فلسطينيين يعيشون داخل القطاع، للحديث عن تجاربهم الخاصة وما تركته الحرب من آثار في حياتهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم.
من خلف الأرقام إلى أصحاب الحكاية
تقول «ميدل إيست آي» إن «بودكاست غزة» ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن الفلسطينيين في القطاع غالباً ما يظهرون في الأخبار من خلال أرقام القتلى والجرحى والنازحين، بينما تختفي خلف تلك الأرقام قصص أشخاص لكل منهم تجربة مختلفة.
وتتناول الحلقات جوانب متعددة من الحياة اليومية، بدءاً من النزوح المتكرر وتدمير المنازل، مروراً بنقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، وصولاً إلى محاولات الأسر الحفاظ على روابطها في ظروف شديدة الاضطراب.
ويمنح اختيار فلسطينيين يعيشون داخل غزة للحديث عن تجاربهم مساحة أكبر للرواية الشخصية، بحيث لا تقتصر القصة على ما تقوله البيانات أو التصريحات السياسية.
مريم يوسف تروي تجربتها في الحلقة الأولى
تستضيف الحلقة الأولى مريم يوسف، وهي خريجة طب حديثة، تتحدث خلال حوار مطول عن تجربتها خلال الحرب. وتروي مريم كيف لجأت إلى أحد المستشفيات، قبل أن تضطر إلى العزل بعد إصابتها بجدري الماء، في وقت كانت فيه الحياة داخل القطاع تتسم بالاضطراب ونقص الاحتياجات الأساسية.
كما تتحدث عن فقدان أشخاص من محيطها بسبب الجوع، وعن صعوبة التعامل مع الحزن الشخصي في ظل حجم الخسائر والدمار الذي يحيط بالسكان.
وتقدم قصتها نموذجاً للطريقة التي يريد البرنامج من خلالها الانتقال من الصورة العامة للحرب إلى التفاصيل الصغيرة التي يعيشها الأفراد يومياً.
حسام تنيرة.. صوت من داخل التجربة
لا يقتصر دور حسام تنيرة على إدارة الحوارات، إذ تقدم تجربته الشخصية خلفية مختلفة للبرنامج. وبصفته معلماً وأباً عاش الحرب في القطاع، تقول «ميدل إيست آي» إنه يدخل إلى الحوارات من موقع شخص اختبر بنفسه الظروف التي يتحدث عنها ضيوفه، ما يمنح السلسلة بعداً شخصياً في تناول التجارب الإنسانية.
ويحاول البرنامج، من خلال هذا الأسلوب، أن يتيح للمستمع التعرف إلى الفلسطينيين بوصفهم أشخاصاً لهم عائلات وأحلام ومخاوف وذكريات، وليس فقط بوصفهم جزءاً من إحصاءات الحرب.
ديفيد هيرست: غزة اختُزلت في أرقام
وقال ديفيد هيرست، المؤسس المشارك ورئيس تحرير «ميدل إيست آي»، إن إطلاق البرنامج يأتي في وقت أصبحت فيه معاناة غزة، بحسب تعبيره، مشهداً متكرراً في الأخبار.
ورأى هيرست أن غزة اختُزلت إلى حد كبير في الأرقام، معتبراً أن السلسلة الجديدة تمنح الفلسطينيين فرصة لسرد قصصهم وتجاربهم بأصواتهم.
كما اعتبر أن وجود حسام تنيرة في موقع مقدم البرنامج يضيف بعداً شخصياً إلى الحوارات، لأنه عاش جانباً من الظروف التي يحاول البرنامج توثيقها.
وتستخدم «ميدل إيست آي» في حديثها عن الحرب مصطلحات وتوصيفات سياسية وقانونية تعكس موقفها التحريري، ولذلك تأتي هذه التوصيفات في إطار عرض موقف الصحيفة والمتحدثين معها.
الحرب من زاوية الحياة اليومية
لا يسعى «بودكاست غزة» إلى تقديم تحليل عسكري أو سياسي للحرب بقدر ما يركز على تأثيرها في الحياة اليومية، فالحديث عن النزوح، وفق الصيغة التي يقدمها البرنامج، لا يتوقف عند عدد النازحين، وإنما ينتقل إلى تفاصيل البحث عن مكان آمن، ومحاولات الأسرة البقاء معاً، وفقدان المنزل، وانقطاع الخدمات الأساسية.
كما تتناول الحوارات تأثير الحرب على التعليم والعمل والعلاقات العائلية والصحة النفسية، وهي جوانب قد لا تظهر كاملة في التقارير التي تركز على التطورات العسكرية والسياسية. ومن خلال هذه الزاوية، تصبح القصة الشخصية وسيلة لفهم تأثير الأحداث الكبرى على حياة الأفراد.
مشروع يتجاوز الأخبار العاجلة
يتزامن إطلاق البرنامج مع استمرار اهتمام وسائل الإعلام الدولية بما يجري في غزة، لكن «ميدل إيست آي» تقول إن هدف السلسلة هو تقديم رواية أبطأ وأكثر قرباً من الأشخاص الذين يعيشون داخل القطاع.
فبدلاً من الانتقال سريعاً من خبر إلى آخر، تعتمد الحلقات على الحوار المطول، بما يسمح للضيوف بسرد تفاصيل قد لا تجد مساحة كافية في الأخبار اليومية.
وهذا النوع من التغطية الصوتية يتيح أيضاً للمستمع سماع شهادات مباشرة من أصحاب التجارب، بدلاً من الاعتماد فقط على تصريحات المسؤولين أو التحليلات السياسية.
أين يمكن الاستماع إلى «بودكاست غزة»؟
بحسب «ميدل إيست آي»، سيكون «بودكاست غزة» متاحاً للمشاهدة عبر يوتيوب، وللاستماع عبر سبوتيفاي وآبل بودكاست وغيرها من منصات البودكاست الرئيسية.
وتأتي السلسلة ضمن توسع «ميدل إيست آي» في إنتاج المحتوى الصوتي، إلى جانب برامج ونشرات أخرى تقدمها الصحيفة حول قضايا الشرق الأوسط وفلسطين وإسرائيل.
وفي النهاية، يضع «بودكاست غزة» نفسه أمام مهمة مختلفة: ليس تقديم رقم جديد عن الحرب، وإنما إعطاء مساحة لمن يعيشونها كي يرووا بأنفسهم كيف تبدو الحياة عندما تتحول الحرب من خبر على الشاشة إلى واقع يومي داخل المنزل والعائلة والمستشفى ومكان النزوح.
اقرأ المزيد
غزة تحت النار.. واتفاقيات أبراهام تعود إلى الواجهة من بوابة نيويورك وكازاخستان
أطفال غزة من ذوي متلازمة داون يحاولون استعادة مهاراتهم وسط الحرب والنزوح
فيلسوف إسباني: إسرائيل “بقايا أسوأ ما في أوروبا”.. وغزة نقطة تحول حضارية
مقتل أطفال في غزة مع تكثيف إسرائيل هجماتها خلال الساعات الـ24 الماضية

