وطن-في خيمة صغيرة وسط قطاع غزة، تحاول هبة العطار، البالغة من العمر 13 عاماً، استعادة مهارات احتاجت سنوات لتتعلمها، بعدما أدت الحرب والنزوح المتكرر إلى اضطراب حياتها التعليمية واليومية.
تصل هبة إلى مركز جمعية الحق في الحياة في الزوايدة، وسط القطاع، بعد رحلة طويلة عبر مخيمات النزوح والطرق المغبرة، لتجلس مع أطفال آخرين من ذوي متلازمة داون داخل خيمة مقسمة إلى فصلين، في محاولة لاستئناف التعليم والتأهيل في ظروف شديدة الصعوبة.
وتُعد هبة واحدة من أكثر من ألف طفل من ذوي متلازمة داون في غزة، وفق ما أورده تقرير «ميدل إيست آي»، الذي سلط الضوء على الصعوبات التي تواجهها هذه الفئة بعد تدمير مؤسسات الرعاية والتعليم والنزوح المتكرر ونقص الموارد.
سنوات من التأهيل توقفت فجأة
قبل الحرب، كانت جمعية الحق في الحياة توفر برامج متخصصة للأطفال من ذوي متلازمة داون، شملت التدخل المبكر والتعليم والتأهيل والدعم النفسي لأسرهم.
وتعود جذور الجمعية إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، وقد عُرفت بوصفها مؤسسة فلسطينية متخصصة في إعادة تأهيل الأشخاص من ذوي متلازمة داون والتوحد من خلال برامج متكاملة.
وبالنسبة إلى والد هبة، علاء العطار، كانت الجمعية نقطة تحول في حياة ابنته. فقد قال إنه كان يشعر بالخوف والقلق عندما علم أنها من ذوي متلازمة داون، قبل أن تساعده برامج الجمعية على فهم احتياجاتها ومتابعة تطورها.
وبحلول سن العاشرة، كانت هبة قد اكتسبت مهارات أساسية في الفهم والكلام والنظافة الشخصية، وبدأت تتعلم القراءة والكتابة. ولكن الحرب قطعت هذا المسار.
الخوف والنزوح يعيدان الأطفال إلى نقطة البداية
بحسب التقرير، دُمرت مرافق الجمعية خلال الحرب، بينما اضطر الأطفال وأسرهم إلى النزوح المتكرر في ظروف اتسمت بالخوف ونقص الاحتياجات الأساسية.
وتروي نبيلة عبد ربه أن ابنتها سجا، البالغة 13 عاماً، كانت تدخل في حالة من الذعر عند سماع أصوات الانفجارات، وتبحث عن والدتها وتصر على البقاء إلى جانبها.
وقالت إن ابنتها فقدت خلال فترة النزوح عدداً من المهارات الأساسية، إلى درجة أنها أصبحت عاجزة عن استخدام المرحاض واضطرت الأسرة إلى الاعتماد على الحفاضات في ظل صعوبة الحصول عليها.
أما والد هبة، فيصف فقدان ابنته للمهارات التي اكتسبتها على مدار سنوات بأنه كان من أكثر التجارب إيلاماً بالنسبة إليه، بعدما فقدت، وفق روايته، جزءاً كبيراً من روتينها واهتماماتها وقدراتها السابقة.
ولم تكن هبة وحدها، فبحسب عائلة فاطمة سلطان، البالغة 14 عاماً، أدت الحرب والنزوح والابتعاد عن البيئة التعليمية إلى تغيرات في سلوكها وقدرتها على التعبير عن مشاعرها، إضافة إلى اضطرابات في النوم وكوابيس متكررة.
وتقول روؤفة سلامة، مديرة برامج التأهيل في الجمعية، إن الصدمة النفسية المرتبطة بالحرب أدت إلى تراجع لدى بعض الأطفال في مهارات التواصل والنظافة الشخصية وغيرها من المهارات اليومية.
خيام بدل المراكز المتخصصة
بعد تدمير مرافق الجمعية، بدأت فرقها في يوليو/تموز 2024 استعادة بعض الخدمات بصورة تدريجية، من خلال الزيارات المنزلية والأنشطة الترفيهية والدعم النفسي، قبل توسيع البرامج لتشمل التعليم والتأهيل والتدخل المبكر.
واليوم، تقدم الجمعية خدمات لأكثر من ألف طفل من ذوي متلازمة داون والتوحد في ثلاثة مواقع داخل قطاع غزة، لكن هذه الخدمات تُقدم في خيام مؤقتة وسط نقص كبير في التجهيزات والبيئات التعليمية المناسبة، بحسب التقرير.
وللتعامل مع نقص المواد، يلجأ المدرسون إلى وسائل بسيطة لصناعة الأدوات التعليمية، مستخدمين الورق الملون وقطع الكرتون المأخوذة من عبوات المساعدات.
وعلى الرغم من محدودية الإمكانات، أعادت عودة الجمعية أملاً إلى عدد من الأسر التي لم تجد لأطفالها أماكن مناسبة للتعليم والتأهيل. وتقول والدة سجا إن ابنتها شعرت بسعادة كبيرة عندما تلقت دعوة للعودة إلى المركز، بعدما واجهت صعوبة في الالتحاق ببعض المدارس بسبب حالتها.
جدل حول زيادة الحالات
وأشار تقرير «ميدل إيست آي» إلى أن جمعية الحق في الحياة تستقبل، وفق إفادة مديرة برامج التأهيل، أربعاً إلى خمس حالات جديدة من الأطفال ذوي متلازمة داون أسبوعياً في مركز الزوايدة، مقارنة بحالة أو حالتين أسبوعياً قبل الحرب.
وربطت سلامة هذه الزيادة بالتلوث الناتج عن المتفجرات والضغط النفسي المرتبط بالحرب. لكن هذه النقطة تحديداً وردت بوصفها تفسيراً من مسؤولة في الجمعية، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة سببية بين الحرب أو التلوث وزيادة حالات متلازمة داون. ومتلازمة داون حالة جينية، لذلك فإن تفسير أي تغير في معدلات الولادة يحتاج إلى بيانات سكانية ودراسات طبية متخصصة.
التعليم محاولة لاستعادة ما فقده الأطفال
على الرغم من كل هذه الظروف، بدأت بعض المهارات بالعودة تدريجياً لدى الأطفال الذين استأنفوا برامج التأهيل. وتقول الجمعية إن الأطفال يعملون على استعادة مهارات التواصل والنظافة الشخصية، إلى جانب تعلم القراءة والكتابة والتعرف إلى المخاطر وتجنبها.
وبالنسبة إلى هبة، أصبح الذهاب إلى المركز جزءاً من حياتها اليومية من جديد. ويقول والدها إنها أصبحت أكثر تركيزاً وسعادة، وتعود إلى منزلها لتتحدث عن أصدقائها وما تعلمته خلال اليوم. أما والدها، فلا يطلب أكثر من أن تتوقف الحرب وأن يتمكن الأطفال من التعلم في بيئة آمنة ومستقرة.
فبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، لا يتعلق الأمر بالتعليم وحده، بل بمحاولة استعادة روتين وحياة وُضعت تحت ضغط النزوح والخوف وفقدان المؤسسات التي كانت توفر لهم الرعاية والتأهيل. وتبقى عودة التعليم والتأهيل، رغم بساطة الخيام ونقص الإمكانات، محاولة لإعادة بناء ما فقده الأطفال خطوة بخطوة، في انتظار بيئة أكثر أمناً تسمح لهم بمواصلة تطورهم وتحقيق قدراتهم.
اقرأ المزيد
من تحت الركام إلى تحمل مسؤوليات الكبار.. مأساة أطفال غزة الناجين وحدهم
من القصف إلى التجويع.. أطفال غزة يدفعون ثمن الإبادة الإسرائيلية
بريطانيا تشدد موقفها من إسرائيل.. “لن نقف مكتوفي الأيدي” أمام قتل أطفال غزة
مقتل أطفال في غزة مع تكثيف إسرائيل هجماتها خلال الساعات الـ24 الماضية

