وطن-دخلت صادرات النفط السعودية إلى أوروبا مرحلة جديدة من الاضطراب، بعدما أبلغت شركة أرامكو السعودية عددًا من عملائها الأوروبيين بأنهم لن يحصلوا على مخصصاتهم المعتادة من الخام خلال شهر أكتوبر، في أعقاب هجمات بطائرات مسيّرة عطّلت جزءًا مهمًا من منظومة تصدير النفط في المملكة.
وبحسب مصادر نقلتها «رويترز»، أبلغت أرامكو مصفاتي تكرير أوروبيتين على الأقل بتوقف إمدادات الخام الخاصة بشهر أكتوبر، بعدما أدت الهجمات إلى تضرر خط أنابيب الشرق-الغرب، إضافة إلى توقف مؤقت لعمليات التحميل في ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ولا يعني القرار توقف صادرات النفط السعودية إلى أوروبا بالكامل، لكنه يكشف حجم الضغوط التي باتت تواجهها المملكة في الحفاظ على تدفقات الخام عبر مسارات التصدير البديلة، في ظل التصعيد العسكري في المنطقة.
هجوم يعطل شريانًا نفطيًا استراتيجيًا
يمتد خط أنابيب الشرق-الغرب من المنطقة الشرقية في السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ويكتسب أهمية استراتيجية لأنه يسمح للمملكة بنقل جزء كبير من إنتاجها النفطي إلى البحر الأحمر بدل الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز.
وبعد اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أصبح هذا المسار البري أحد أهم الطرق التي تستخدمها السعودية لتصدير النفط وتجنب الاختناق في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
لكن هجومًا بطائرات مسيّرة ألحق أضرارًا بثلاث محطات ضخ على الخط، ما أدى إلى تعليق العمليات عبر المسار، بينما توقفت عمليات تحميل الخام في ينبع مؤقتًا. وتعمل أرامكو على إعادة تشغيل الخط تدريجيًا، مع توقعات بعودة العمليات إلى طاقتها الكاملة خلال أسابيع.
السعودية تبحث عن طرق بديلة
لم تنتظر المملكة استعادة خط الشرق-الغرب بالكامل، إذ بدأت أرامكو في استخدام ترتيبات بديلة لنقل الخام. ومن بين هذه الإجراءات زيادة عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى بالقرب من ميناء صحار العُماني، بهدف تعويض جزء من الكميات التي تعذر تصديرها عبر البحر الأحمر.
وساعدت هذه الخطوات على تخفيف المخاوف من نقص فوري في الإمدادات العالمية، وهو ما انعكس أيضًا على أسعار النفط التي تراجعت في 16 سبتمبر بعد الإعلان عن زيادة تدفقات الخام السعودية عبر عُمان. لكن البدائل ليست بلا تكلفة، إذ يمكن أن تؤدي المسارات الأطول أو عمليات إعادة التوجيه إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين والضغط على أسعار المنتجات النفطية.
أوروبا تبحث عن بدائل
قرار أرامكو وضع بعض المصافي الأوروبية أمام الحاجة إلى البحث سريعًا عن مصادر بديلة للخام. وفي بولندا، بدأت شركة «أورلين» البحث عن إمدادات بديلة للنفط السعودي، مع توجهها إلى مصادر من بحر الشمال لتعويض الكميات التي قد تتأثر خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه أسواق الطاقة أصلًا من اضطرابات متزامنة، تشمل انخفاض حركة الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع المخاطر في البحر الأحمر، إضافة إلى اضطرابات أخرى تؤثر في إمدادات الوقود العالمية.
من يضرب منشآت النفط السعودية؟
تقول السعودية إن الهجوم الذي ألحق الأضرار بخط الشرق-الغرب جاء من العراق، واتهمت جماعات مسلحة مرتبطة بإيران بالوقوف وراءه. وفي الوقت نفسه، أعلن الحوثيون في اليمن مسؤوليتهم عن هجمات استهدفت مواقع ومنشآت نفطية سعودية، كما أعلنوا استهداف ميناء ينبع ومنشآت تابعة لأرامكو.
وهنا يجب التمييز بين الهجمات المختلفة، إذ لا يعني تبني الحوثيين لهجمات على منشآت سعودية أن جميع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية السعودية نُسبت إليهم رسميًا. لكن النتيجة واحدة بالنسبة إلى سوق الطاقة: أكثر من مسار لتصدير النفط السعودي أصبح معرضًا للمخاطر في الوقت نفسه.
أسعار النفط فوق 100 دولار
انعكست المخاوف على الأسواق العالمية، إذ ظل سعر خام برنت فوق حاجز 100 دولار للبرميل خلال هذه الفترة، قبل أن يتراجع قليلًا مع إعلان السعودية عن زيادة الإمدادات عبر مسارات بديلة. وفي 18 سبتمبر، أغلق برنت عند نحو 104.87 دولارًا للبرميل، بينما أغلق خام غرب تكساس الوسيط عند نحو 100.30 دولار، مع استمرار المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة في المنطقة.
لكن التأثير لا يقتصر على سعر النفط الخام. فالاضطرابات في إمدادات النفط تؤثر أيضًا في أسعار الديزل ووقود الطائرات وغيرها من المنتجات المكررة، في وقت تواجه فيه الأسواق الأوروبية أصلًا ضغوطًا على إمدادات الوقود.
معركة اليمن تصل إلى أسواق الطاقة
تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد واسع بين السعودية والحوثيين في اليمن. وكانت السعودية قد قادت قبل سنوات تحالفًا عربيًا للتدخل في الحرب اليمنية، قبل أن تسعى لاحقًا إلى تقليص انخراطها المباشر في الحرب بعد هدنة عام 2022.
لكن التوتر عاد إلى الواجهة مع تصاعد هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية، بالتزامن مع ضربات سعودية داخل اليمن. ويقول الحوثيون إنهم يريدون رفع الحصار المفروض على موانئ ومطارات خاضعة لسيطرتهم مقابل إنهاء ما يصفونه بالحصار على السعودية. ومع استمرار التصعيد، لم تعد المواجهة محصورة في المجال العسكري، بل امتدت إلى البنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
هل تصبح صادرات النفط السعودية أكثر عرضة للخطر؟
حتى الآن، لا تشير التطورات إلى توقف صادرات السعودية النفطية بالكامل، كما أن المملكة بدأت بالفعل في استخدام مسارات بديلة لتعويض جزء من الخلل. لكن استهداف خط الشرق-الغرب وميناء ينبع يسلط الضوء على نقطة ضعف مهمة: حتى طرق تصدير النفط المصممة لتجاوز مضيق هرمز ليست محصنة بالكامل أمام الهجمات.
وهذا يعني أن قدرة السعودية على المحافظة على تدفق صادراتها خلال التصعيد ستعتمد على سرعة إصلاح البنية التحتية، ونجاح المسارات البديلة، ومستوى المخاطر الأمنية في البحر الأحمر والمناطق المحيطة. وفي المقابل، تواجه المصافي الأوروبية تحديًا إضافيًا يتمثل في تأمين خام بديل إذا استمرت التخفيضات أو الإلغاءات خلال أكتوبر.
وبينما تحاول الرياض حماية صادراتها والحفاظ على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية، تتجه الأنظار إلى مسار الحرب في اليمن، وإلى ما إذا كانت الهجمات ستبقى محدودة أم ستتوسع لتطال مزيدًا من منشآت الطاقة والممرات التجارية. فالمعادلة لم تعد تتعلق بالسعودية واليمن وحدهما، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأمن الطاقة في أوروبا وأسعار النفط والوقود حول العالم.
اقرأ أيضاً
الحوثيون يقتربون من شريان النفط السعودي.. صاروخ يضرب ناقلة قرب ينبع
هجمات الحوثيين على ناقلات النفط السعودية تضغط على صادرات الرياض عبر البحر الأحمر
الحوثيون يقتربون من باب المندب ويهددون صادرات النفط السعودية وسط تصعيد إقليمي واسع

