من خلف جدران السجون المصرية، بدأت تتصاعد مؤشرات احتجاجية جديدة مع اقتراب شهر أكتوبر، بعدما أعلن معتقلون عن حراك جماعي أطلقوا عليه اسم «حراك أكتوبر البداية»، وحددوا أيام 7 و8 و9 أكتوبر موعداً لأول تحرك مشترك، في خطوة يقول أصحابها إنها تستهدف المطالبة بالإفراج عن المحتجزين وتحسين ظروف الاحتجاز وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول.
وبحسب تقارير حقوقية وإعلامية مصرية، يأتي الحراك امتداداً لتحركات سابقة داخل عدد من السجون، بينها حملتا «كفى» و«طوفان السجون»، فيما اتخذت الخطوة الجديدة طابعاً أكثر تنسيقاً من خلال الدعوة إلى تنفيذ احتجاج موحد في عدة أماكن احتجاز.
وأعلن المعتقلون، وفق بيان نقلته جهات حقوقية، أن أولى خطوات الحراك ستتمثل في رفض تسلّم «التعيين»، وهو الاسم المستخدم للطعام الذي توزعه إدارة السجن، خلال أيام 7 و8 و9 أكتوبر.
لماذا 7 و8 و9 أكتوبر؟
يرتبط توقيت الحراك، بحسب التقارير التي تناولته، بملف الحبس الاحتياطي وبالجدل حول قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
فالقانون رقم 174 لسنة 2025 كان مقرراً أن يبدأ العمل به في الأول من أكتوبر 2026، بعد أن صادق عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في نوفمبر 2025. ويتضمن القانون أحكاماً جديدة تتعلق بالإجراءات الجنائية والاحتجاز والضمانات المقررة للمتهمين.
لكن في تطور لافت وقع اليوم الأربعاء 30 سبتمبر، عقد مجلس النواب المصري جلسة لمناقشة مشروع يقضي بتأجيل بدء تطبيق القانون، بعدما كان موعد نفاذه مقرراً اعتباراً من صباح الخميس الأول من أكتوبر. وتشير المذكرة المرتبطة بالمشروع إلى اقتراح تأجيل التطبيق إلى الأول من أكتوبر 2027، بحجة الحاجة إلى استكمال الاستعدادات الفنية والتنظيمية اللازمة.
ويأتي هذا التطور في توقيت حساس بالنسبة إلى المعتقلين الذين يربطون مطالبهم، بحسب بيانات الحراك، بإنهاء الحبس الاحتياطي المطول والإفراج عمن تجاوزوا المدد القانونية، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق بظروف الاحتجاز.
من سجون المنيا إلى بدر.. الاحتجاج يتوسع
وتقول جهات حقوقية إن تحركات احتجاجية سبقت الموعد المعلن للحراك في عدد من السجون.
وفي ليمان المنيا الجديد، تحدثت «رابطة أهالي المعتقلين المصريين» عن مشاركة عشرات الزنازين في إضراب عن الطعام، احتجاجاً على ظروف الاحتجاز وما تصفه بانتهاكات بحق المعتقلين وأسرهم. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من العدد المعلن أو من جميع تفاصيل الإضراب بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى السجون.
كما أشارت تقارير حقوقية إلى استمرار هتافات وطرق على أبواب الزنازين في سجن بدر 1، في إطار تحركات احتجاجية تقول تلك الجهات إنها تطالب بتحسين الأوضاع والإفراج عن المحتجزين.
وتطرح هذه التحركات سؤالاً أوسع حول قدرة السلطات على احتواء الاحتجاجات داخل أماكن الاحتجاز، خصوصاً مع اقتراب الموعد الذي حدده أصحاب «حراك أكتوبر البداية».
محكمة بدر.. احتجاج داخل أقفاص الاحتجاز
ولم تبقِ الاحتجاجات، وفق روايات حقوقية، داخل السجون فقط.
ففي 26 سبتمبر، شهدت محكمة بدر احتجاجاً من محتجزين خلال جلسة لنظر تجديد حبسهم، بحسب مؤسسة «جوار» وتقارير إعلامية نقلت عنها.
وتقول الرواية إن الاحتجاج بدأ بعد خلاف بشأن السماح لمعتقل في الستينيات من عمره برؤية زوجته المحتجزة، والتي كانت موجودة في قاعة أخرى.
وبحسب هذه الرواية، بدأ عدد من المحتجزين بالطرق على أقفاص الاحتجاز، قبل أن ينكسر باب أحد الأقفاص، ما أدى إلى إصابة شاب بكسر في قدمه ونقله إلى المستشفى، فيما تعرض الرجل المسن للإغماء قبل السماح له برؤية زوجته. كما تحدثت تقارير عن ترديد هتافات تطالب بالحرية ومغادرة المحتجزين.
وتحدثت مصادر حقوقية أيضاً عن تحطيم كاميرات مراقبة داخل أقفاص الاحتجاز، وعن إعادة المحتجزين إلى أماكن احتجازهم بعد انتهاء الواقعة. وهذه التفاصيل تبقى، في غياب بيان رسمي شامل يوضح ملابسات الحادثة، منسوبة إلى الجهات التي نقلتها.
ماذا يريد المعتقلون؟
تتجاوز المطالب المعلنة لحراك «أكتوبر البداية» قضية الإفراج عن المحتجزين.
فالبيان المنسوب إلى المشاركين في الحراك يتحدث عن إنهاء الحبس الاحتياطي المطول، والإفراج عن المعتقلات والنساء وكبار السن والمرضى، وتحسين ظروف الاحتجاز، وتوفير الرعاية الصحية، وتخفيف القيود على الزيارات.
كما يتحدث المحتجون عن قضية «التدوير»، في إشارة إلى ما تصفه منظمات حقوقية بإعادة حبس أشخاص بعد صدور قرارات بإخلاء سبيلهم في قضايا جديدة أو إجراءات أخرى.
وتقول الجهات الداعمة للحراك إن هذه الملفات تراكمت على مدى سنوات، وإن الاحتجاجات الحالية تأتي نتيجة ما تصفه باستمرار الاحتجاز لفترات طويلة دون حسم نهائي للملفات القضائية.
في المقابل، لا تتوفر معطيات مستقلة تسمح بإثبات أن جميع المطالب أو الادعاءات المتعلقة بظروف الاحتجاز تنطبق على جميع السجون أو جميع الحالات، ولذلك تبقى هذه النقاط في إطار ما أعلنته الجهات الحقوقية والمشاركون في الحراك.
من «كفى» و«طوفان السجون» إلى «أكتوبر البداية»
وتقدم الجهات الداعمة للحراك الجديد «أكتوبر البداية» باعتباره محاولة لتوحيد تحركات كانت متفرقة داخل السجون.
وبحسب الناشط الحقوقي المصري عبد الرحمن البدراوي، الذي نقلت عنه «عربي21»، فإن الفكرة الأساسية تتمثل في تنفيذ خطوات احتجاجية مشتركة داخل أماكن احتجاز مختلفة، على أن تحدد كل مجموعة طبيعة تحركها وفق ظروفها ومطالبها.
ويقول بدراوي إن الاحتجاجات تأتي على خلفية أوضاع يصفها بالصعبة، واستمرار الحبس لفترات طويلة، فضلاً عن أوضاع المعتقلات والنساء داخل السجون.
لكن حجم المشاركة الفعلية في الحراك، ومدى انتشاره بين السجون، لا يزالان غير واضحين بصورة مستقلة، خصوصاً أن المعلومات المتداولة تعتمد بدرجة كبيرة على بيانات جهات حقوقية ورسائل منسوبة إلى محتجزين.
هل تتحول شرارة السجون إلى حراك أوسع؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية.
فالجهات الداعمة للحراك تتحدث عن تحرك جماعي قد يشمل عدداً من السجون، بينما تذهب بعض التقارير والتحليلات إلى احتمال امتداد صداه خارج أسوار السجون.
لكن لا توجد حتى الآن معطيات موثوقة تسمح بالجزم بأن الاحتجاجات ستنتقل إلى الشارع المصري أو أنها ستتحول إلى حركة واسعة خارج السجون.
المؤكد هو أن أيام 7 و8 و9 أكتوبر حُددت من قبل أصحاب الحراك باعتبارها موعداً لأول تحرك مشترك، وأن الاحتجاجات داخل بعض أماكن الاحتجاز بدأت بالفعل، وفق روايات حقوقية وإعلامية.
أما ما سيحدث بعد ذلك، فيبقى مرتبطاً بحجم المشاركة، ورد فعل السلطات، ومدى قدرة المعتقلين على تنسيق خطواتهم، وكذلك بالتطورات القانونية المتعلقة بقانون الإجراءات الجنائية.
أكتوبر يبدأ غداً.. والسؤال يبقى مفتوحاً
مع دخول مصر أكتوبر، تتقاطع ثلاثة ملفات في توقيت واحد: احتجاجات داخل السجون، مطالب بإنهاء الحبس الاحتياطي المطول، وجدال قانوني حول موعد تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
وبينما يقول أصحاب «حراك أكتوبر البداية» إنهم يريدون تحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى تحرك مشترك، فإن حجم هذا الحراك ومداه الحقيقي لن يتضحا إلا مع بدء المواعيد التي حددها منظموه.
ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الاحتجاجات داخل السجون في دفع ملف الحبس الاحتياطي وظروف الاحتجاز إلى واجهة النقاش العام، أم تبقى محصورة خلف أسوار السجون؟
الإجابة ستبدأ في الظهور مع الساعات الأولى من أكتوبر.
اقرا المزيد
محتجزون مصريون يطالبون الحكومة بتطبيق الحدود الجديدة للحبس الاحتياطي فوراً
وفاة شقيق محمد ناصر داخل سجن المنيا.. هل أصبحت عائلات المعارضين هدفًا للضغط في مصر؟
حسيبة محسوب.. جريمتها أنها شقيقة معارض؟

