وطن-في مصر، قد لا يكون النشاط السياسي هو الطريق الوحيد إلى السجن؛ ففي بعض الحالات، يمكن أن تتحول صلة القرابة بمعارض سياسي إلى سبب لاستهداف أحد أفراد عائلته، وفق ما وثقته منظمات حقوقية في قضية حسيبة محسوب، شقيقة السياسي المصري المعارض محمد محسوب.
حسيبة محسوب، مهندسة مصرية لم تُعرف بانتمائها إلى جماعة أو تيار سياسي، اعتُقلت في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قبل أن تختفي قسرياً لنحو 68 يوماً، وفق تقارير حقوقية. وفي يناير/كانون الثاني 2020 ظهرت أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي قررت حبسها على ذمة التحقيق في قضية تضمنت اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة ونشر أخبار كاذبة.
وتقول منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن استهداف حسيبة لم يكن، بحسب ما توصلت إليه، مرتبطاً بنشاط سياسي معروف لها، وإنما يبدو أنه جاء في سياق استهداف أقارب معارضين سياسيين، مشيرة إلى أنها شقيقة محمد محسوب، وزير الدولة السابق للشؤون القانونية والمجالس النيابية في عهد الرئيس المصري الراحل محمد مرسي.
من منزلها إلى الاختفاء
في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على حسيبة محسوب من منزلها في الإسكندرية، وفق تقارير حقوقية.
وبعد الاعتقال، لم تظهر أمام النيابة لمدة قاربت 68 يوماً. وخلال هذه الفترة، قالت منظمات حقوقية إن حسيبة تعرضت للاختفاء القسري، قبل أن تظهر في 27 يناير/كانون الثاني 2020 أمام نيابة أمن الدولة العليا.
وعقب ظهورها، بدأت إجراءات التحقيق معها على ذمة القضية رقم 1530 لسنة 2019 حصر أمن الدولة العليا، ووجهت إليها اتهامات من بينها الانضمام إلى جماعة أُسست خلافاً للقانون ونشر أخبار كاذبة.
لكن المنظمات الحقوقية التي تابعت القضية طرحت سؤالاً أساسياً حول الأساس الذي استندت إليه هذه الاتهامات، خصوصاً مع تأكيد تقارير حقوقية عدم معرفة حسيبة بنشاط سياسي معارض قبل اعتقالها.
شقيقة معارض في الخارج
تكتسب قضية حسيبة بعداً سياسياً بسبب شقيقها محمد محسوب، الذي شغل منصب وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية خلال حكم محمد مرسي، قبل مغادرته مصر بعد عام 2013 وتحوله إلى أحد أبرز الأصوات المعارضة في الخارج.
وتقول منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن حسيبة لم تكن معروفة بنشاط سياسي، وإن اعتقالها جاء في سياق أوسع لاستهداف أفراد عائلات منتقدي الحكومة المصرية.
كما أشارت تقارير حقوقية وإعلامية لاحقة إلى أن حسيبة لم تكن عضواً معروفاً في جماعة أو تيار سياسي، وأن قضيتها ارتبطت بشكل أساسي بالاتهامات الأمنية الموجهة إليها بعد اختفائها.
قرار إفراج.. ثم عودة إلى السجن
في ديسمبر/كانون الأول 2020، جاءت اللحظة التي كان يفترض أن تضع نهاية لمرحلة طويلة من الاحتجاز. ففي 14 ديسمبر/كانون الأول، قررت غرفة المشورة بمحكمة الجنايات إخلاء سبيل أربع متهمات، من بينهن حسيبة محسوب، على ذمة القضية نفسها، مع اتخاذ تدابير احترازية. لكن الإفراج لم يتحول إلى حرية دائمة.
ووفق تقارير لاحقة، نُفذ قرار إخلاء سبيل حسيبة في 13 ديسمبر/كانون الأول 2020، قبل أن تعود إلى الاحتجاز بعد أقل من 24 ساعة، ثم تُدرج على ذمة قضية جديدة تحمل الرقم 955 لسنة 2020، مع اتهامات مشابهة لتلك التي واجهتها في القضية الأولى.
وهنا ظهرت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الملف المصري: ما يُعرف حقوقياً بـ«التدوير»، أي فتح قضية جديدة بحق شخص كان يفترض أن ينتهي احتجازه، بما يسمح باستمرار وجوده خلف القضبان.
حين يتحول الحبس الاحتياطي إلى احتجاز طويل
الحبس الاحتياطي من حيث المبدأ إجراء قانوني مرتبط بالتحقيق، وليس حكماً بالإدانة. لكن منظمات حقوقية انتقدت استخدام الحبس الاحتياطي المطول في مصر، خصوصاً عندما يُعاد إدراج أشخاص مفرج عنهم في قضايا جديدة، معتبرة أن هذه الممارسة يمكن أن تؤدي عملياً إلى استمرار الاحتجاز رغم صدور قرارات بالإفراج.
وفي حالة حسيبة محسوب، أصبحت إعادة إدراجها في قضية جديدة بعد قرار إخلاء سبيلها محوراً أساسياً في الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى طريقة التعامل مع ملفها.
قضية حسيبة ليست معزولة
لا تقف قضية حسيبة عند حدود قصتها الشخصية، بل تأتي ضمن نقاش أوسع حول أوضاع المعتقلين السياسيين والمنتقدين في مصر، وحول الاختفاء القسري والحبس الاحتياطي المطول وإعادة تدوير القضايا.
وفي تقرير نشرته «هيومن رايتس ووتش» عام 2021، وُضعت قضية حسيبة ضمن حالات قالت المنظمة إنها تعكس استهداف أفراد من عائلات معارضين مصريين، مؤكدة أن اعتقالها لم يكن، بحسب المعلومات التي وثقتها، نتيجة نشاط سياسي معروف لها.
كما تناولت تقارير حقوقية لاحقة استمرار احتجازها لسنوات، وذكرت أنها واجهت القضية الجديدة بعد قرار الإفراج السابق.
السؤال الذي بقي بلا إجابة
تختصر قضية حسيبة محسوب سؤالاً حقوقياً يتجاوز شخصها: هل يُحاسب الإنسان على أفعاله، أم يمكن أن تمتد تبعات الخلاف السياسي إلى أفراد عائلته؟ فالقرابة ليست جريمة، والانتماء العائلي لا يفترض أن يتحول وحده إلى أساس للمسؤولية الجنائية. وفي الوقت نفسه، فإن الاتهامات التي وجهتها السلطات المصرية إلى حسيبة محسوب تبقى اتهامات، ولا يجوز اعتبارها إدانة قضائية لمجرد ورودها في أوراق القضية.
لكن استمرار الجدل حول ظروف اعتقالها، وفترة اختفائها، وقرار الإفراج عنها ثم إعادة احتجازها على ذمة قضية أخرى، جعل من قصتها واحدة من الحالات التي تستشهد بها المنظمات الحقوقية في نقاشها حول الحبس الاحتياطي وإعادة تدوير القضايا في مصر.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأوسع: إذا كان القانون يحاسب الإنسان على أفعاله، فهل يمكن أن تتحول صلة القرابة بمعارض سياسي إلى سبب كافٍ لسلب الحرية؟
اقرأ المزيد
محتجزون مصريون يطالبون الحكومة بتطبيق الحدود الجديدة للحبس الاحتياطي فوراً
وفاة شقيق محمد ناصر داخل سجن المنيا.. هل أصبحت عائلات المعارضين هدفًا للضغط في مصر؟
في الذكرى الـ13 لمجزرة رابعة.. عائلات الضحايا تطالب مصر بالإفراج عن السجناء السياسيين

