وطن-تواجه إسرائيل أزمة في إمدادات المياه قد تستمر لأسابيع، بعدما أدى انتشار استثنائي للطحالب الدقيقة في البحر المتوسط إلى تعطيل جزء كبير من قدرة محطات تحلية المياه الرئيسية في البلاد.
وأغلقت خمسة من أصل ست محطات تحلية رئيسية في إسرائيل مؤقتًا بعدما تسببت كتل واسعة من الطحالب الدقيقة في انسداد المرشحات، قبل أن تعود المحطات إلى العمل بصورة جزئية وبقدرات أقل من المعتاد. وامتد انتشار الطحالب على مسافة تصل إلى نحو 100 كيلومتر على طول الساحل.
وبحسب تقارير بيئية وعلمية، فإن انتشار الطحالب ارتبط بظروف بحرية مواتية، فيما يرى خبراء أن مياه الصرف الصحي غير المعالجة التي تصب من قطاع غزة في البحر المتوسط قد توفر عناصر غذائية، مثل النيتروجين والفوسفور، تساعد على تكاثر الطحالب والبكتيريا الزرقاء وتفاقم الظاهرة. وفي المقابل، يشير باحثون آخرون إلى أن أصل انتشار الطحالب يعود إلى منطقة دلتا النيل، ما يجعل تحديد السبب المباشر للأزمة أكثر تعقيدًا.
خمسة محطات تحلية توقفت عن العمل
أدت الكميات الكبيرة من الطحالب إلى انسداد أنظمة سحب المياه والمرشحات في خمس محطات من أصل ست محطات تحلية رئيسية على ساحل البحر المتوسط.
وبعد توقف استمر عدة أيام، بدأت المحطات في العودة إلى العمل، لكن بعضها ظل يعمل بطاقة منخفضة. وأثارت الأزمة مخاوف بشأن قدرة منظومة المياه الإسرائيلية على التعامل مع اضطراب واسع النطاق في مصادر مياه البحر، خصوصًا أن التحلية تمثل جزءًا مهمًا من إمدادات مياه الشرب في البلاد.
وقال جاك غيلرون، الأستاذ الفخري وخبير تحلية المياه في معهد زوكربيرغ لأبحاث المياه بجامعة بن غوريون، إن تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة من غزة في البحر يزيد المخاطر التي تواجه البنية التحتية لإنتاج المياه على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط.
من جانبها، قالت جمعية «زالول» البيئية الإسرائيلية إن التلوث البحري لا يتوقف عند الحدود السياسية، مشيرة إلى أن مياه الصرف الصحي تحتوي على عناصر غذائية يمكن أن تعزز نمو الطحالب الدقيقة والبكتيريا الزرقاء.
من أين جاءت الطحالب؟
رغم التركيز على مياه الصرف القادمة من غزة، فإن تحديد مصدر الظاهرة يحتاج إلى قدر من الحذر العلمي، فقد أفاد خبراء إسرائيليون بأن الطحالب الدقيقة وصلت إلى الساحل الإسرائيلي من منطقة دلتا النيل، مدفوعة بحركة المياه والتيارات البحرية. كما سجلت مناطق أخرى في شمال سيناء اضطرابات مرتبطة بارتفاع عكورة مياه البحر، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى التشكيك في أن تكون مياه الصرف من غزة العامل الرئيسي الوحيد وراء الظاهرة.
ويرى باحثون أن ارتفاع درجات حرارة مياه البحر وتوافر ضوء الشمس والعناصر الغذائية، وبينها النيتروجين والفوسفور، يمكن أن يهيئ ظروفًا مناسبة لتكاثر الطحالب بصورة واسعة. وبالتالي، تبدو مياه الصرف غير المعالجة من غزة عاملًا محتملًا في تفاقم الظاهرة، وليس سببًا وحيدًا مثبتًا لها.
غزة تواجه انهيارًا حادًا في منظومة المياه والصرف الصحي
في المقابل، تعاني غزة أزمة مياه وصرف صحي شديدة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما تعرضت أجزاء واسعة من البنية التحتية للمياه والصرف لأضرار كبيرة.
وبحسب تقرير لمنظمة «أطباء بلا حدود» نقلته الصحيفة، تضررت أو دُمرت نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في القطاع، بما يشمل الآبار وشبكات المياه والخزانات ومحطات التحلية ومعالجة مياه الصرف.
وقبل الحرب، كان نحو 80% من إمدادات المياه في غزة يأتي من خزان جوفي يقع أسفل المنطقة الساحلية، لكن هذا المصدر تعرض للتلوث بمياه البحر ومياه الصرف الصحي وأصبح غير صالح للاستهلاك البشري.
كما تضررت شبكات توزيع المياه، ما دفع أعدادًا كبيرة من السكان إلى الاعتماد على شاحنات نقل المياه.
وتصف شهادات سكان في غزة واقعًا يتسم بصعوبة الحصول على مياه آمنة، إذ تضطر العائلات في بعض المناطق إلى الاختيار بين استخدام المياه للشرب أو الاحتفاظ بجزء منها للنظافة الشخصية وغسل اليدين، وسط مخاطر متزايدة للأمراض المعوية والجلدية.
عشرات آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف تتجه إلى البحر
وقال عمر شتات، نائب مدير مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة، إن محطات معالجة مياه الصرف الخمس في القطاع أصبحت خارج الخدمة، ما يؤدي، وفق تقديراته، إلى تصريف نحو 45 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يوميًا في البحر المتوسط.
وأضاف أن نحو 15 ألف متر مكعب أخرى من مياه الصرف غير المعالجة تتسرب يوميًا إلى المياه الجوفية من حفر الامتصاص، ولا سيما في مناطق المخيمات العشوائية في المواصي.
ووصف شتات الوضع بأنه كارثي من الناحيتين البيئية والصحية، محذرًا من أن البحر أصبح شديد التلوث، وأن سكان غزة والنازحين هم الأكثر تعرضًا لهذه المياه بسبب قربهم من مصادر التلوث.
كما حذر بات غريفيث، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة، من احتمال تفاقم الوضع مع حلول الشتاء، في ظل انتشار مياه الصرف في مناطق السكن والطرق ومواقع الحصول على المياه.
مياه راكدة وقوارض ومخاطر صحية متزايدة
ولا تقتصر الأزمة على تلوث البحر ومياه الشرب، إذ تتسبب الأضرار التي لحقت بشبكات الصرف في انتشار المياه الراكدة داخل مناطق النزوح.
وقالت شيماء القطري، وهي نازحة في منطقة المواصي، إن السكان يضطرون في بعض الأحيان إلى ترك المياه الناتجة عن غسل الأطباق والملابس تتدفق في الشوارع، ما يؤدي إلى تشكل برك راكدة تجذب البعوض والذباب وتزيد من انتشار الأوساخ والروائح الكريهة.
كما تشهد أجزاء من القطاع انتشارًا واسعًا للقوارض، التي تجد بيئة ملائمة للتكاثر وسط مياه الصرف غير المعالجة وتراكم النفايات بالقرب من مخيمات النزوح المكتظة.
ووفق التقرير، امتدت مشكلة القوارض أيضًا إلى بلدات إسرائيلية قريبة من حدود غزة، حيث سُجلت حالات انتشار للفئران داخل المنازل والحدائق.
وقالت ندى مجدلاني، المديرة الفلسطينية في منظمة «إيكو بيس الشرق الأوسط»، إن التداعيات البيئية والصحية للحرب لا تتوقف عند الحدود، مشيرة إلى زيادة حالات التهاب الكبد «أ» في غزة، ومحذرة من أن تفشي الأمراض على نطاق واسع قد تكون له آثار تتجاوز القطاع.
إسرائيل تدعو إلى ترشيد استهلاك المياه
في إسرائيل، دعت السلطات السكان إلى ترشيد استهلاك المياه إلى حين استعادة منظومة التحلية كامل قدرتها التشغيلية. كما خُفضت إمدادات المياه في مناطق جنوب البلاد، وطُلب من المزارعين وقف عمليات الري مؤقتًا، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار القيود إلى انعكاسات اقتصادية، من بينها ارتفاع أسعار بعض المنتجات الزراعية.
ودعت منظمتا «زالول» و«إيكو بيس» وكالة «كوغات»، المسؤولة عن إدارة الشؤون المدنية المرتبطة بغزة، إلى المساعدة في إعادة تأهيل منظومة الصرف الصحي في القطاع، والسماح بمعالجة جزء من مياه الصرف في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ولم ترد الوكالة على طلب للتعليق نقلته صحيفة «الغارديان».
وتسلط الأزمة الضوء على الترابط البيئي بين الساحل الفلسطيني والساحل الإسرائيلي في البحر المتوسط. فمع انهيار جزء كبير من منظومة المياه والصرف الصحي في غزة، أصبحت كميات كبيرة من مياه الصرف تصل إلى البحر، بينما تواجه إسرائيل في الوقت نفسه اضطرابًا غير مسبوق في مياه البحر أدى إلى تعطيل معظم محطات التحلية الرئيسية لديها.
وبينما لا يزال العلماء يناقشون حجم الدور الذي لعبته مياه الصرف القادمة من غزة في تكاثر الطحالب، فإن الأزمة تكشف بوضوح كيف يمكن لتدهور البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في منطقة ساحلية أن تكون له تداعيات بيئية وصحية تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
اقرأ المزيد
مسعفون فلسطينيون في إسرائيل يواجهون حملة تحريض بسبب مزاعم غير مثبتة عن إساءة معاملة مرضى
شتاء غزة: معاناة شعب الخيام تحت وطأة الأمطار والبرد القارس
أزمة الماء في تونس تتصاعد.. سعيّد يتحدث عن المؤامرة والمواطن يبحث عن الحل

