وطن-أثارت اتهامات غير مثبتة وُجهت إلى طواقم طبية عربية في مستشفى رمبام بمدينة حيفا موجة غضب واسعة بين فلسطينيي الداخل، بعدما تحولت روايات متداولة بشأن طريقة التعامل مع جندي إسرائيلي مصاب إلى قضية سياسية، مع تدخل وزراء إسرائيليين ومطالبتهم بإجراء تحقيق.
وأشعلت القضية مخاوف من تحول حادثة لم تُحسم تفاصيلها إلى حملة تحريض تستهدف الأطباء والممرضين العرب العاملين في القطاع الصحي الإسرائيلي، في ظل أجواء سياسية وأمنية شديدة التوتر.
روايات عائلية تتحول إلى قضية سياسية
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي»، بدأت القضية بروايات نشرها أقارب جندي إسرائيلي أصيب في لبنان وكان يتلقى العلاج في وحدة العناية المركزة بمستشفى رمبام في حيفا.
وزعم يهوشوا شاني، رئيس منتدى يدعو إلى استمرار الحرب في غزة ويعارض وقف إطلاق النار، أن ابن شقيقه تعرض لسوء معاملة داخل المستشفى، مشيراً إلى أن الممرضين المناوبين كانوا يتحدثون العربية.
وادعى شاني أن طلب الجندي الحصول على الماء جرى تجاهله، وأن طريقة تحريكه على السرير تسببت في ارتطام رأسه به.
كما نشر ديفيد تشيسترمان، شقيق الجندي، رواية مشابهة، قائلاً إن أفراد العائلة مُنعوا من دخول غرفة المريض، قبل أن يدعي أنه دخل إليها للاطمئنان على شقيقه ووجده يطلب الماء من دون وجود أحد حوله.
لكن هذه الروايات بقيت، وفق المعلومات المتاحة، في إطار الادعاءات التي لم تُقدم بشأنها أدلة علنية تثبت وقوع تمييز أو سوء معاملة متعمد من جانب الطواقم العربية.
وزراء إسرائيليون يدخلون على خط الأزمة
وسرعان ما انتقلت القضية من منشورات أقارب الجندي إلى المستوى السياسي، بعدما تبناها عدد من الوزراء الإسرائيليين وطالبوا بالتحقيق فيها.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنه ينظر بجدية إلى الادعاءات المتعلقة بطريقة التعامل مع الجنود الجرحى في المستشفى، معلناً توجيه تعليمات بإجراء فحص للحادثة بالتنسيق مع إدارة رمبام والجهات المعنية.
من جانبه، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن الادعاءات، إذا ثبتت صحتها، تستدعي تحقيقاً شاملاً، بما في ذلك بحث احتمال وجود تمييز على أساس قومي.
وأثار هذا التدخل السياسي انتقادات من جهات تمثل فلسطينيي الداخل، خشية أن يؤدي تضخيم اتهامات لم تُثبت إلى تحميل الطواقم الطبية العربية مسؤولية جماعية.
رمبام ينفي سوء المعاملة
في المقابل، أعلن مستشفى رمبام أنه راجع تفاصيل الحادثة، مؤكداً رفضه الادعاءات التي تفيد بأن المريض عومل بطريقة غير لائقة. لكن هذا الرد لم ينهِ الجدل، إذ رأى أطباء فلسطينيون أن القضية تتجاوز حادثة فردية إلى طريقة التعامل مع الطواقم العربية في ظل تصاعد التوتر السياسي والمجتمعي.
ونقلت صحيفة «هآرتس» عن أحد العاملين في القطاع الطبي أن القضية تحولت، في نظره، إلى هجوم أوسع على العاملين العرب في المؤسسات الصحية، معتبراً أن مجرد نفي سوء المعاملة لا يعالج الاتهامات الجماعية التي طالت الطواقم بسبب لغتها وهويتها.
رسالة داخلية لحماية العاملين
وفي محاولة لتهدئة التوتر داخل المستشفى، وجهت مديرة رمبام، الدكتورة ميخال ماكل، رسالة داخلية إلى العاملين أكدت فيها دعمها لهم.
وشددت الرسالة على أن أي محاولة لتقسيم العاملين على أساس اللغة أو الخلفية أو الهوية لا تتوافق مع طبيعة العمل في المستشفى ولا مع القيم التي يفترض أن تحكم المؤسسة الطبية.
غير أن بعض العاملين الفلسطينيين اعتبروا أن الموقف كان يحتاج إلى دعم علني أكثر وضوحاً، خصوصاً في ظل انتشار الاتهامات على منصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى قضية سياسية.
لجنة المتابعة تحذر من التحريض
من جهتها، أدانت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل ما وصفته بحملة تحريض ضد الأطباء والممرضين العرب.
وقالت اللجنة إن الاتهامات المتداولة لم تُدعَم، وفق ما أوردته «ميدل إيست آي»، بأدلة تثبت أن أفراداً من الطواقم الطبية العربية مارسوا تمييزاً ضد الجندي أو أي مريض آخر.
وحذرت اللجنة من استخدام حادثة فردية أو روايات غير مثبتة لاستهداف العاملين العرب في القطاع الصحي، معتبرة أن مثل هذه الحملات قد تعزز مناخاً من التوتر والتمييز داخل المؤسسات الطبية.
العرب في قلب القطاع الصحي الإسرائيلي
وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على الدور الكبير الذي تلعبه الطواقم الطبية العربية داخل النظام الصحي الإسرائيلي، من أطباء وممرضين وصيادلة وغيرهم من العاملين في المستشفيات.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة خلال فترات الحرب، عندما تعمل المؤسسات الصحية تحت ضغط هائل وتحتاج إلى جميع كوادرها، بصرف النظر عن خلفياتهم القومية أو الدينية.
وفي الوقت نفسه، يواجه العاملون العرب تحدياً إضافياً يتمثل في الحفاظ على بيئة مهنية يفترض أن تقوم على التعامل المتساوي مع المرضى، بعيداً عن التوترات السياسية والقومية التي تحيط بالمجتمع الإسرائيلي.
بين التحقيق والتحريض
تبقى تفاصيل الحادثة محل خلاف بين عائلة الجندي وإدارة المستشفى، في وقت لم تُثبت فيه علناً الادعاءات التي وُجهت إلى الطواقم الطبية العربية.ومن هنا، تبرز أهمية الفصل بين أي شكوى طبية تستحق التحقيق المهني وبين التعميم على مجموعة كاملة من العاملين بسبب اللغة أو الهوية.
فإذا كانت هناك مخالفة مهنية أو سوء معاملة، فإن التحقيق المستقل والشفاف هو الطريق المناسب لكشفها ومحاسبة المسؤول عنها. أما تحويل اتهامات غير مثبتة إلى حملة ضد الأطباء والممرضين العرب، فقد يهدد الثقة داخل المؤسسات الصحية ويحوّل المستشفى من مساحة للعلاج إلى ساحة للصراع السياسي.
وتبقى القضية اختباراً لمدى قدرة المؤسسات الطبية على حماية مرضاها وموظفيها في آن واحد، وضمان أن تكون المهنية الطبية هي المعيار، لا الهوية القومية أو اللغة.
اقرأ المزيد
تقرير يكشف احتجاز إسرائيل جثامين 1700 فلسطيني واستخدامها كورقة تفاوضية
جنرال إسرائيلي سابق يدعو لإبقاء غزة مدمرة لعقود: “اليأس الفلسطيني يخدم إسرائيل”

