وطن-تعيش منطقة إكسارخيا، أحد أشهر أحياء وسط العاصمة اليونانية أثينا وأكثرها ارتباطاً بالحركات اليسارية والأناركية والتضامن مع اللاجئين والمهاجرين، تحولات عميقة تهدد بإعادة رسم هويتها التاريخية.
فمع ارتفاع أسعار الإيجارات، وتزايد الاستثمارات العقارية الأجنبية، وانتشار الإيجارات قصيرة الأجل، وتوسع النشاط السياحي، إلى جانب مشروعات إعادة التطوير والحضور الشرطي المكثف، يجد سكان الحي والناشطون الذين صنعوا طابعه السياسي والاجتماعي أنفسهم أمام واقع جديد يجعل البقاء فيه أكثر صعوبة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «ميدل إيست آي»، فإن إكسارخيا، التي عُرفت لعقود باعتبارها مركزاً للمنظمات القاعدية والمجموعات المناهضة للسلطة والتيارات اليسارية، فضلاً عن كونها مساحة دعم للمهاجرين واللاجئين، لم تعد تشبه نفسها بالكامل.
ويقول نيكوس، أحد سكان الحي وعضو في تجمع «لا للمترو في ساحة إكسارخيا»، إن «الجغرافيا البشرية للحي تتغير كثيراً»، مشيراً إلى أن أزمة تكاليف المعيشة دفعت عدداً من الناشطين والفاعلين في الحركات الاجتماعية إلى مغادرة المنطقة، ما أضعف، بحسب تعبيره، «ديناميكية المجتمع المحلي وقوة الحي».
تحولات بدأت قبل وصول اليمين إلى السلطة
لا ترتبط التحولات في إكسارخيا بالكامل بوصول حزب «الديمقراطية الجديدة» إلى الحكم عام 2019، إذ بدأت ملامح التغيير تظهر خلال الأزمة الاقتصادية اليونانية وبعدها، مع توسع الإيجارات قصيرة الأجل وانتشار منصة «إير بي إن بي» في وسط أثينا، بالتزامن مع دخول مستثمرين أجانب إلى سوق العقارات.
وساهم انخفاض أسعار العقارات في اليونان مقارنة بعدد من العواصم الأوروبية الأخرى في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، بينما لعب برنامج «التأشيرة الذهبية» دوراً إضافياً في تشجيع الاستثمارات العقارية، من خلال منح مواطني الدول من خارج الاتحاد الأوروبي وأسرهم تصاريح إقامة مرتبطة بالاستثمار وفق الشروط المعمول بها.
وفي إكسارخيا، كان التحول واضحاً بصورة خاصة. وأظهرت دراسة صادرة عن «أطلس أثينا الاجتماعي» أن الأجانب شكلوا 42.5% من مشتري العقارات في المنطقة عام 2018، وكان المواطنون الإسرائيليون يمثلون أكبر مجموعة بين المشترين الأجانب في تلك الفترة.
ومع مرور الوقت، تداخل الاستثمار العقاري مع السياحة ومشروعات إعادة التطوير والسياسات الأمنية، لتبدأ ملامح الحي في التغير بصورة أسرع.
المترو يشعل معركة على الساحة
يُعد مشروع إنشاء الخط الرابع لمترو أثينا من أبرز مظاهر التحول في المنطقة. وبدأت أعمال البناء في ساحة إكسارخيا عام 2022، لتتحول مساحة كانت لعقود مكاناً للتجمعات والنقاشات والأنشطة السياسية والاجتماعية إلى موقع بناء تحيط به الأسوار والحواجز.
وأثار المشروع اعتراضات واسعة من سكان وناشطين يرون أن إنشاء محطة المترو في الساحة لا يمثل مجرد مشروع للنقل العام، بل جزءاً من تغيير أوسع في طبيعة الحي.
وبحسب «ميدل إيست آي»، أثارت الحواجز المحيطة بموقع البناء مخاوف بشأن السلامة العامة، بعدما أصبحت المساحة المتاحة بين موقع العمل والمباني المجاورة ضيقة للغاية في بعض المراحل.
ويقول نيكوس إن الحركة المناهضة للمشروع واجهت وجوداً شرطياً مكثفاً، إلى جانب ما وصفه بالقمع الأمني، بينما رد الناشطون بتنظيم احتجاجات ومظاهرات وفعاليات ثقافية ومحاولات لعرقلة أعمال البناء، ما أدى في بعض الأحيان إلى مواجهات مع الشرطة.
وبالنسبة إلى معارضي المشروع، أصبحت ساحة إكسارخيا رمزاً لصراع أكبر حول مستقبل المنطقة، ومن يملك الحق في تحديد طريقة استخدامها وشكلها ومن يستطيع الاستمرار في العيش فيها.
«استعادة النظام» أم إعادة تشكيل الحي؟
قدمت السلطات اليونانية خلال السنوات الماضية سياساتها تجاه إكسارخيا باعتبارها محاولة لاستعادة النظام وتعزيز حضور الدولة. وقبل أيام من وصول حزب «الديمقراطية الجديدة» إلى السلطة عام 2019، نشر ثانوس بليفريس، الذي يشغل حالياً منصب وزير الهجرة واللجوء، مقطع فيديو من ساحة إكسارخيا تعهد فيه باتباع سياسة أكثر تشدداً تجاه الطابع المناهض للسلطة الذي اشتهر به الحي.
ومع مرور السنوات، أصبح هذا النهج أكثر وضوحاً من خلال الانتشار الشرطي ومشروعات إعادة التطوير ومشروع المترو. لكن الناشطين يرون أن القضية تتجاوز فرض الأمن، معتبرين أن التحولات العمرانية والاقتصادية تحدد أيضاً من يستطيع استخدام الحي ومن يستطيع تحمل تكاليف السكن فيه.
ويربط نيكوس بين ارتفاع الإيجارات، والاستثمار العقاري، والسياحة، ومشروعات التطوير الحضري، معتبراً أنها عوامل تدفع في اتجاه واحد، يتمثل في تغيير التركيبة الاجتماعية للمنطقة وإخراج بعض سكانها القدامى والناشطين منها.
فندق جديد وحضور للاستثمارات الإسرائيلية
وتظهر التحولات في إكسارخيا بوضوح بالقرب من ساحة الحي. وعند تقاطع شارعي ثيميستوكليوس وسولومو، أعيدت تسمية فندق كان يعرف سابقاً باسم «فندق إكسارخيون» ليصبح «فندق سكوير باي إكس آند إن». وبحسب «ميدل إيست آي»، يضم الفندق 93 سريراً، وقد أُجّر لمدة 12 عاماً من خلال مناقصة طرحتها مؤسسة «فاسيليوس إكسارخو».
وكانت شركة «أورا 1» الوحيدة التي تقدمت بعرض، ويمثلها دان إسرائيل هاينسون، الذي ذكرت وسائل إعلام مالية يونانية أنه شريك في شركة «فيكوس للاستثمارات» الإسرائيلية. ويأتي ذلك ضمن حضور أوسع لرؤوس الأموال الإسرائيلية في سوق العقارات اليونانية.
وأظهرت بيانات حول معاملات عقارية خلال سنوات الأزمة الاقتصادية أن مواطنين إسرائيليين اشتروا 74 عقاراً في إكسارخيا، وهو العدد الأكبر بين المشترين من الجنسيات الأجنبية في المنطقة خلال الفترة التي تناولتها البيانات. كما ظل الاستثمار الإسرائيلي في العقارات اليونانية مرتفعاً خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ نحو 129 مليون يورو في عام 2024، بزيادة قدرها 46.5% عن العام السابق.
عندما تتحول السياحة إلى ضغط على السكان
لم تعد السياحة في أثينا محصورة في المناطق التقليدية مثل بلاكا وموناستيراكي وبسيري، بل امتدت إلى أحياء أخرى، من بينها إكسارخيا. وجذب الحي الزوار بفضل المقاهي والحانات والمطاعم، وفنون الشوارع، والأجواء الثقافية والسياسية المختلفة عن المناطق السياحية التقليدية.
لكن هذا الاهتمام السياحي يحمل جانباً آخر بالنسبة إلى السكان، فالإيجارات قصيرة الأجل يمكن أن تقلل من المعروض من المساكن المخصصة للإقامة الطويلة، فيما يؤدي الطلب السياحي والعقاري إلى زيادة قيمة العقارات والإيجارات.
ولا يعترض سكان الحي بالضرورة على وجود السياح، لكن بعض الناشطين يخشون أن تتحول إكسارخيا إلى منتج سياحي يجري تسويقه من خلال صورتها السياسية والتاريخية، بينما يفقد السكان الذين صنعوا هذه الهوية قدرتهم على البقاء فيها. فبالنسبة إلى كثير من سكان إكسارخيا، لا يمثل الحي مجرد منطقة مليئة بالمقاهي والرسوم الجدارية، بل مساحة ارتبطت لعقود بالنشاط السياسي، والتضامن مع المهاجرين واللاجئين، ومناهضة الفاشية، والحركات الاجتماعية.
فلسطين جزء من ذاكرة إكسارخيا
لطالما ارتبطت إكسارخيا بالتضامن مع القضية الفلسطينية ومعارضة السياسات الإسرائيلية. ومنذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح هذا البعد أكثر حضوراً في شوارع الحي، حيث تظهر الملصقات والشعارات المؤيدة للفلسطينيين، إلى جانب تنظيم مسيرات ووقفات تضامنية.
وبحسب «ميدل إيست آي»، يرى بعض الناشطين أن وجود زوار إسرائيليين يعلنون تأييدهم للحكومة الإسرائيلية أو للحرب يمكن أن يؤدي إلى توترات في منطقة يتبنى جزء كبير من ناشطيها خطاباً مؤيداً للفلسطينيين ومعارضاً للسياسات الإسرائيلية.
لكن هذه التوترات لا تعكس بالضرورة موقف جميع سكان المنطقة، وإنما تأتي في سياق تاريخ سياسي طويل للحي جعل القضية الفلسطينية واحدة من القضايا الدولية الحاضرة بقوة في النشاط السياسي المحلي.
ويقول أحمد، وهو ناشط فلسطيني من غزة عاش في إكسارخيا، إن الحي بالنسبة إليه يعني «أن تقاتل من أجل حقك». ويشير إلى أن وجوده في المنطقة ساهم في توسيع علاقاته مع ناشطين وأشخاص يتشاركون معه أفكاراً حول الحرية والمقاومة والتضامن مع الفلسطينيين.
حي يتغير.. لكن ذاكرته لم تختف
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو ما إذا كانت إكسارخيا ستتمكن من الحفاظ على هويتها في مواجهة هذه التحولات. ولا يعتقد نيكوس أن الحي يستطيع ببساطة العودة إلى ما كان عليه قبل عقد من الزمن، لكنه يرى أن الذاكرة السياسية والاجتماعية للمنطقة لا تختفي بسهولة.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، يؤكد أن هناك مجتمعاً لا يزال يريد حماية هذه الذاكرة والحفاظ عليها، رغم التغيرات الاقتصادية والأمنية والعمرانية.
وهكذا، تقف إكسارخيا اليوم أمام تحول يتجاوز مشروع مترو أو فندقاً جديداً أو ارتفاعاً في أسعار الإيجارات. فالمعركة الحقيقية بالنسبة إلى سكان وناشطين كثيرين تدور حول سؤال أوسع: هل تستطيع المنطقة أن تبقى مساحة للحياة الاجتماعية والسياسية التي صنعت شهرتها، أم تتحول تدريجياً إلى حي سياحي وعقاري جديد في قلب أثينا؟
ومع استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، وتوسع السياحة، وارتفاع تكاليف السكن، وتعزيز حضور الشرطة ومشروعات إعادة التطوير، يبدو أن مستقبل إكسارخيا سيظل مرتبطاً بصراع بين صورتين للحي: واحدة ترى فيه مساحة حضرية تحتاج إلى التطوير والاستثمار وفرض النظام، وأخرى تتمسك به باعتباره جزءاً من الذاكرة السياسية والاجتماعية لمدينة أثينا.
قد يعجبك
حملة إلكترونية ضد مستشفى بهية.. كيف تحولت معاناة سودانيات مصابات بالسرطان إلى جدل حول اللاجئين؟
فاتورة اللجوء في بريطانيا.. قانون جديد يلزم اللاجئين بدفع 10 آلاف إسترليني ثمن الإقامة الدائمة
المعركة لإثبات وجود وثائق الصحراء “المفقودة” في مدريد: “لقد اختفت أو أُخفيت بفعل فاعل”
24 وفاة للاجئين في احتجاز مصر.. تقرير حقوقي يكشف مصير الهاربين من الحرب

