وطن-من ابنة لاجئين أتراك إلى أبواب قيادة العاصمة الألمانية! إليف إيرالب قادت حزب «دي لينكه» إلى نتيجة تاريخية في انتخابات برلمان برلين، بعدما حصد 25.7% من الأصوات، متقدمًا على الاتحاد الديمقراطي المسيحي والبديل من أجل ألمانيا. حملتها ركزت على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، لكن صعودها فتح في الوقت نفسه جدلًا حادًا داخل ألمانيا حول مواقف أجزاء من حزبها من إسرائيل وفلسطين. والآن تبدأ معركة تشكيل الائتلاف: هل تصبح إيرالب أول رئيسة حكومة لبرلين من أصول مهاجرة؟
من ابنة لاجئين إلى صدارة انتخابات برلين
برلين أمام مشهد سياسي جديد، واسم واحد يتصدره: إليف إيرالب، مرشحة حزب «دي لينكه» اليساري، التي قادت حزبها إلى أفضل نتيجة في تاريخه خلال انتخابات برلمان العاصمة. وحصل الحزب، وفق النتائج الأولية، على 25.7% من الأصوات، بعدما كان قد سجل 12.2% في انتخابات 2023، ليصبح القوة الأولى في برلمان برلين. وجاء الاتحاد الديمقراطي المسيحي في المركز الثاني بـ18.8%، بينما حصل حزب البديل من أجل ألمانيا على 16.3%.
لكن خلف هذه النتيجة قصة شخصية لافتة، فإيرالب، البالغة 45 عامًا، وُلدت في مدينة ميونيخ عام 1981، بعد وصول والديها إلى ألمانيا إثر انقلاب تركيا العسكري عام 1980، حيث كانا ناشطين اشتراكيين ونقابيين. وترعرعت لاحقًا في دورتموند وهامبورغ، قبل أن تنتقل إلى برلين وتدخل الحياة السياسية. وإذا تمكنت من تشكيل ائتلاف يقود حكومة الولاية، فستصبح أول رئيسة حكومة لبرلين من خلفية مهاجرة، وأول شخصية من أصول تركية تتولى هذا المنصب.
السكن.. الورقة التي صنعت الصعود
لم تجعل إيرالب قضية الهجرة أو هويتها محور حملتها الانتخابية، بل ركزت بصورة كبيرة على المشكلة التي يواجهها سكان برلين يوميًا: السكن وارتفاع الإيجارات. طرحت مرشحة «دي لينكه» توسيع السكن الاجتماعي، وتشديد حماية المستأجرين، والحد من الزيادات غير القانونية في الإيجارات، إلى جانب إعادة إحياء خطة نقل عشرات الآلاف من الوحدات السكنية المملوكة لشركات عقارية كبيرة إلى الملكية العامة.
وكان الحزب قد جعل هدف نقل نحو 220 ألف شقة تابعة لشركات عقارية كبرى إلى الملكية العامة أحد أبرز محاور حملته، في محاولة لمعالجة أزمة السكن التي أصبحت من أكثر الملفات حساسية في العاصمة.
وهذا التركيز على تكاليف المعيشة جعل حملة إيرالب تُقارن في ألمانيا بصعود السياسي الأميركي من أصول مهاجرة زوهران ممداني في نيويورك، خصوصًا في ما يتعلق بالسكن، والحملات الميدانية، ومخاطبة الناخبين الشباب.
لكن إسرائيل وفلسطين تدخلان على الخط
خلف ملف الإيجارات والسكن، يوجد ملف أكثر حساسية: إسرائيل وفلسطين، فحزب «دي لينكه» يواجه منذ سنوات نقاشات داخلية حادة حول موقفه من إسرائيل والصهيونية والحرب في غزة، وتصاعدت الانتقادات خلال الحملة الانتخابية الأخيرة بسبب مواقف وتصريحات صدرت عن بعض الأعضاء والتيارات داخل الحزب.
وتصاعد الجدل بعد فعالية انتخابية في حي نويكولن، حيث أدى مغنٍ عبارات اعتبرتها جهات سياسية وإعلامية دعوات إلى العنف ضد إسرائيل والجيش الإسرائيلي. إيرالب أدانت تلك التصريحات بوضوح، وقالت إن الدعوات إلى العنف وقتل البشر غير مقبولة.
وفي المقابل، تؤكد إيرالب أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية أو سياساتها لا ينبغي أن يُساوى تلقائيًا بمعاداة السامية، كما أكدت أنها تقف إلى جانب حماية الحياة اليهودية والمسلمة والفلسطينية في برلين.
لماذا تثير مواقف الحزب مخاوف في ألمانيا؟
بعد فوز «دي لينكه»، لم ينته الجدل، بل انتقل إلى مرحلة أكثر حساسية: هل يمكن للحزب أن يقود حكومة العاصمة؟ في هذا السياق، حذر رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا من ائتلاف تقوده «دي لينكه»، فيما أثارت أجزاء من الحزب، خصوصًا في برلين، انتقادات بسبب مواقف مرتبطة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
وفي الوقت نفسه، تؤكد قيادة الحزب أنها ترفض معاداة السامية، وأن انتقاد إسرائيل لا يعني كراهية اليهود. كما شددت إيرالب نفسها بعد الانتخابات على أن معاداة السامية لا مكان لها في برلين، وعلى ضرورة حماية السكان اليهود. وبالتالي، فإن الجدل الحالي لا يدور حول موقف إيرالب الشخصي فقط، بل حول قدرة قيادة الحزب على ضبط المواقف والتيارات المختلفة داخله.
الفوز لا يعني أنها أصبحت عمدة بعد
على الرغم من تصدر «دي لينكه» الانتخابات، فإن إيرالب لم تدخل بعد إلى مبنى البلدية باعتبارها رئيسة حكومة برلين. فالمنصب يُحسم داخل برلمان الولاية، وهي تحتاج إلى تشكيل ائتلاف قادر على تأمين الأغلبية. وتبدو المفاوضات مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر حاسمة، لكن الخلافات حول سياسات السكن، إلى جانب الجدل المتعلق بمعاداة السامية ومواقف بعض التيارات داخل «دي لينكه»، قد تجعل تشكيل الحكومة المقبلة مسألة سياسية معقدة.
من اللجوء إلى أبواب قيادة العاصمة
قبل أكثر من أربعة عقود، وصلت عائلة إيرالب إلى ألمانيا بحثًا عن الأمان بعد الاضطرابات السياسية في تركيا. واليوم، تقف ابنتهم على مسافة قريبة من قيادة واحدة من أهم العواصم الأوروبية. لكن الطريق إلى «البلدية الحمراء» في برلين لم يُحسم بعد. فإيرالب أمام اختبارين متوازيين: تحويل فوز انتخابي كبير إلى ائتلاف حكومي قادر على الحكم، وإدارة الخلافات داخل حزبها حول إسرائيل وفلسطين ومعاداة السامية.
وهكذا، لم تعد قصة إليف إيرالب مجرد قصة سياسية عن صعود امرأة من أصول تركية، بل أصبحت أيضًا اختبارًا لما إذا كان بإمكان «دي لينكه» تحويل انتصارها الانتخابي إلى مشروع حكومي في العاصمة، وسط ملفات تبدأ من الإيجارات والسكن ولا تنتهي عند إسرائيل وفلسطين.
قد يعجبك
الإمارات تستثمر 40 مليار يورو في ألمانيا.. وبرلين تكشف عن مشاريع تشمل مراكز البيانات
كيف ساهم الخلط بين معاداة السامية ومعارضة الصهيونية في صعود اليمين المتطرف بألمانيا؟
صعود اليمين المتطرف في ألمانيا.. هل يدفع المهاجرين إلى الرحيل؟

