وطن-في الوقت الذي كانت فيه السعودية تطلب من واشنطن دعمًا عسكريًا في مواجهة التقدم الحوثي داخل اليمن، كانت الولايات المتحدة تجري اتصالات مباشرة وسرية مع ممثلين عن جماعة الحوثي في العاصمة العُمانية مسقط.
الاجتماع نفسه لم يعد مجرد رواية متداولة، إذ نقلت وكالة رويترز عن خمسة مصادر مطلعة أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين داخل السفارة الأمريكية في مسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع في 12 و13 سبتمبر/أيلول، بينما قالت مصادر إن سلطنة عُمان ساعدت في تنظيم اللقاء.
لكن التطور الأكثر حساسية يأتي من تحقيق نشرته منصة «دارك بوكس»، التي قالت، نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، إن الإمارات لعبت دورًا خلف الكواليس في تسهيل القناة السياسية التي أبقت التواصل الأمريكي الحوثي مفتوحًا، بالتزامن مع مطالبة الرياض واشنطن بمساندة عسكرية ضد الحوثيين. وهذه النقطة تحديدًا لم تؤكدها واشنطن أو أبوظبي علنًا بحسب المصادر المتاحة.
اجتماع سري في السفارة الأمريكية بمسقط
وفق رويترز، جرى اللقاء بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين بعيدًا عن الإعلان الرسمي، في وقت كانت فيه الجماعة قد حققت تقدمًا عسكريًا على ساحل البحر الأحمر وسيطرت على مناطق ومواقع استراتيجية.
وأفادت المصادر بأن الوفد الحوثي أبلغ الجانب الأمريكي بأنه لا ينوي استهداف السفن الأمريكية، وأنه لا يزال ملتزمًا بوقف إطلاق النار الذي توصل إليه مع واشنطن عام 2025.
كما نقلت مصادر أن الحوثيين أكدوا أنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية أو التجارية، باستثناء السفن المرتبطة بالسعودية. ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية انعقاد الاجتماع بشكل مباشر، لكنها قالت إن من المصالح الأساسية للولايات المتحدة ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر ومنع تصدير الإرهاب من المنطقة.
أما موقع «أكسيوس» فنقل عن مصدر إقليمي أن المحادثات ركزت على استمرار وقف إطلاق النار بين واشنطن والحوثيين وضمان بقاء باب المندب مفتوحًا أمام الملاحة، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة ترفض الانخراط عسكريًا إلى جانب السعودية في المواجهة الجديدة.
السعودية تريد شيئًا.. وواشنطن تريد شيئًا آخر
الرياض كانت تطلب من الإدارة الأمريكية دعمًا عسكريًا في مواجهة التقدم الحوثي، خصوصًا بعدما وصلت المعارك إلى مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر واقتربت من باب المندب. وفي المقابل، كانت واشنطن تسعى إلى حماية مصالحها المباشرة: سلامة سفنها، واستمرار الملاحة في البحر الأحمر، ومنع اتساع المواجهة إلى حرب أمريكية جديدة في اليمن.
وبالفعل، أفادت رويترز في 21 سبتمبر/أيلول بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتعهد خلال اتصال مع الرئيس اليمني رشاد العليمي بتقديم دعم عسكري مباشر ضد الحوثيين، رغم أن العليمي طلب مساندة أمريكية لحكومته المدعومة من السعودية. كما أفادت تقارير بأن ترامب درس توجيه ضربات ضد الحوثيين بعد طلبات سعودية، لكنه قرر في النهاية عدم المضي في تدخل عسكري مباشر.
أين تدخل الإمارات في القصة؟
هنا تأتي رواية «دارك بوكس». فالمنصة تقول إن الإمارات لم تكن مجرد طرف يراقب التطورات، بل إن مصادرها أفادت بأن أبوظبي لعبت دورًا هادئًا في تسهيل القناة السياسية بين واشنطن والحوثيين. وبحسب التحقيق، حدث ذلك في الوقت نفسه الذي كانت فيه الرياض تضغط على واشنطن من أجل دعمها في مواجهة الحوثيين. لكن من المهم التفريق بين ما هو مؤكد وما هو منسوب إلى مصادر غير معلنة.
المؤكد من مصادر مستقلة هو انعقاد الاجتماع الأمريكي الحوثي في مسقط، وأن عُمان ساعدت في تنظيمه بحسب مصادر رويترز. أما الادعاء بأن الإمارات ساعدت في إنشاء أو تسهيل هذه القناة، فهو اتهام أوردته «دارك بوكس» استنادًا إلى مصادرها الخاصة، ولم يظهر في المصادر التي راجعناها تأكيد مستقل له من الحكومة الأمريكية أو الإماراتية.
لماذا قد تكون اليمن ساحة خلاف بين الرياض وأبوظبي؟
السعودية والإمارات دخلتا الحرب اليمنية عام 2015 ضمن تحالف واحد، لكن مصالحهما وأولوياتهما داخل اليمن شهدت تباينات متزايدة مع مرور السنوات. فالرياض ركزت بدرجة كبيرة على أمن حدودها الجنوبية واحتواء الحوثيين ودعم إطار سياسي يمني يحافظ على وحدة البلاد.
أما الإمارات فبنت علاقات ونفوذًا مع قوى محلية وجنوبية مختلفة، ما جعل خريطة النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين أكثر تعقيدًا. وتشير تقارير «دارك بوكس» الأخيرة إلى أن هذا التنافس انتقل، بحسب مصادرها، من ساحات اليمن إلى واشنطن أيضًا، مع حديث عن تحركات إماراتية للحد من الدعم العسكري الأمريكي للسعودية. وهذه تبقى بدورها ادعاءات منسوبة إلى مصادر المنصة وليست حقائق مثبتة بصورة مستقلة.
باب المندب هو جوهر المعادلة
المسألة لا تتعلق باليمن وحده. فسيطرة الحوثيين أو نفوذهم المتزايد على مناطق قريبة من باب المندب تضع أحد أهم ممرات التجارة البحرية في قلب الصراع. وبالنسبة إلى واشنطن، فإن ضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر يمثل مصلحة مباشرة. وهذا تحديدًا كان من بين الملفات التي تناولتها الاتصالات الأمريكية الحوثية في مسقط، بحسب «أكسيوس».
أما السعودية، فتواجه تهديدًا أقرب إلى حدودها وأمنها ومصالحها الاقتصادية، وتريد منع تحول المكاسب الحوثية على الساحل الغربي لليمن إلى واقع استراتيجي دائم. وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على قناة اتصال أمريكية حوثية مسألة مختلفة تمامًا عن تقديم دعم عسكري سعودي مباشر.
ماذا يريد الحوثيون من واشنطن؟
بحسب ما نقلته المصادر عن لقاء مسقط، حاول الحوثيون طمأنة الأمريكيين بشأن السفن الأمريكية، وأكدوا تمسكهم بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن عام 2025. وهذا يفتح أمام الطرفين مساحة تفاوضية منفصلة عن المواجهة السعودية الحوثية. فواشنطن تستطيع إبقاء قناة اتصال مفتوحة مع الحوثيين لحماية مصالحها البحرية، بينما يواصل الحوثيون مواجهة السعودية على الأرض.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود تحالف بين واشنطن والحوثيين، بل يعكس، وفق المعطيات المتاحة، محاولة أمريكية لإدارة المخاطر وتجنب الانخراط في حرب جديدة. وقد أكدت «أكسيوس» أن واشنطن كانت تسعى إلى إبقاء باب المندب مفتوحًا من دون الانجرار إلى معركة السعودية مع الحوثيين.
عُمان على الطاولة.. وأبوظبي في الخلفية وفق الرواية
حتى الآن، الدور العُماني هو الأكثر وضوحًا في المصادر المستقلة. فعُمان تحتفظ منذ سنوات بعلاقات مع مختلف أطراف الصراع اليمني، وقد أشارت مصادر رويترز إلى أن الحكومة العُمانية ساعدت في تنظيم الاجتماع الأمريكي الحوثي الأخير في مسقط.
أما الحديث عن دور إماراتي في تسهيل القناة، فيبقى مرتبطًا بتحقيق «دارك بوكس». وإذا ثبتت هذه الرواية مستقبلًا من مصادر مستقلة، فسيكون لذلك دلالة مهمة على طبيعة التنافس السعودي الإماراتي داخل الملف اليمني. أما في الوقت الحالي، فلا ينبغي تقديمها باعتبارها حقيقة محسومة.
السعودية أمام معادلة صعبة
المفارقة أن الرياض تواجه الحوثيين ميدانيًا، بينما تحاول واشنطن تجنب مواجهة مباشرة معهم. وبعد اللقاء السري في مسقط، أفادت تقارير بأن الحوثيين قدموا ضمانات بعدم استهداف السفن الأمريكية، في حين لم تحصل السعودية على التعهد نفسه، واستمرت المواجهة بينها وبين الجماعة.
وهذا يضع السعودية أمام معادلة دقيقة: واشنطن تريد حماية مصالحها ومنع اتساع الحرب، والحوثيون يريدون تجنب مواجهة مباشرة مع الجيش الأمريكي، بينما تحاول الرياض الحصول على دعم أمريكي لمواجهة الخطر الذي تعتبره مهددًا لأمنها.
وفي خلفية المشهد، تظهر الإمارات في رواية «دارك بوكس» باعتبارها لاعبًا يتحرك عبر قنوات غير معلنة. لكن السؤال الذي يحتاج إلى أدلة إضافية يبقى واضحًا: هل كانت أبوظبي فعلًا وراء إبقاء قناة واشنطن والحوثيين مفتوحة، أم أن سلطنة عُمان وحدها كانت تؤدي دور الوساطة الذي كشفت عنه المصادر؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف جانبًا جديدًا من الصراع على النفوذ في اليمن، خصوصًا إذا استمرت المواجهة حول باب المندب وتزايدت الضغوط السعودية على واشنطن. ففي اليمن، لا تدور المعركة فقط حول من يسيطر على الأرض، بل أيضًا حول من يملك قنوات الاتصال، ومن يستطيع التأثير في واشنطن، ومن سيحدد شكل اليمن والبحر الأحمر بعد انتهاء الحرب.
اقرأ المزيد
السعودية تطلب الدعم وتركيا تتحرك.. هل يبدأ تفعيل اتفاق مكة؟
هجمات الحوثيين تكشف ثغرات الدفاع السعودي وترامب يرفض التدخل العسكري المباشر
نتنياهو يعرض خدمات إسرائيل على الخليج.. هل يبدأ التحالف ضد الحوثيين من باب المندب؟
ترامب: الحوثيون لا يريدون قتال أمريكا.. والسعودية تطلب ضربات عسكرية

