وطن-تدخل دول أوروبية عدة مرحلة جديدة من تعزيز الاستعدادات المدنية والعسكرية، في ظل تزايد المخاوف الأمنية المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد الحديث عن مخاطر الطائرات المسيرة والهجمات الإلكترونية والتخريب الذي قد يستهدف البنية التحتية الحيوية.
ولا تعني هذه الإجراءات أن أوروبا تتوقع هجوماً روسياً وشيكاً على أراضيها، لكنها تعكس تحولاً في طريقة تعامل عدد من الحكومات الأوروبية مع المخاطر الأمنية، من خلال الاستعداد لسيناريوهات تشمل الحرب التقليدية، والهجمات الهجينة، وتعطيل شبكات الطاقة والاتصالات والنقل.
وتقول الحكومة البريطانية، على سبيل المثال، إن البلاد تواجه مجموعة متزايدة من المخاطر، من بينها هجمات روسية دون مستوى الحرب التقليدية، وهجمات إلكترونية وأزمات مرتبطة بالبنية التحتية، وهو ما دفعها إلى تعزيز قدرة الدولة والمجتمع على الصمود أمام حالات الطوارئ.
بريطانيا تطلب من الأسر الاستعداد للطوارئ
في المملكة المتحدة، تعمل الحكومة على إطلاق حملة لتعزيز قدرة الأسر على التعامل مع حالات الطوارئ، وتشجع المواطنين على الاحتفاظ بمؤن أساسية، من بينها الطعام غير القابل للتلف والمياه، بما يسمح لهم بالتعامل مع اضطرابات تستمر عدة أيام.
ولا تقتصر هذه التوصيات على احتمال اندلاع حرب، إذ تشمل أيضاً انقطاع الكهرباء أو المياه، والكوارث الطبيعية والهجمات الإلكترونية وغيرها من الأزمات التي يمكن أن تؤثر في الخدمات الأساسية.
وأظهر مسح حكومي بريطاني لعام 2026 أن 60 في المئة من المشاركين قالوا إن لديهم طعاماً غير قابل للتلف يكفي نحو ثلاثة أيام، بينما أفاد 37 في المئة فقط بامتلاكهم كمية من المياه المعبأة تكفي للمدة نفسها.
وفي الوقت نفسه، تعمل لندن على تحديث خططها الخاصة بالقدرة على مواجهة الأزمات، في ظل ما تصفه الحكومة بزيادة تعقيد المخاطر الأمنية التي تواجه البلاد، بما فيها ما تسميه «الهجمات الروسية دون مستوى الحرب».
ألمانيا تعزز استعداد المستشفيات
وفي ألمانيا، تتجه الاستعدادات نحو القطاع الصحي والبنية التحتية، مع مراجعة قدرة المستشفيات على التعامل مع سيناريو نزاع عسكري واسع في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
وتشمل الخطط التي تناولتها تقارير إعلامية مراجعة قدرة المستشفيات، وتدريب الطواقم الطبية على التعامل مع الإصابات الناتجة عن الانفجارات، وتعزيز مخزونات الأدوية، إلى جانب دراسة استخدام منشآت تحت الأرض كملاجئ وحماية المرافق الصحية من أخطار محتملة، بما فيها الطائرات المسيرة.
وتشير تقديرات وردت في تقارير حديثة إلى أن ألمانيا قد تحتاج إلى آلاف الأسرّة الإضافية في حال اندلاع نزاع واسع، لكن هذه الاستعدادات تندرج ضمن التخطيط للطوارئ والردع، ولا تعني أن برلين تتوقع اندلاع حرب مباشرة مع روسيا في الوقت الحالي.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق التحذيرات الألمانية المتكررة من ضرورة الاستعداد لاحتمالات أمنية جديدة في أوروبا بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.
بولندا على الخط الأمامي
وتولي بولندا اهتماماً خاصاً لتعزيز دفاعاتها، بحكم موقعها الجغرافي على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي وقربها من الحرب في أوكرانيا.
وفي سبتمبر/أيلول، أعلنت السلطات البولندية العثور على طائرة مسيرة يُعتقد أنها روسية على ساحل بحر البلطيق، بعد فترة من رفع مستوى التأهب في شرق البلاد إثر هجمات روسية واسعة بالطائرات المسيرة على غرب أوكرانيا. وقال وزير الدفاع البولندي إن الفحوص الأولية أشارت إلى أن الطائرة كانت عسكرية ومن أصل روسي.
وكان رئيس الوزراء دونالد توسك قد حذر من أن تصعيد الأنشطة الروسية يقترب بصورة متزايدة من الحدود البولندية، في وقت تكثف فيه وارسو استعداداتها العسكرية والتنسيق مع حلفائها.
كما شهدت بولندا في يوليو/تموز حادثة سقوط صاروخ يُعتقد أنه روسي داخل أراضيها، ما أدى إلى رفع حالة التأهب وتفعيل أنظمة الدفاع الجوي، دون تسجيل خسائر بشرية أو أضرار مادية كبيرة.
فنلندا تستعد لتهديدات جديدة
أما فنلندا، التي انضمت إلى حلف شمال الأطلسي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فتتعامل مع أمن حدودها الشرقية والبنية التحتية في بحر البلطيق باعتبارهما جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي.
وتواصل هلسنكي إبقاء المعابر البرية على حدودها مع روسيا مغلقة، مشيرة إلى مخاطر أمنية مرتبطة بما وصفته الحكومة باستخدام الهجرة كأداة ضغط، مع استمرار مراقبة تطورات الوضع على الحدود.
كما كثفت السلطات الفنلندية استعداداتها لمواجهة احتمال التخريب الذي قد يستهدف البنية التحتية البحرية، بما فيها كابلات الاتصالات والطاقة وخطوط الأنابيب.
وفي سبتمبر/أيلول، أجرت فنلندا تدريباً عملياً في بحر البلطيق يحاكي اعتراض سفينة وتفتيشها في إطار الاستعداد لمواجهة عمليات تخريب محتملة للبنية التحتية الموجودة تحت سطح البحر.
البنية التحتية تتحول إلى أولوية أوروبية
ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على الصواريخ والطائرات المسيرة، فالبنية التحتية الحيوية، بما فيها شبكات الكهرباء والغاز والاتصالات والكابلات البحرية والمطارات، أصبحت جزءاً رئيسياً من خطط الأمن القومي في عدد من الدول الأوروبية.
وفي بريطانيا، حذر قائد البحرية الملكية من أن روسيا تختبر نقاط ضعف بريطانية بطرق لم تشهدها البلاد منذ الحرب الباردة، مشيراً بصورة خاصة إلى مخاطر محتملة على البنية التحتية الموجودة تحت البحر، مثل كابلات الاتصالات وشبكات الطاقة وخطوط الأنابيب.
وفي منطقة البلطيق، دفعت حوادث تضرر البنية التحتية البحرية خلال السنوات الماضية دولاً مثل فنلندا إلى تطوير قدراتها على مراقبة السفن والتعامل مع احتمال استخدام الغواصين أو المركبات غير المأهولة في عمليات تخريب.
أوروبا تستعد للحرب.. ولكن أيضاً للأزمات
تكشف هذه الإجراءات عن تحول أوسع في مفهوم الأمن الأوروبي. فبعد سنوات ركزت فيها الحكومات على احتمال اندلاع حرب تقليدية، أصبحت خطط الطوارئ تشمل مجموعة أكبر من السيناريوهات: هجمات إلكترونية، تعطيل الخدمات الأساسية، تخريب البنية التحتية، سقوط طائرات مسيرة، انقطاع الطاقة والمياه، إضافة إلى احتمال توسع الحرب الروسية الأوكرانية.
ولهذا بدأت بعض الحكومات في تحديث خطط الطوارئ المدنية، وتدريب المستشفيات، وتعزيز الدفاع الجوي، وتأمين البنية التحتية، وتشجيع الأسر على الاحتفاظ بمؤن أساسية.
وبينما لا توجد في المعطيات الحالية إشارة مؤكدة إلى هجوم روسي وشيك على دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، فإن سلسلة الإجراءات الأوروبية تظهر أن الحكومات باتت تتعامل مع احتمال حدوث أزمات أمنية واسعة باعتباره سيناريو يجب الاستعداد له، وليس احتمالاً يمكن تجاهله.
وتعكس هذه السياسة انتقال أوروبا من التركيز على إدارة الحرب في أوكرانيا إلى بناء قدرة أوسع على الصمود أمام تداعيات أي أزمة أمنية مستقبلية، سواء جاءت في صورة هجوم عسكري مباشر أو عمليات إلكترونية وتخريبية دون مستوى الحرب التقليدية.
اقرأ أيضاً
أزمة الطاقة تضغط على أوروبا.. حروب الخليج وأوكرانيا تدفع التضخم إلى مستويات مقلقة
السعودية توقف شحنات نفط إلى أوروبا.. هجمات المسيّرات تضرب شريانًا حيويًا للطاقة
الناتو يرفع الجاهزية بعد تهديدات إيرانية محتملة باستهداف أصول أمريكية في أوروبا

