وطن-في الوقت الذي يتجه فيه ملايين الأشخاص حول العالم إلى الإكثار من تناول الفواكه والخضروات الطازجة باعتبارها ركناً أساسياً في النظام الغذائي الصحي، يبرز قلق متزايد بشأن خطر غير مرئي قد يرافق هذه الأطعمة إلى موائدنا، يتمثل في بقايا المبيدات الكيميائية المستخدمة في الزراعة الحديثة.
وقالت صحيفة «إل إسبانيول» الإسبانية إن التوسع الكبير في الإنتاج الزراعي المكثف بهدف تلبية الطلب العالمي المتزايد على الأغذية النباتية أدى إلى زيادة استخدام المبيدات الزراعية، ما يثير تساؤلات حول احتمال وصول آثار هذه المواد إلى المستهلكين، خصوصاً في المنتجات التي تؤكل طازجة أو بقشرتها، مثل التفاح والفراولة والعنب والخيار والطماطم.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فقد سلطت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «العلوم الزراعية والتكنولوجيا» الضوء على حجم هذه المسألة عالمياً، مشيرة إلى أن الاعتماد المتزايد على المبيدات لم يعد مرتبطاً بحالات محدودة، بل أصبح جزءاً من نمط إنتاج زراعي واسع يهدف إلى زيادة المحاصيل وتقليل الخسائر الناجمة عن الآفات الزراعية.
وأوضحت الدراسة أن أكثر من 60% من الفواكه والخضروات حول العالم قد تحتوي على نوع واحد أو أكثر من بقايا المبيدات، بينما تتجاوز نحو 25% من العينات الحدود القصوى المسموح بها وفق المعايير الرقابية المعتمدة في بعض الأسواق. كما أشارت صحيفة «إل إسبانيول» إلى دراسة أوروبية أخرى أفادت بأن 85% من عينات التفاح التي جرى تحليلها احتوت على بقايا متعددة من المبيدات.
ومع أن الفواكه والخضروات تعد من أهم الأغذية المرتبطة بنظام غذائي صحي، وبالوقاية من عدد من الأمراض المزمنة ودعم صحة القلب والجهاز الهضمي، فإن بعض المنتجات قد تحمل آثاراً كيميائية لا يمكن اكتشافها بالعين أو الرائحة أو الطعم.
لماذا تثير بقايا المبيدات القلق؟
أضافت الصحيفة أن الزيادة السكانية العالمية، إلى جانب التحول نحو أنظمة غذائية تعتمد بدرجة أكبر على المنتجات النباتية، دفعت المزارع الكبرى إلى استخدام أنواع متعددة من المبيدات وبجرعات متكررة خلال مراحل مختلفة من الزراعة.
ويرى الباحثون أن هذا النمط من الإنتاج قد يزيد احتمالات وجود بقايا من المواد الكيميائية في المنتجات النهائية التي تصل إلى الأسواق.
ولا يقتصر القلق على وجود مبيد واحد في الغذاء، بل يمتد إلى ما يعرف بتعدد بقايا المبيدات في العينة نفسها، وهو ما يجعل تقييم المخاطر أكثر تعقيداً. فالتعرض المستمر لكميات صغيرة من أكثر من مركب كيميائي قد يختلف في تأثيره عن التعرض لمادة واحدة فقط.
وبحسب الدراسة التي نقلتها الصحيفة الإسبانية، فإن بعض حالات التعرض المرتفع لمبيدات معينة قد ترتبط بآثار قصيرة المدى، من بينها تهيج الجلد ومشكلات التنفس واضطرابات الجهاز الهضمي مثل الغثيان وآلام البطن، وقد تكون هذه الأعراض أكثر وضوحاً عند التعرض لمستويات مرتفعة.
أما المخاوف المرتبطة بالتعرض الطويل والمتكرر على مدى سنوات، فقد تناولتها أبحاث مختلفة درست العلاقة المحتملة بين بعض المبيدات ومخاطر صحية متعددة، من بينها بعض أنواع السرطان والاضطرابات العصبية والمشكلات المرتبطة بالجهاز التناسلي والتمثيل الغذائي.
الأطفال والحوامل.. فئات تحتاج إلى عناية أكبر
وتشير الصحيفة الإسبانية إلى أن الأطفال والنساء الحوامل من الفئات التي تحظى باهتمام خاص عند دراسة مخاطر التعرض للمبيدات.
فالأطفال يمرون بمراحل نمو وتطور سريعة، بما في ذلك تطور الجهاز العصبي والمناعي، ولذلك قد تكون أجسامهم أكثر حساسية لبعض المواد الكيميائية مقارنة بالبالغين.
كما تكتسب مسألة التعرض للمبيدات أهمية خاصة خلال فترة الحمل، إذ تركز الأبحاث على إمكانية تأثير بعض المركبات الكيميائية في نمو الجنين وصحته.
وتحذر الدراسة من أن حساسية الأطفال لا ترتبط فقط بصغر أوزانهم مقارنة بالبالغين، وإنما أيضاً بالعمليات البيولوجية السريعة التي تحدث خلال مراحل النمو، ما يجعل تقييم مستوى التعرض لديهم مسألة مهمة في أبحاث سلامة الغذاء.
تقنيات حديثة تكشف مئات المبيدات
في المقابل، لا يقتصر التعامل مع هذه المشكلة على تحذير المستهلكين، إذ تتطور باستمرار تقنيات تحليل سلامة الغذاء. وأوضحت «إل إسبانيول» أن الباحثين يعملون على تطوير طرق تحليل متقدمة قادرة على رصد مئات الأنواع من المبيدات في عينة غذائية واحدة، مع تحسين سرعة ودقة عمليات الكشف.
وتعتمد هذه الطرق على استخلاص المركبات الكيميائية من العينات الغذائية وتنقيتها، ثم تحليلها باستخدام أجهزة متطورة قادرة على تحديد المواد الموجودة بكميات صغيرة جداً.
وتساعد هذه التقنيات المختبرات والجهات الرقابية على مراقبة سلامة الفواكه والخضروات قبل وصولها إلى المستهلكين، والتحقق من مدى التزامها بالحدود القصوى المسموح بها.
هل يكفي غسل الفواكه والخضروات؟
رغم أهمية الرقابة المختبرية، فإن التعامل مع المنتجات الطازجة في المنزل يظل خطوة مهمة أيضاً. فغسل الفواكه والخضروات جيداً تحت ماء جارٍ يمكن أن يساعد على إزالة جزء من بقايا المبيدات والملوثات الموجودة على السطح. كما يمكن فرك بعض الخضروات والفواكه ذات القشرة الصلبة باستخدام فرشاة نظيفة مخصصة لهذا الغرض.
وقد يساعد التخلص من الأوراق الخارجية لبعض الخضروات الورقية في تقليل بعض الملوثات السطحية، كما يمكن أن يقلل التقشير من التعرض لبعض البقايا الموجودة على القشرة.
لكن الغسل بالماء لا يزيل جميع أنواع المبيدات، خصوصاً أن بعض المواد المستخدمة في الزراعة تكون قادرة على الدخول إلى أنسجة النبات، بدلاً من بقائها على سطحه فقط. وفي هذه الحالة، لا يكون غسل المنتج بالماء كافياً للتخلص من هذه البقايا بالكامل.
كيف نقلل التعرض للمبيدات؟
ينصح خبراء سلامة الغذاء بغسل المنتجات الطازجة جيداً تحت الماء الجاري وفركها عند الحاجة، مع الاهتمام بشكل خاص بالمنتجات التي تؤكل بقشرتها.
كما يمكن تنويع أنواع الفواكه والخضروات ومصادر شرائها، بدلاً من الاعتماد باستمرار على نوع واحد أو مصدر واحد.
لكن المسؤولية لا تقع على المستهلك وحده، إذ تبقى الرقابة على استخدام المبيدات ومراقبة المنتجات الزراعية من المهام الأساسية للجهات المختصة والمنتجين.
ويشمل ذلك إجراء تحاليل منتظمة للمنتجات، والتأكد من احترام الحدود القصوى المسموح بها، وتحديث المعايير الرقابية وفق أحدث الأدلة العلمية، إلى جانب تشجيع أساليب زراعية أكثر أماناً يمكن أن تقلل الاعتماد على الاستخدام المكثف للمواد الكيميائية.
لا تتوقفوا عن تناول الفواكه والخضروات
ورغم المخاوف المتعلقة ببقايا المبيدات، فإن هذه النتائج لا تعني التوقف عن تناول الفواكه والخضروات، التي تظل من أهم مكونات النظام الغذائي الصحي، لما توفره من ألياف وفيتامينات ومعادن ومركبات نباتية مفيدة.
والأهم هو الجمع بين تناول المنتجات الطازجة واتباع قواعد النظافة الغذائية، إلى جانب استمرار الرقابة على استخدام المبيدات وفحص المنتجات وفق المعايير الصحية المعتمدة.
فوجود بقايا مبيدات لا يعني تلقائياً أن المنتج غير آمن، إذ يعتمد تقييم الخطر على نوع المادة وتركيزها ومستوى التعرض والحدود التنظيمية المعتمدة. وتبقى المهمة الأساسية هي ضمان وصول منتجات غذائية آمنة إلى المستهلك، بحيث تستمر فوائد الفواكه والخضروات في الظهور من دون تجاهل المخاطر المحتملة المرتبطة بطريقة إنتاجها.
اقرأ المزيد
3 خضروات صحية قد تزيد خطر حصوات الكلى عند الإفراط في تناولها
مفاجأة غذائية.. لماذا قد تكون الخضروات المجمدة أفضل من الطازجة؟
البطيخ والتخسيس: كيف تساعدك هذه الفاكهة على خفض الوزن وترطيب الجسم؟

