وطن-أصدرت محكمة الجنايات العسكرية في مدينة حلب، الخميس، أول أحكام قضائية في قضية الانتهاكات المرتبطة بأحداث الساحل السوري التي اندلعت في مارس/آذار 2025، والتي شهدت أعمال قتل واسعة طالت مدنيين، معظمهم من الطائفة العلوية.
وقضت المحكمة بإعدام أحد المتهمين، والحكم بالسجن المؤبد على متهم ثانٍ، فيما حكمت بالسجن 20 عاماً على عنصر سابق في القوات الحكومية، بينما برّأت متهماً رابعاً من التهم الموجهة إليه. وتأتي هذه الأحكام بعد بدء المحاكمة العلنية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
أحكام بحق أربعة متهمين
وبحسب ما أعلنته المحكمة، صدر حكم الإعدام بحق أحد المتهمين بعد إدانته بتهم من بينها التحريض على إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والمشاركة في جماعة مسلحة أدت أعمالها إلى سقوط قتلى.
كما حُكم على متهم آخر بالسجن المؤبد بعد إدانته بالانضمام إلى جماعة مسلحة ارتبطت، وفق قرار المحكمة، بأعمال قتل وسلب ونهب.
أما المتهم الثالث، وهو عنصر في وزارة الدفاع التابعة للسلطات الجديدة، فصدر بحقه حكم بالسجن 20 عاماً بعد إدانته بالقتل العمد، مع احتساب مدة توقيفه الاحتياطي من العقوبة. وفي المقابل، قضت المحكمة ببراءة المتهم الرابع.
وتشمل القضية في مجملها 14 متهماً، بينهم سبعة من عناصر القوات التابعة للسلطات الجديدة وسبعة من أنصار الرئيس السوري السابق بشار الأسد، فيما يُنتظر صدور أحكام أخرى في مراحل لاحقة من المحاكمة.
أحداث الساحل.. كيف بدأت موجة العنف؟
تعود القضية إلى مارس/آذار 2025، عندما شنت مجموعات مرتبطة بأنصار النظام السابق هجمات على مواقع للجيش والأمن في مناطق الساحل، أسفرت، وفق اللجنة الوطنية السورية للتحقيق وتقصي الحقائق، عن مقتل 238 من عناصر القوات الحكومية والأمنية.
وتبع تلك الهجمات تصعيد واسع في مناطق الساحل، ولا سيما اللاذقية وطرطوس، تحول إلى أعمال قتل وانتهاكات بحق مدنيين، كان العلويون يشكلون غالبية الضحايا فيها.
وقالت اللجنة الوطنية السورية في تقريرها إن الانتهاكات ضد المدنيين ارتكبها أفراد ومجموعات صغيرة بدوافع مختلفة، ووصفتها بأنها فردية وعشوائية وليست جزءاً من نمط منظم أو ممنهج.
لكن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة قدمت توصيفاً مختلفاً، إذ قالت إن العنف الذي استهدف المدنيين على أيدي فصائل مرتبطة بالحكومة كان «واسع النطاق ومنهجياً»، وهو ما يعكس استمرار الخلاف حول طبيعة المسؤولية وحجم التنظيم وراء تلك الانتهاكات.
حصيلة القتلى تتجاوز 1400 شخص
قدرت لجنة التحقيق السورية عدد الذين لقوا حتفهم خلال أحداث مارس/آذار بنحو 1426 شخصاً، معظمهم من المدنيين، فيما أظهرت تحقيقات أخرى أرقاماً تقترب من 1500 قتيل.
وكانت وكالة رويترز قد نشرت تحقيقاً خلص إلى مقتل نحو 1500 علوي خلال الفترة بين 7 و9 مارس/آذار 2025، في أعقاب الهجمات على القوات الحكومية. كما قالت اللجنة السورية إن إجمالي القتلى شمل ضحايا من القوات الحكومية ومن المدنيين.
وبذلك، فإن استخدام رقم 1500 قتيل في توصيف أحداث الساحل يستند إلى تحقيقات صحفية، بينما يمثل رقم 1426 حصيلة وردت في التقرير الرسمي للجنة الوطنية السورية.
محاكمة تحمل رسائل سياسية وحقوقية
تكتسب المحاكمة أهمية خاصة لأنها تأتي بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وفي وقت تحاول فيه السلطات السورية الجديدة تقديم مسار قضائي لمحاسبة المتورطين في أحداث العنف.
لكن القضية لا تتعلق بطرف واحد فقط؛ فالمحاكمة تضم متهمين محسوبين على النظام السابق، إلى جانب عناصر من القوات التابعة للسلطات الجديدة.
وهذا يجعل مبدأ المحاسبة الشاملة أحد أبرز الاختبارات التي تواجه العملية القضائية في سوريا، خصوصاً في ظل استمرار المخاوف من أن تتحول محاسبة الجرائم إلى جزء من دورة انتقام جديدة.
مخاوف العلويين لا تتوقف عند أحداث الساحل
بعد سقوط الأسد، تصاعدت أيضاً مخاوف داخل أوساط علوية من عمليات خطف واستهداف ذات دوافع طائفية.
وقالت منظمة العفو الدولية إنها وثقت ما لا يقل عن 36 حالة اختطاف لنساء وفتيات علويات، تتراوح أعمارهن بين 3 و40 عاماً، في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة. وأضافت أن بعض العائلات تلقت مطالب بفدية أو تهديدات من الخاطفين.
وفي المقابل، نفت السلطات السورية أو قللت من حجم بعض التقارير المتعلقة بالخطف، ما يعكس استمرار التباين بين الرواية الرسمية وشهادات منظمات حقوق الإنسان وعائلات المفقودين.
العدالة في مواجهة الانقسام الطائفي
ولا تنفصل هذه المحاكمات عن سياق أوسع تعيشه سوريا منذ سقوط النظام السابق، إذ تواجه السلطات الجديدة ملفات متراكمة تتعلق بانتهاكات ارتُكبت خلال الحرب، سواء من جانب قوات النظام السابق أو من جانب جماعات وقوات شاركت في الصراع بعد عام 2011.
وتأتي أحكام حلب في وقت بدأت فيه المؤسسات السورية الجديدة أيضاً بإعادة تشكيل المنظومة القضائية؛ فقد صوّت البرلمان السوري في 16 سبتمبر/أيلول 2026 على إلغاء محكمة مكافحة الإرهاب التي أنشأها نظام الأسد وإبطال أحكامها، في خطوة مرتبطة بإعادة النظر في إرث القضاء خلال الحقبة السابقة.
وتبقى الأسئلة الأهم مرتبطة بقدرة القضاء على التعامل مع الانتهاكات بعيداً عن الانتقام السياسي أو الطائفي، وبمدى ضمان حقوق المتهمين والمحاكمة العادلة، وبما إذا كانت المحاكمات ستشمل جميع الأطراف المتورطة في أعمال العنف.
فأحداث الساحل لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين أنصار النظام السابق والقوات الجديدة، بل تحولت إلى مأساة طالت مدنيين من خلفيات مختلفة، ولا تزال آثارها حاضرة في المشهد السوري.
ومع صدور أول الأحكام، تبدأ مرحلة أكثر حساسية: تحديد المسؤوليات الفردية وفق الأدلة، ومحاسبة المتورطين من مختلف الأطراف، بما يضمن للضحايا حقهم في العدالة ويحد من خطر تحول القضاء نفسه إلى أداة جديدة في الصراع السوري.
اقرأ المزيد
واشنطن ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. خطوة تاريخية وسط توتر مع إسرائيل
من إدلب إلى دمشق: قصة النموذج التكافلي الذي غيّر مفهوم الرعاية بعد إعادة توحيد سوريا

